فكر

إيرلندا… فوز اليسار وقراءة في التجربة


هل بات الفوز الكبير الذي حققه الحزب اليساري الجمهوري الإيرلندي “الشين فين” في الإنتخابات النيابية الأخيرة فاتحة لتوحيد شطري الجزيرة الإيرلندية والمقسمة منذ ما يزيد عن قرن من الزمان حيث يقبع جزء هام منها تحت حكم التاج البريطاني؟. وهل يحوّل هذا الفوز عملية التوحيد هذه إلى إمكانية واقعية بعد أن كانت بعيد المنال.


لقد حصل حزب الشين فين على 24,5% من أصوات الناخبين ليكون بذلك قد تولى الصدارة وكسر احتكار الحزبين الآخرين الوسطيين اللذان حصلا على 22,2% و 20،9% على التوالي. ورغم فوزه بأعلى نسبة تصويت إلا أنه سيكون الثاني في الترتيب في عدد المقاعد البرلمانية (37 مقعداً) بسبب عدم مشاركته سوى ب 42 مرشحا فقط، في حين خاض الحزبان الآخران الإنتخابات بضعف هذا العدد. وسيحصل الحزبان الآخران على 38 ، و 35 مقعداً على التوالي من برلمان قوامه 160 مقعدآ، أي أن هناك خمسون مقعدآ باقية للأحزاب الصغيرة والمستقلين.
بعد هذه الانتخابات إما أن يستطيع حزب الشين فين من أن يتسلم قيادة تحالف برئاسته، أو أن يكون صانعآ لرؤساء الوزارات. وفي كلتا الحالتين سيدفع باتجاه إعادة الاستفتاء من أجل وحدة الجزيرة الإيرلندية، خاصة مع التصويت الذي تم في ايرلندا الشمالية التي تقع تحت الحكم الملكي البريطاني والذي كان نتيجته أن 65% من السكان يؤيدون بقاءهم في إطار الإتحاد الأوروبي، وهو ما يتناقض مع سياسة البريكسيت التي تنتهجها بريطانيا.
ومع سياسة البريكسيت (British exit) البريطانية فإن دول الإتحاد الأوروبي يعتبرون التواصل البري ما بين جمهورية ايرلندا وبين المقاطعات التي تحكمها بريطانيا من ايرلندا في الشمال هي إحدى المعضلات الكبيرة. وهم يفضلون لو أنهم يتعاملون مع بريطانيا في ظل سياستها كجزيرة منعزلة دونما أي تواصل بري معها درءآ للمشاكل المترتبة خاصة وأن جمهورية ايرلندا هي ضمن إطار الإتحاد الأوروبي.
ونجاح هذا الحزب اليساري لم يكن عرضيآ أو بالصدفة، بل كان مدروسآ ومبرمجآ وممنهجآ، ولعب فيه العامل الذاتي للحزب دورآ هامآ ورئيسيآ. فبقيادة الأمين العام الجديد للحزب السيدة ماري لو ماكدونالد استطاع الحزب من بلورة سياسات معارضة مسؤولة لحكومة الأقلية التي كان يقودها رئيس الوزراء فارادكار(41) عامآ والذي وصلت الهزيمة لسياساته حدآ جعله يخسر الإنتخابات على مقعده الشخصي في دائرته الإنتخابية لصالح الفائز من الشين فين.
لقد استطاع الشين فين ومن خلال تحليل متقدم لواقعه الموضوعي وعبر فعالياته المتعددة من أن ينتقد ويقنع الجمهور حول مسائل التفاوت الكبير في الثروات وضرورة المساءلة على ذلك، كما نجح في انتقاده لسياسة الإسكان الحكومية وأزمة نقص المساكن،وكذلك نقص الخدمات بشكل عام والخدمات الصحية بشكل خاص.
لقد تواجد الحزب بقوة على شبكات التواصل الاجتماعي، فمن بلد يشارك في انتخاباته 3،3 مليون ناخب حصل الحزب في الشهر الأخير فقط على 60% من التفاعلات على صفحته على الفيسبوك، بينما لم يحصل الحزبان الآخران على أكثر من 10% من التفاعلات, وكذلك على انستغرام حصل على 46% من التفاعلات على الرغم من قلة منشوراته نسبة إلى أي حزب رئيسي آخر.
كل هذه السياسات المنهجية، والفعاليات المختلفة التي كانت تدعمها، وجدت هوى واستجابة من عنصر الشباب في المجتمع. فحسب استطلاعات الرأي من أمام مراكز الاقتراع حصل الحزب على 32% من أصوات الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 – 32 عامآ.
لقد كان هناك لدى الشارع شعور عام وإحساس بضرورة التغيير، لكن العامل الذاتي للحزب، بقراءته العلمية للواقع، بصياغة رؤيته، وسياساته، وطريقة عرض وجهة نظره، ونشاطه, وتفاعله، هو الذي مكن لهذا الشعور العام والتوق للتغيير من أن يتجسد في الواقع. باعتقادي هذا هو درس ايرلندا الأهم.

بواسطة
فايز الشريف
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق