مقالات

استهداف قطاع التربية والتعليم / د. م. سـفـيـان الـتــل

*** تصل بي بعض الأصدقاء من الفيسبوك طالبين إعادة نشر ما اشرت اليه في تغريدة قبل أيام حول سابقة تدريس الهولوكوست (المحرقة) في بعض مدارسنا. وتذكرت انني ضمنت ذلك في كتابي.

” الهيمنة الصهيونية على الأردن” تحت عنوان استهداف قطاع التربية والتعليم.

وللفائدة وللعلاقة الوطيدة بين هذا الفصل واضراب نقابة المعلمين القائم حاليا، ولإعادة التأكيد على الحقوق الدستورية والشرعية للنقابة، رأيت إعادة نشره علما انه منشور في الكتاب المشار الية، الطبعة الأولى صفحة 369 والطبعة الثانية صفحة 378 حيث يمكن الرجوع اليه أيضا، مع ملاحظة ان تاريخ النشر الاول يعود الى ما قبل ترخيص نقابة المعلمين.

استهداف قطاع التربية والتعليم

حينما كنت طالبا في ألمانيا وتفاعلت مع الطلبة والمجتمع، اكتشفت القيمة الحقيقية للمعلم، وتأثيره على نشأة الأمة، وتوجهها الاستراتيجي. اكتشفت أن المعلمين الذين دخلوا المدارس بعد هزيمة ألمانيا في الحرب، وكذلك المناهج التي كانت تدرس قد أنتجت جيلا متأمركا متصهينا، يحقد على تاريخ ألمانيا ونظام حكمها السابق، ولا يريد أن يسمع رأيا ايجابياً عن ذلك النظام. وكان هتلر بنظر أجيال ما بعد الهزيمة، قاتل ومجرم حرب وسفاح. ولم أجد واحدا يقول انه كان قائدا عسكريا خسر حربا.

وكنت اسألهم لماذا ينظر الفرنسيون إلى نابليون قائداً وبطلاً ورمزاً عظيماً، علماً أن الاثنين حاولا توحيد أوروبا عسكريا، فنجح أحدهما وفشل الأخر.

وعندما تفاعلت مع اليابانيين وأجيال ما بعد هيروشيما وناجا زاكي، وجدتهم تماما متأمركين كأجيال ألمانيا ما بعد الهزيمة.

لا أريد أن أسترسل، وأخلص إلى النتيجة، أن الدول المنتصرة فرضت على الدولتين المهزومتين حكاما موالين، ونظاما تعليميا، يبدأ بالحضانة، مبرمجا وممنهجا لفصل الأجيال عن تاريخها، ولتنشئتها كما يريد أعداؤها لها أجيال حسب الطلب.

بعد هذه المقدمة أريد أن أقول لكم لماذا رفضوا في الأردن أن يكون لكم نقابة للمعلمين .

أولاً: لأنهم من أجيال الهزيمة التي فرضتها الدول المنتصرة على الأمة المهزومة. أجيال تتعامل مع جيوبها وبطونها لا مع عقولها، وهي مطروحة للبيع في سوق النخاسة لمن يدفع أكثر. وهي بالتالي تريد أن تنشأ أجيالا على شاكلتها، ليس للتحرر والتطور الحقيقي مكان في أجندتها.

وثانيا: لأنهم يخشون أن تكون نقابة المعلمين قادرة ولها الحق في إنشاء وإدارة منظومة تعليمية وطنية، تضم المعلم والمنهاج والطالب، فتشدهم إلى تاريخهم وتراثهم ومعتقداتهم وثوابتهم.

وثالثا: لأن المعلمين في غالبيتهم الساحقة وطنيون من إنبات هذه الأرض، لا يدينون بالولاء والانتماء لغير هذا الوطن، ويعتبرون التعليم رسالة ومسئولية ومستقبل امة.

لذلك كنتم وما زلتم مستهدفين، وكان الهدف إيجاد المعلم الفقير، المعوز الضعيف، المهزوز، فاقد الإرادة، غير القادر على المواجهة، وغير القادر على النقد والتحليل وبناء العقول وتفعيلها. وبالتالي إيجاد المعلم غير المؤهل للتربية الوطنية الحقيقية.

المناهج: بعد استهداف المعلم تستهدف المناهج. وقد أوغلوا تخريبا وتدميرا فيها، ورفعوا منها كل ما من شأنه تفجير الحس الوطني، والدعوة للتحرر والانعتاق وتحديد أعداء الأمة، وترتيب أولوياتها، والاعتزاز بتاريخها وتراثها ومعتقداتها.

وبالغوا، فأصبحت المناهج تأتي مستوردة، معدة من أعداء الأمة، إلى الحد الذي أوصلتهم ضعتهم ومهانتهم، إلى تدريس الهولوكوست لضحايا الصهيونية من أبنائنا وفي مدارسنا.

