أخبار عربية

الاقتصاديات العربية بين الريعية وأعباء الديون

يمكن تقسيم البلدان العربية إلى قسمين : بلدان ريعية تعتمد على عائدات النفط والغاز في ناتجها المحلي الإجمالي، وأخرى فقيرة ومتخلفة اقتصاديا تعتمد في ناتجها المحلي الإجمالي على الضرائب والمساعدات والقليل من عوائد الصناعة و الزراعة.

الأولى اتسمت بعدم الاستفادة من عائدات الثروة النفطية في بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية من خلال استنزاف عوائد النفط لديها على شكل نفقات استهلاكية ونفقات عسكرية كانت الأعلى عالمياً …. أما البلدان الفقيرة فقد غرقت بمديونية كبيرة، انعكاساً لتذبذب المساعدات وفقاً للتطورات السياسية التي مر بها الوطن العربي في السنوات العشر الأخيرة مما ضاعف من نفقاتها مع ثبات نسبي لوارداتها وترافق ذلك مع انخفاض المساعدات والمنح مما ضاعف من عجزها الذي اضطرت لتغطيته بمزيد من المديونية مما عرض قرارها السيادي وعزز من تبعيتها للدول النفطية أحياناً والدول الداعمة  (المانحة)دائماً.

محمد البشير

تعرضت الأمة العربية في بدايات القرن الماضي وبعد الحرب العالمية الأولى على وجه التحديد إلى تحديين اثنين، الأول تمثل في التجزئة الجيوسياسية حيث تنازعت عليها الدول الأوروبية المنتصرة في هذه الحرب من جهة والتي كانت تحتل بعض أجزائها قبل الحرب العالمية الأولى وخاصة الشمال الإفريقي العربي الممتد من حدود فلسطين شرقاً إلى المغرب وموريتانيا غرباً من جهة أخرى .

التحدي الثاني كان اكتشاف النفط في الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي وليبيا والجزائر حيث تم استخدام هذا الاكتشاف كأداة لتعزيز هذه التجزئه بالإضافة لتخريب أية محاولات وحدوية أو نهضوية يقوم بها أي بلد أو أي زعيم كما حصل لعبد الناصر وصدام حسين. كما كانت وسيلة لتعزيز التجزئة بدعم الدولة القطرية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. حيث نجحت الدول النفطية في فرض شروط التبعية على الدول غير النفطية لها مستهدفة قرارها وتوجهها القومي الوحدوي لبعضها ومعززة في ذات الوقت من الشخصية (الوطنية) المتناقضة مع شخصية الأمة الواحدة والتي بوحدتها فقط تستطيع ازالة الفروقات في التنمية والدخل ونشر العداله وسيادة القانون .

تعرض الوطن العربي إلى كثير من الغزو والاحتلال وكان آخرها الحكم العثماني الذي زاد عن أربعمائة عام ، وبعد أن هرمت الدولة العثمانية وانهزمت في معارك متعددة كان الاحتلال الغربي في المرصاد حيث تقاسمها المستعمرون بعد الحرب فاحتلوا أجزاء منها في شمال إفريقيا وأكملوا على الأجزاء الأخرى منها بعد الحرب العالمية الأولى في آسيا، وقسم المقسم وولدت دول وحكومات تم ربطها باتفاقيات غير متكافئة مع الدول الغربيه مما عززمن تابعيتها له سياسياً واقتصادياً وانعكاسا لذلك منع تطور امتنا اجتماعياً .

إن الاقتصاديات العربية ، خضعت إلى سلطة المحتل التي جاءت من اجل ثروات الوطن العربي وبعد عهد الاستقلالات للأقطار العربية كانت تبعية هذه الاقتصاديات لاقتصاديات الدول المستعمرة هو الواقع من حيث تم تغليب القطاع الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجيه (الصناعه والزراعه). ونشطت التجارة الخارجية تكريساً للدور الاستهلاكي لهذه البلدان رغم المحاولات التجميلية بتقديم المعونة الفنية والمادية و التعليمية للإنسان العربي خدمة لسياسات هذه الدول.

اتفاقية بريتون وودز ومنظمة التجارة العالمية

لقد كان الفيصل الأكثر وضوحاً للتبعية، هو ما تمخضت عنه اتفاقية (بريتون وودز) التي وضعت أسس النظام الاقتصادي العالمي الجديد والذي ما زال معمول به حتى تاريخه،((رغم إقدام إدارة الرئيس نيكسون في شهراب 1971، على فك الارتباط بين الدولار والذهب الذي شكل جوهرها)) بسبب مطالبة عدد من الدول الرأسمالية باستبدال الكميات الضخمة من الدولارات التي بحوزتها بذهب، مما هدد بأزمة خطيرة في النظام الرأسمالي بعد طباعة الولايات المتحدة أوراق نقدية من الدولار أكثر من احتياطي الذهب الذي لديها، خلافاً للاتفاقية. لقد سار هذا النظام ببطء شديد خاصة في ركنه الثالث المتعلق بمنظمة التجارة العالمية التي شكلت مع الركنين الآخرين، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير أركان هذا النظام.

لقد كان لظهور الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن أصبح الاتحاد السوفيتي قطباً دولياً وعائقاً لتفرد الدول الغربية وخاصة أمريكا في إدارة العالم ، سبباً في التأخير في اكتمال هذا النظام أي الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، حيث عقدت هذه المنظمة (12) دورة (مؤتمر) لضم البلدان العربية وبعض بلدان العالم الثالث دون نجاح إلا ان الدورة  رقم (13) التي عقدت في (الأورجواي) فقد كانت فاتحه لانظمام غالبية البلدان العربية إلى عضوية المنظمة وأصبح تحرير تجارة  السلع والخدمات وحرية انتقال العمالة مُشرعاً باصدار قوانين محلية صادقت عليها المؤسسات التشريعية للدول العربية، لتسهيل انسياب السلع من المراكز الرأسمالية الى البلدان النامية وتسهيل انتقال العمالة الرخيصة الى الأسواق الرأسمالية لتشكل فائضاً من القوى العاملة مماأدى الى مزيد من الاستغلال لثروات هذه البلدان، بالإضافة الى تهديد قطاع الصناعة والزراعة والطبقة العاملة على حد سواء وخاصة منها المهنيين ، معمقة من تعظيم دور قطاع الخدمات على حساب قطاع الصناعة والزراعة وكما هو سائد في الاقتصاد العربي .

انعكاسا لذلك تضخم السوق الاستهلاكي والقطاع المالي كالبنوك وشركات التأمين والصرافه وسوق رأس المال على حساب القطاعات الجاذبه للعماله، مما ادى الى ارتفاع نسب البطاله والفقرو تحميل الفئات الشعبية أثار ونتائج ألازمات الاقتصادية المتلاحقه لهذه البلدان، برفع الدعم عن مختلف الخدمات الأساسية من التعليم والصحة وزيادة العبء الضريبي وانتهاء بفــرض سياسة التخاصية، وتحرير التجارة الداخلية والخارجية وتحرير اسواق المال، وما تعنيه هذه السياسات من نتائج مؤلمة على الفئات الشعبية. والتي أدت إلى تجويع وإفقار ملايين البشر، كما أدت إلى قتل وتشريد الملايين في الحروب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية لفرض سياساتها.

في سنة 1995 انضم إلى المنظمة كل من البحرين / مصر / الكويت / موريتانيا / المغرب / تونس وفي سنة 1996 انضمت قطر وفي سنة 2000 انضمت كل من الأردن / عُمان ، وفي سنة 2005 انضمت السعودية واليمن ، وفي سنة 2014 وبصفة مراقب انضمت السودان / الجزائر /  لبنان / العراق / ليبيا .

لقد كان للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي دوراً هاماً في رسم اقتصاديات البلدان العربية من خلال التمويل والتدخل في السياسات المالية والنقدية عبر السنوات الماضية من عمر هذه البلدان وكان لمنظمة التجارة العالمية دوراً هاماً أيضاً في إضعاف الاقتصاد التحتي (الصناعة والزراعة) وتقليص حصتيهما في الناتج  المحلي الإجمالي إذ عملت هذه الأدوات الثلاث على ضمانة تبعية الدول العربية للغرب على وجه العموم وللولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص ، تعزيزاً لما أكدهالدكتور جون بيركنز في كتابه اعترافات قاتل اقتصادي على أن الهدف من النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي وضعت أركانه ومنطلقاته بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، هو بناء الإمبراطورية الأمريكية لضمان وقوف هذه الدول إلى جانب السياسة الأمريكية في المحافل الدولية في كافة المجالات من جهة ولفتح أبواب هذه الدول أمام الاستثمارات ورؤوس الأموال الغربية والأمريكية من جهة ثانية ولفتح أجواء هذه الدول أمام الغزو الثقافي من جهة ثالثة .

يمتاز الوطن العربي بامتلاكه موقعاً جغرافياً يربط ما بين أوروبا غرباً واسيا شرقاً ويمتلك من الثروات الطبيعية والمواقع الأثرية التي تشكل ثروة أغرت الغزاة والطامعين من استهدافه بشكل دائم ومستمر عبر التاريخ .

كان طموح الأمة العربية كبيراً وأمال أبنائها وأحلامهم واسعة في بناء دولة الوحدة التي تستطيع بما تملكه جغرافية الوطن العربي من إمكانيات أن تكون من الدول الكبرى في الملعب الدولي وان تحقق بناءً اقتصادياً قادراً على تلبية حاجات الوطن العربي من مسكن وملبس وتعليم وصحة ونقل ورفاه يضاهي ما وصلت إليه الدول الغنيه ، دولة مدنية تستند إلى حكم المؤسسة والقانون الضامنان الحقيقيان للحرية السياسية وللعدالة الاجتماعية التي تحافظ فيها على المساواة والأمن والحقوق والواجبات لكل أبنائها ، لأنها تمتلك وطناً مساحته (13,3) مليون كم² أي ما نسبته (9,6%) من مساحة الكرة الأرضية و عددامن السكان بلغ في (387) مليون نسمة في عام 2015أي ما يعادل (5,3%) من سكان العالم .

إن الناتج المحلي الإجمالي للعام 2015 بلغ (2,429) مليار دولار أمريكي. إن نسبة مساهمة القيمة المضافة للقطاع الزراعي في الناتج المحلي بلغ (5,8%). وأن نسبة مساهمة القيمة المضافة للقطاعات الاستخراجية في الناتج المحلي بلغ (22,6%) . وأن نسبة مساهمة القيمة المضافة للخدمات والصناعات التحويلية في الناتج المحلي بلغ (62,4%)، وأن نسبة احتياطي النفط المؤكد إلى الاحتياطي العالمي بلغ (55,4%) والغاز (27.6%) . إن عوائد الصادرات النفطية لعام 2015 بلغ (325,4) مليار دولار، وأن حجم الصادرات السلعية (فوب) في عام 2015 بلغت (832,5) مليار دولار، وأن حجم الاستيراد السلعي (سيف) في عام 2015 بلغت (831,0) مليار دولار، وأن حجم الصادرات البينية العربية لعام 2015 بلغ (108) مليار دولار، وأن حجم الدين العام الخارجي للدول العربية لعام 2015 بلغ (210) مليار دولار.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق