أميركا تنقلب على العالم!  / ماجد توبة

على غرار قراره الأهوج والمخالف لمواقف معظم دول العالم والشرعية الدولية بنقل السفارة الأميركية الى القدس المحتلة والاعتراف بها عاصمة لكيان الاحتلال، أصر الرئيس الأميركي على موقفه المعلن منذ ما قبل انتخابه، وقرر سحب بلاده من الاتفاق النووي للدول الكبرى مع إيران، فاتحا الأبواب لتصعيد خطير لا يعرف مداه مع إيران، لن تقف تداعياته عند الولايات المتحدة وإيران فقط، بل قد تطال كل الشرق الأوسط والمنطقة العربية!

كل الاعتراضات والتحذيرات الدولية، بل ومن الحلفاء الغربيين، لترامب، بعدم الذهاب الى خيار إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، ذهبت أدراج الرياح لدى هذا الرئيس، الذي سبق للصحافة الأميركية أن توسعت في تشخيص سلوكه وشخصيته الهوجاء والمتطرفة، وغير السوية نفسيا في العديد من الأوجه، وهو الذي سبق وأن “غرّد” بتصريح مرضيّ لا يعكس موقف وشخصية رئيس أكبر دولة في العالم، عندما رد على الزعيم الكوري الشمالي بأنه يملك في مكتبه “زرا نوويا أكبر” مما يملكه الكوري!

وبخلاف قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، الذي لم يجد موقفا عربيا موحدا وحازما يتصدى له أو يردعه، فإن قرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق الدولي مع إيران ووجه قبل صدوره وسيواجه الآن بمعارضة واسعة من الحليف الأوروبي، ليس فقط لنقضه اتفاقا دوليا مهما وبما يهدد السلم والأمن العالمي، بل ولأنه يمس مباشرة بالمصالح الأوروبية التي ستتضرر مباشرة من قرار ترامب، وتدخل الطرفين في باب واسع من التناقضات والصراعات على المصالح.

على مستوى المصالح الاقتصادية، فإن الأوروبيين، كما باقي الأطراف الدولية الكبرى، أسسوا استنادا للاتفاق المذكور، لمصالح اقتصادية كبيرة عبر مروحة واسعة من الشركات والمؤسسات المالية والتجارية الدولية والأوروبية، لعلاقات مفتوحة مع إيران واقتصادها الكبير، فيما سيفرض الانسحاب الأميركي من الاتفاق والعودة لفرض العقوبات الأميركية على إيران وعلى كل من يتعامل معها، إضرارا واسعا بهذه الشركات وباقتصادات دولها، فالقرار الأميركي يخلق إرباكا وأخطارا اقتصادية ومالية تمس جوهر النظام الاقتصادي الدولي.

طبعا؛ كل هذه الأخطار والإرباكات تأتي بلا ذنب لأي من الشركات أو الدول الأوروبية ممن كانت تعتقد أنها تتعامل مع عقلاء ورؤساء وحكومات سوية، لا مع رؤساء نزقين وضحلين سياسيا وثقافيا، لا يستطيعون التركيز في موضوع لأكثر من دقائق عدة، وهي الملاحظة التي ثبتها الكتاب المثير “نار وغضب” لمايكل وولف عن ترامب.

السؤال الذي سيواجهه ترامب اليوم أميركيا ودوليا؛ هو “ما هي الرسالة التي سترسلها الولايات المتحدة للمجتمع الدولي وهي تنقلب على اتفاق دولي بعد أقل من ثلاث سنوات على توقيعه رغم كل ما يحمل ذلك من أضرار وأخطار على المصالح العالمية؟”.

لا أعتقد أن خطوة ترامب التي جرّ إليها الولايات المتحدة بالانقلاب على اتفاق دولي بأهمية وخطورة الاتفاق مع إيران، ستمر مرور الكرام كما مرت، وللأسف، خطوته بالاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، فحجم الضرر المباشر على مصالح الدول الكبرى، بما فيها الحليفة لأميركا، وعدم تقدير الأخطار التي يجرها القرار على القانون والعلاقات الدولية وعلى الأمن والسلم الدوليين، كل ذلك لن يسهّل بالمحصلة صمود مثل هذا القرار، وإن أصر ترامب عليه، فغير مستبعد أن يرتد بآثاره السلبية على مستقبله السياسي.