الطالب: بعد المعلم والمنهاج يكون الطالب الفريسة السهلة للتغريب والتخريب والتجنيد في مسارب الضياع. مسخرا بدون وعي للدفاع عن أعداء أمته ومحتلي وطنه. يأخذ بتقليد المنتصرين، كما يقول أبن خلدون، في المأكل والمشرب والملبس. وأضف إلى ذلك اللحن في القول، والسخرية من ثوابت الأمة وتراثها وقيمها وتاريخها. وهو في ذلك يعتقد انه من المتبحرين في العلم المتفوقين على الأقران. وبذلك يكون مستقبل الأمة كلها بأيدي أعدائها وهي تتوهم انه بأيدي أبنائها.

الحق في النقابة:

بعد كل ما سبق أود أن أقول لكم، وأنتم من البقية الباقية على العهد، الملتزمة بثوابت الأمة، إن نقابتكم حق غير قابل للنقاش ولا للتفسير، وإن الحقوق تنتزع ولا تمنح، فهي ليست هبات ولا مكرمات ولا نصوص يفسرها حملة المباخر الذين لم يتوقفوا يوما عن إقصاء العقول وتقديم الطبول.

ولن يفوتني أن أنبهكم أن تكونوا على غاية الحذر، فما يسمونه بالتنازلات ليس إلا الانحناء أمام العاصفة.

قطاع التربية والتعليم، والتعليم العالي والثقافة والإعلام في وثيقة (تغيير)

وبهذه المناسبة لن يفوتني أن أقول لكم أن نخبة من إخوتكم الكرام من أصحاب العقل والرأي الذين أعدوا وثيقة الجمعية التأسيسية الوطنية للتغيير (تغيير) وضمنوها أربعة محاور أساس: ديمقراطي، وسياسي، واقتصادي، واجتماعي، وافردوا محورا لقطاع التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والإعلام. وقد وجدت من المناسب أن أقدمه لكم وهو موجز ومكثف.

فمع تزايد أهمية الشباب ودورهم في الحياة السياسية والاجتماعية، يتطلب الوضع الحالي في هذا القطاع إنقاذ النظام التعليمي والتربوي بطلبته ومعلميه ومناهجه ومدارسه، والتي خضعت جميعها للتغريب عبر تدمير العلاقة بين الطالب وتاريخه ووطنه وحضارته، فحُرفت المناهج واستُوردت، وغابت عنها الرقابة، حتى تضمنت تدريس الهولوكوست اليهودي لأبنائنا وإهمال القضية الفلسطينية والقضايا الوطنية، وأُهينت اللغة العربية لحساب الانكليزية، وتنازلت حكومات التبعية عن الهوية الوطنية لمدارس خاصة، ولصالح هيئات أجنبية تعادي طموحات الأمة وتاريخها وثقافتها، وتعمل على غسيل ادمغه أبنائنا والعبث بمعتقداتهم وثقافتهم، ولتخرجهم أجيالا متأمركة متصهينة، تتنكر لتاريخها وتراثها وثقافتها، وتتحول إلى سفراء للعدو، تخدمه وتدافع عن مصالحه من حيث لا تدري. كما استهدف المعلم بالإفقار والتجويع والتهميش وحرمانه من حقوقه الأساسية كتشكيل نقابة ضمنها له الدستور.

كما تدنى التعليم الجامعي إلى مستوى غير مقبول، فتحول إلى تجارة وتجهيل ومكارم وأعطيات ومطابخ لإعداد القادة الفاسدين، واستبعد أو حُجم كبار الأساتذة وأصحاب العقول، ومنعوا من العمل على بناء الانسان وتوجيه الطلبة إلى استعمال العقل والتحليل والاستنباط، وتم الالتزام بالتلقين والتقليد والتهميش، وخُلقت وغُذيت المشاعر الإقليمية والجهوية والعشائرية، بهدف تشتيت الطلبة وتفريغ طاقاتهم بعضهم على بعض، ونزعت المشاعر الوطنية من نفوسهم، وتم تغييبهم عن التنمية السياسية.

وانطلاقا من كل ما سبق فإن هذا القطاع يحتاج إلى:

تحرير المناهج التعليمية من ثقافة التلقين والتهميش والعدمية والتغريب بمدارسها ومناهجها المختلفة، واستبدالها بما يعزّز ثقافة الوعي النقدي وحقوق الإنسان والحوار واحترام التعددية وتنمية روح الإبداع والبحث العلمي.

إعادة النظر في أنظمة التعليم الجامعي والعالي ويشمل ذلك، الحرية الجامعية، والهيئات التدريسية وتأهيلها، وتغيير أسلوب إدارة الجامعات، وأنظمة التعيين والقبول، واستكشاف المواهب، وتكافؤ الفرص.

تحرير شخصية المواطن من السياسات التي تكرس سيكولوجيا الخوف، والدونية، وعبادة الفرد، وثقافة الاستهتار بالعمل المهني المنتج. وبالمقابل، العمل على بناء وتكوين هذه الشخصية، وفق أسس تكرّس وتعزّز الكرامة، وروح المشاركة، والمبادرة، والشرف الوطني.

ضمان الحق النقابي للمعلمين والطلاب والشباب بدون أي تدخل من أي جهة كانت.

مجانية وديموقراطية التعليم في كل المراحل.

الارتقاء وتوحيد مستويات المدارس في أرجاء الأردن كافة.

تحرير الشخصية والمناهج من ثقافة الاحتقانات الجهوية، والإقليمية، والمذهبية، وثقافة التطبيع والهزيمة، واستبدالها بثقافة تعمق الانتماء لهوية الأمة ومصالحها كما تعمق ثقافة المقاومة ضد العدو الصهيوني، وكل المحتلين والغزاة الامبريالين الأجانب.

إعادة النظر في السماح في افتتاح المدارس والكليات والجامعات الأجنبية ويشمل ذلك إقرار مناهجها وإداراتها وأنظمة قبولها وعلاقاتها الخارجية وإخضاعها للرقابة الوطنية.

إعادة تأهيل جميع شبابنا الذين خضعوا إلى عمليات غسيل الأدمغة، والذين أوفدوا للتدرب في مؤسسات مشبوهة، تسوق للتطبيع مع العدو الصهيوني.

تحصين الدولة والمجتمع ضد كل إشكال التغلغل الأمني الصهيوني والاستخبارات الاستعمارية العالمية.

وقف الهيمنة الرسمية على الإعلام واحتكاره خاصة ذلك الذي يخدم سياسات الفساد والاستبداد، ويحرم الرأي الوطني الملتزم من الدفاع عن قضايا الوطن وكرامته وموارده وأمنه الوطني وقضايا الحريات عموما.

نقابة المعلمين حق دستوري

إن تشكيل نقابة للمعلمين هو حق دستوري ضمنه الدستور الأردني، بغض النظر عن التفسيرات الموجهة والمبرمجة، والتي ليس لها هدف إلا تنفيذ سياسة أعدت خارج البلاد وينفذها بعض المرتبطين والملتزمين بسياسة التبعية والدور الوظيفي المخصص لهم.

إن هذا الموقف المستهجن تجاه المعلمين، هو جزء لا يتجزأ من جملة السياسات الحكومية، التي أوقعت البلاد في سلسلة من الأزمات المستعصية، والتي يتفاقم شررها يوما بعد يوم، وأخذت نتائجها تظهر للعيان في ظاهرة الصدامات العشائرية وظاهرة العنف الجامعي.

إن رفض الحكومة الحالية والحكومات السابقة السماح للمعلمين بتشكيل نقابتهم، وتنفيذها لسلسلة من المناورات، والتسويف، والمماطلة، والعمل على شق صف المعلمين وتأليب بعضهم على بعض بشتى الوسائل، ليس إلا الاستهداف المبرمج لقطاع التربية والتعليم بكامله، مناهج وطلبة ومعلمين. وللخروج بهذا القطاع عن خطه الوطني.

أما المناهج فقد حذفوا منها كل ما طلب الكيان الصهيوني حذفه، خصوصا ما كان ينمي حب الوطن والدفاع عنه وما يذكي روح الجهاد لدى الطالب ويربطه بتاريخه وتراثه وأرضه. لا بل زادوا على ذلك بان سمحوا بتدريس الهولوكوست اليهودية المزعومة، (المحرقة اليهودية) حتى أن دموع أطفالنا لتنهمر شفقة على عذابات اليهود المزعومة. وحتى لا أكون متجنيا على حكوماتنا اذكركم بالكتاب الذي يدرس لأطفالنا في الأدب الانكليزي موشحا بنجمة داوود. ELEMENTS OF LITERATURE، THE DIARY OF ANNE FRANK

والقصة في أكثر من 100 صفحة ولا أظن أن مناهجنا (المطورة) قد تضمنت هذا الحجم من الصفحات عن القضية الفلسطينية وعذابات الفلسطينيين.

وأما الطلبة فكلكم يعرف أن استهدافهم وغسيل أدمغتهم قد ابعد غالبيتهم عن هموم الوطن وأوصلهم إلى ظاهرة العنف الجامعي، وهو المخطط الصهيوني الهادف لتفريغ طاقات الشباب على بعضهم.

وأما المعلمون فيُستنزفون لسنين طويلة وهم يطالبون بحقهم الدستوري في تشكيل نقابتهم، ويستثنون وحدهم من كل شرائح المجتمع التي شكلت نقاباتها وتدافع عن حقوقها.

والآن أصبح واضحا أن المتنفذين في أمور هذا البلد لا يريدون أن يكون للمعلمين نقابة حتى لا يكون لهم رأي في المناهج والتربية الوطنية.

من أجل كل ما سبق فأننا نعتبر أن تشكيل نقابة للمعلمين هي مسؤولية وطنية لا تقتصر على المعلمين وحدهم، وإنما تقع على عاتق كل مؤسسات المجتمع المدني، والتي يتوجب عليها تقديم كل الدعم والمؤازرة لتشكيل هذه النقابة، وتنسيق العمل لمواجهة كل هذا التجاهل وإدارة الظهر لمطالب المعلمين الشرعية.

بواسطة
د. سفيان التل
المصدر
سواليف
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق