الأول من أيار، يوم على امتداد الزمن الرأسمالي المأزوم / محمد المعوش

من معامل الصلب والآلات البخارية العاملة على الفحم الخاص بإنتاج الات ووسائل النقل التجارية، إلى معامل النسيج وغيرها، في المدن الصناعية الكبرى في القرن الثامن عشر خصوصا، التي غصت بالاحياء العمالية الفقيرة والمكتظة، كان تشكل الحركات العمالية والنقابية والاضرابات والانتفاضات الكبرى في وجه الاستغلال الرأسمالي المباشر، والتي شكلت الأرضية المادية لتقدم الفكر الاشتراكي العلمي، وبوحدة الفكرة مع الحركة المادية للطبقة العاملة وقتها تشكلت صيرورة ولادة المجتمع الجديد.

وفي الأول من أيار من كل عام، يتم بالاحتفال بعيد العمال العالمي الذي وبعيدا عن أصله التاريخي، صار ليس فقط يوما للتأكيد على الحقوق وقضية الاستغلال ووفاء لشهداء الطبقة العاملة، بل أيضا يوما للاحتفال بانجازات الطبقة العاملة تاريخيا، والثورات الاشتراكية التي قامت وكانت الطبقة التي لا تملك ما تخسره إلا قيودها في طليعة وقيادة هذه الثورات، ممثلة بحزب الطبقة العاملة الطليعي، أو طليعة الطليعة الاجتماعية، الحزب المسلح بالماركسية اللينينية في الفكر والتنظيم.

ولكن بعد تقدم الحركة الثورية عالميا ومن ثم تراجعها في النصف الثاني من القرن الماضي، شهد العالم تقدما للفكر النيوليبرالي ونموذجه الاقتصادي القائم على الريع وضرب القوى المنتجة الحقيقية في اغلب الدول التابعة، حيث ان صورة الطبقة العاملة في صورتها التي تشكلت في المعامل والمصانع تغير في اغلب المجتمعات، وأصبحت تعكس حالة الاقتصاد النيوليبرالي الخدمي الريعي، ما عدا الدول التي حافظ فيها الإنتاج الحقيقي على وجوده، او في القطاعات الخدمية التي تحمل طابع وحدة القوى العاملة فيها، كالنقل مثلا(حالة الإضرابات في قطاع النقل في أوروبا مؤخرا كمثال واضح، فرنسا وألمانيا نموذجا، او قطاع التعليم في عدة دول في العالم ومنها الدول العربية كالأردن ولبنان وتونس مؤخرا).

حالة الاقتصاد الريعي وخصوصا في الدول التابعة اقتصاديا كالعديد من الدول العربية انتجت طبقة عاملة مفككة تنظيميا ويغيب عنها طابع التنظيم والترابط المباشر (قطاع التجارة مثلا)، حيث ان اغلب القوى العاملة تفتقد الى الأطر الجامعة في مكان العمل (كالمعامل الكبرى مثلا)، وخصوصا ان ضرب القطاعات المنتجة التي تشكلت في بعض الدول التابعة، وضرب الزراعة، ضرب نسبة القوى العاملة الزراعية والصناعية نسبة للقوى العاملة في القطاعات الريعية الخدمية. هذا التفكك و»الميوعة» في جسم الطبقة العاملة انعكس فكريا في مقولات بعض «اليسار» ان دولنا التابعة مثلا «لا يوجد فيها طبقة عاملة»!

وانعكس أيضا في تراجع فعالية وحضور أحزاب التغيير الجذري على مستوى القاعدة الجماهيرية، وبالتالي فقدان الزخم الجماهيري.

هذا الواقع الجديد للطبقة العاملة لا يعني غيابها، بل يعني ان اشكالا جديدة من التنظيم والاطر النقابية واطر بناء الصلات ما بين قوى التغيير والقوى الاجتماعية العاملة، يجب ابتداعها وتشكيلها من اجل التعويض عن ضعف تشكل الطبقة العاملة.

هذا الواقع إضافة إلى الأزمة المالية منذ ال2008 وانهيار اقتصادات العديد من البلدان، إضافة الى تراجع النمو والتوظيف والفساد المالي في الدول التابعة، مترافقا مع الحروب والأزمات الوطنية التي اوجدتها الحروب الامبريالية ومحاولات تفكيك الدول وما انتجه ذلك من ويلات اجتماعية معيشية، كل ذلك يساعد على توسيع اطار القوى التي تعاني ظروف حياة غير إنسانية يومية إلى حد يطال أغلب القوى الاجتماعية، وهذا كله يمكن البناء عليه للتعويض عن ضعف تشكل الطبقة العاملة موضوعيا، وهو ما يشكل أرضية قوية لفعالية قوى التغيير الجذري في تمثيل هذه القوى، بشكل أوسع من تمثيل الطبقة العاملة وحدها، لكي يطال المجتمع المتضرر ككل، من اجل توحيده ضمن برنامج وطني انقاذي تغييري جذري.

هذه الأرضية المأزومة للاقتصاد والمجتمعات التابعة في دولنا، او المأزومة وطنيا، إضافة الى توصيف تفكك الطبقة العاملة، يفرض ابتداع اطر تنظيمية وجماهيرية لا تنحصر فقط في التمثيل النقابي المباشر، لتشمل مثلا الاف الشباب المعطلين عن العمل(كحالة اتحاد المعطلين عن العمل في تونس مثلا) او اطر التواصل مع السكان التي تعاني من تراجع خدمات الدولة وانهيار البنية التحتية(كما حالة شبيبة حزب الوحدة الشعبية في الأردن في المبادرات الشعبية في الاحياء التي تعاني من دمار الخدمات السكنية والصحية كما تعزيز الأبنية السكنية للسكان مثلا) او المبادرات الصحية واللجان الشعبية البيئية (كما حالة لبنان مثلا بعد ازمة النفايات الوطنية) الى جانب امثلة أخرى، كل ذلك يقدم امثلة مباشرة على ما يمكن ان يكون عليه ابتداع الأطر الجماهيرية المتلائمة مع الحالة الاجتماعية الجديدة.

الابتكار والتجديد في التنظيم كما في البرنامج التغييري الجذري اذا ضرورة، وخصوصا تضمين الخطاب اشكال المعاناة المادية والمعنوية التي تتعلق باغتراب القوى الاجتماعية ومعاناتها النفسية نتيجة انهيار نمط حياتها اليومي والذي افقدها كل معنى وقيمة ذاتية نتيجة التهميش الوجودي في نظام السوق الاستهلاكي السلعي. مضافا الى ذلك توسيع الحضور الإعلامي لكي يتم التعويض عن التفكك اليومي في وجود القوى المضطهدة، واستغلال وسائل التواصل الحديثة من انترنت ووسائل التواصل على الهواتف الذكية، كمان الإذاعة والتلفزيون.

الأول من أيار هو نهار تحول في ظل الازمة العميقة والشاملة للنظام الرأسمالي العالمي إلى يوم وذكرى يومية بعد ان وصل النظام الاستغلال الى حالة تعفن، يعيش فيها المجتمع تكثفا زمنيا لتصير كل اللحظات هي محطة لولادة وتشكل العالم الجديد.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.