أمي تستعد لمعركة الانتصار على المرض مرة أخرى / رضا استيتية

لم نكن نعرف حينها أن سبب التشجنات اليومية التي تصيبها كانت تتعدى كونها الشقيقة كما كان يخبرنا طبيبها ,عندما كان يصف لها على الدوام مختلف أنواع المهدئات لتنال حصتها من تعبها اليومي .

   شاءت الصدفة أن يقوم أحد أطباء مستشفى البشير الذي قامت بمراجعته بعد إصابتها برعاف شديد من أنفها بتصوير دماغها من باب الأطمئنان العام على صحتها ,لتخبرني بعدها أنه أكد لها وجود ورم غريب في الجهة الخلفية لدماغها , وعلى إثرها راجعت مستشفى الحسين للسرطان.

عندها أكد لنا الطبيب وجود الورم , وأن درجته وحجمه يتعدى كونه حديثا , وفيما بعد قام بربط بدايته ببداية تعرضها للتشجنات التي كانت تصيبها أي منذ ما يقارب السبع سنوات. عندها، لم تكن تخشى أمي الموت بقدر خوفها من مفارقة ابنيها الاثنين .

***

   “رح نبلش العلاج” هذا ما قاله الطبيب عند بداية كلامه عن الخطوة العلاجية الأولى .. عمليةٌ جراحيةٌ تتلخصُ بشق رأسها مقدار أربعة عشر قطبة والعبث بدماغها لمداعبة أمل بسيط يسهل من قدرة الطبيب على انتزاع الورم أو انتزاع جزء منه , وبعد موافقتها أحضر لها ورقةً تخلي مسؤولية الطبيب والمستشفى من أية أعراض قد تصيبها مستقبلاً من شلل نصفي أو كلي أو فقدان لحاسة السمع أو النطق أو فقدانها لحاسة البصر, تحت ضغوطها الذاتية وضغط من حولها قمت بالموافقة.

   قبل إجراء العملية لم يؤذها فعليا إلا خوف ابنها الكبير الذي كاد أن يستسلم للسقوط عندما قبّلها وذهب مبتعداً بكل خوفه .

   بعد ما يقارب الخمس ساعاتٍ متواصلةً خرج الطبيب ليبشرنا بصحتها الجيدة ويتأسف كثيراً لعدم قدرته على انتزاع الورم أو بعضه من رأسها , وأكمل (بعد شوي بتقدروا تشوفها في العناية الحثيثة) , ترى ماذا يجول ببالها الان ؟ ماذا تريد ؟ ماذا حدث لها ؟ يتفق الجميع على أنها لم تقبل الخضوع لهذه العملية الا خوفا من مفارقة ابنيها الاثنين .

***

   كان أول زائريها زوجها –طبعا- . بعد ارتداءه لملابس العزل وتحذيره كثيراً من الاقتراب منها ولمسها , بدأ كلامه معها :”الحمد لله على سلامتك حجة” , لترد عليه بصوتها المتعب الهزيل وبكل جبروت الأم : “بدي ولادي” , ابنها الكبير وقف أمامها بكل خوف :”الحمد لله على السلامه يا روحي” لترد هنا مرة أخرى بجبروتها لا بلسانها :”دير بالك على حالك وعلى أخوك” .

   مر ما يقارب الشهرين على العملية الجراحية , وصلنا الآن الى المرحلة الثانية من العلاج , أن تذهب على مدار واحد وثلاثين يوما على قدميها لتنقل ما يقارب الساعتين من الزمن لتعرض رأسها للاشعة العلاجية وما يترتب عليها من الآم وسقوط شعرها والتعب والأرهاق , واحد وثلاثون يوماً من الموت البطيء خوفاً من مفارقة ابنيها.

***

   لم تنجح جلسات الأشعة العلاجية وعذابها المطبق بتغيير وضعها الصحي , في نفس الوقت الذي بدأت فيه أعراض المرض والعملية الجراحية والأشعة العلاجية بالظهور ,سقوط كامل شعرها الجميل , صعوبة كبيرة بالمشي والوقوف , ضعف عام في جسدها وبالاخص نصفها الأيسر , امتلاء جسدها بالسوائل بسبب الكورتزون الذي تسبب لها أيضا بما يعرف (سكري الكرتزون) ,

   أصبح موضوع اختلال توازنها وسقوطها أرضا هو أمر واقعي لا مفر منه , لم تشفع آلامها  لها من السقوط مراراً وتكرارأ على رأسها وظهرها , وانتهى بها الحال أن انتقلت من الوقوف على قدميها الى الكرسي المتحرك .

   في المشفى بعد تحويل حالتها من طبيبها المعالج إلى طبيب اخر أخبرها بكل برودة أعصاب (بدنا نبلش كيماوي ست هناء) , وهو كما يعرف الجميع أقسى وأصعب أنواع العلاج إذ أنه يقوم بقتل الخلايا المريضة والجيدة , ويعمل على تدمير المناعة  ويعني وجوب عزلها عن العالم طوال فترة العلاج الكيماوي , بمعنى آخر هو طريقة أخرى للموت , بعد حيرة طويلة من أمرها وافقت , خوفا من مفارقة ابنيها.

***

   خمسة أشهر من الموت المبطن بالجرعات الكيماوية التي كانت تشترط لأخذها أن يكون ابناها موجودين معها , خمسة أشهر من الانعزال ولبس الكمامات على وجهها , خمسة أشهر يحظر عليها تماما أن تقبل أبناءها  , خمسة أشهر كانت بحد ذاتها تجربة للمعركة بين الموت وجبروت الأم .

   هذه المره كانت الخمسة أشهر في الجحيم (إن صح التعبير) كافية لانتصارها تماماً على الورم , ذهب الورم في خبر كان , خرجت من المعركة الطويلة منتصرة بكرسيها المتحرك على ورم سرطاني دماغي من الدرجة الثانية , لنعيش بعدها محاولين إصلاح ما دمره المرض والعلاج .

   للأسف لم تدم نشوة الأنتصار لأكثر من عام , عندما عادت صحتها للانتكاسة مرة أخرى , حيث أظهرت آخر صورة طبقية لدماغها أن الورم قد عاد , وأخبرنا الطبيب أنه قد بلغ مرحلته الثالثه , كان من الواضح أنه في هذه المرة شيء ما اختلف عندما كان ردها “بتعالج مره تانية وبروح المرض” جبروتاً منها وخوفاً من مفارقة ابنيها.

***

   الكيماوي هذه المره كان أقسى بدرجات ودرجات , لم يحتمل جسدها ذلك , بدأت مناعتها بالتناقص كثيرا متسببةً بتكسر صفائح دمها وظهور الكثير من البقع الزرقاء على جلدها , ولكن هذه المره اختلفت الأمور , أصبحت مقاتلةً شرسةً متمرسةً تبلغ من العمر ستةً وخمسين عامً , تواجه المرض بابتسامة جبروتها دائما .

   أمي الأن تستعد لتخوض معركة جديدة , جولة أخرى من العلاج بالأشعة العلاجية , جولة أخرى من آلام الرأس وفقدانها لشعرها , من أصابتها بالدوران وتعبها , أمي الآن تستعد مرة أخرى لتنتصر على المرض , بجبروتها وخوفا من مفارقة ابنيها .

النهاية

هناء استيتيه – رضا استيتيه