أخبار محلية

التطبيع الرسمي العربي / د. سعيد ذياب

تاليًا نص الورقة التي قدمها الدكتور سعيد ذياب أمين عام حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، تحت عنوان “التطبيع الرسمي العربي. وذلك في المؤتمر الوطني الرابع لمجابهة  التطبيع والذي عقد في مجمع النقابات المهنية:

شكل الكيان الصهيوني منذ نشأته جسماً غريباً في الجسد العربي. تعامل معه العرب بكل ما يملكون من قوة ومن عناصر المناعة والمقاومة للقضاء عليه أو احتوائه.

أدرك العدو ذلك فسعى مبكراً مستخدما كل إمكاناته لتدمير النظام المناعي العربي وبكافة الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية.

لم يكن ممكناً تدمير المناعة العربية إلا من خلال شعار (التطبيع  يبدأ بالسلام) وقبول اسرائيل كدولة وصولاً الى الاعتراف بالأساس الايديولوجي للكيان الصهيوني، بما يعنيه الاستسلام الكامل والاعتراف بالهزيمة. أي أن ما تريده اسرائيل تطبيع سياسي واقتصادي وثقافي، يتم من خلاله إلغاء أطروحات الفكر القومي المتمثلة بعروبة المنطقة وصولاً الى إلغاء ثقافة التحرر الوطني والقومي.

مسيرة المقاطعة والتطبيع الرسمي ..

يضرب مفهوم المقاطعة  بجذوره عميقاً في الصراع العربي الفلسطيني الصهيوني.

لقد بدأت المقاطعة بمبادرة شعبية فلسطينية كرد فعل لتزايد مخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتزايد النشاط الصهيوني وتكشفت مخاطره، لذلك تشكلت لجان شعبية بالاتفاق مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني (1919_1935) ثم الهيئة العربية بعد ذلك.

هذه اللجان أخذت تدعو الاهالي والتجار الى مقاطعة السلع اليهودية ووقف التعامل مع التجار اليهود بهدف الحد من تقدم الإنتاج الصهيوني.

اعتباراً من كانون اول 1945 قررت الجامعة العربية الدخول المباشر في مسألة المقاطعة لمساعدة الفلسطينيين بإغلاق باب الأسواق العربية في وجه الصناعة اليهودية.

في 5 كانون الثاني 1946 تألفت لجنة دائمة للمقاطعة وبدأت نشاطها منذ ذلك التاريخ واجه مكتب المقاطعة بعض المشكلات التي أثرت على عمله بحيث لم تستقر تقاليد عمله إلا بعد سنوات من تأسيسه.

حققت المقاطعه نجاحات عديدة إلا أن الضربة الاكبر التي وجهت إلى المقاطعة جاءت بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين النظام المصري والكيان الصهيوني.

اذا كان الوعي الشعبي هو الذي فرض وجود حركة المقاطعة وسعى إلى تطويرها ومأسستها  فإن النظام الرسمي كان يشق  دربا اخر فى اقامة اتصالات سرية مع الكيان الصهيوني.

من هنا وقبل البدء بالحديث عن التطبيع الرسمي العربي من المفيد الاشارة الى مرحلة ماقبل التطبيع.

الاتصالات السرية العربية الصهيونية:

1_ الاتصالات الاردنية الاسرائيلية: بدأت الاتصالات الأردنية الإسرائيلية مبكراً . ففي 31 اذار عام 1980 نشرت صحيفة معاريف الاسرائيلية أن الاردن كان قد وقع اتفاق عدم اعتداء بينه وبين “إسرائيل” مدته خمسة  سنوات ابتداء من اذار 1950. وبالعودة للوثائق نجد أن عملية ضم الضفة الغربية تمت بعد أقل من شهر من ذلك الاتفاق.

لاحقا لم تتوقف الاتصالات، بل تعددت وتنقلت في أماكن عدة من لندن الى العقبة أو الى بيت الضيافة بالقرب من تل أبيب.

استمرت تلك اللقاءات  حتى اذار عام 1977 حيث اطاحت الانتخابات الاسرائيليه بحكم رابين  وأتت بمناحيم بيجين.

على الرغم من ان تلك الاتصالات لم تسفر عن حلول للمشاكل الا انها بدون ادنى شك هيأت المناخ لاتصالات معلنة ورسمية كما جاء على لسان حاييم بارليف وتوقيع اتفاقية وادي عربة لاحقا.

2_ الاتصالات  المغربية الاسرائيلية:

على الرغم من الدهشة التي قد تصيب البعض لحماس المغرب لاقامة اتصالات سرية كونه ليس من دول المواجهة. الا أن الوقائع تدلل أن المغرب كان ولا يزال ساحة مهمة للاتصالات واللقاءات مع “اسرائيل” وبشكل رئيسي الدور البارز الذي لعبه المغرب في التمهيد لزيارة السادات  للقدس ومعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية.

لقد اعتمد المغرب كما غيره من الأنظمة العربية على إنكار زيارات الإسرائيليين للمغرب حتى إذا ما جهر فيما بعد باتصالاته، بدا الموقف لا غرابة فيه وبالتالي يسهل تمريره.

3_ الاتصالات اللبنانية الاسرائيلية:

منذ اليوم الاول لتأسيس الكيان الصهيوني على ارض فلسطين ادرك قادة الصهاينة اهمية الدور  الذي يمكن ان تلعبه الاقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي  في ضمان هيمنتهم على مستقبل المنطقة.

كان الاسرائيليون يعتقدون أن نجاحهم في اقامة صلات مع الاقليات التي تعارض العروبة من شأنه التغلغل في الوطن العربي وكياناته.

لقد ترجمت ذلك بشكل اساسي بدعم الكتائب ابان الحرب الاهلية وصولا الى توقيع اتفاق 17 ايار.

4_ الاتصالات الفلسطينية الاسرائيلية:

انتقلت عدوى الصلح والاتصالات السرية مع الإسرائيليين إلى م.ت.ف ابتداء من عام 1977. الانعطاف الكبير جاء في دورة المجلس الوطني الثالثة عشر، حيث كان محمود عباس رائد هذا الانعطاف فقد تحدث مطولا فى احدى جلسات المؤتمر عن ضرورة فتح الحوار مع القوى الديمقراطية اليهودية داخل وخارج الكيان الصهيوني..

أقرت تلك الدورة اهمية العلاقة مع القوى اليهودية الديمقراطية واليهودية التي تناضل ضد الصهيونية.

ولكن تفحص ماجرى لاحقا يستنتج ان المنظمة أرادت من خلال هذة الفقرة فتح الباب على مصراعيه للاتصال بالإسرائيليين صهاينة وغير صهاينة.

مراحل التطبيع:

ان تتبع مسيرة الصراع مع الكيان الصهيوني يكشف أن توسعاً ملحوظاً  في الانفتاح العربي الاسرائيلي والسير في طريق التطبيع منذ عام 1977 حيث زيارة السادات للقدس.

هذا يدلل ان الاتصالات السرية التي مارستها انظمة الحكم العربية مع اسرائيل بدأت تفرز نتائجها واصبحت الظروف مناسبة للاعلان عن الصلح  وتطبيع العلاقات.

موجات التطبيع:

الموجة الاولى بعد زيارة السادات للقدس لكنها سرعان ما انكفأت تحت ضغط المعارضة الشعبية وقتل السادات.

الموجة الثانية بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وبدء المفاوضات الثنائية والمتعددة الاطراف  بحيث تحولت المنطقة الى ما يشبه ورشة عمل من اجل التطبيع واهدافه.

هذه الحجة جاءت فى ظروف اقل ملاءمة للحركة الشعبية العربية للتطبيع رافقها من التباسات بمشاركة المنظمة وصولا الى اوسلو بالاضافة الى حرب الخليج وتداعياتها على المنطقة والتيار القومي.

برغم ذلك فإن هذه الموجة انكفأت بفعل.. نجاح المقاومة اللبنانية بطرد الاحتلال بدون قيد او شرط او سفارة او تطبيع.

انطلاق انتفاضه الاقصى:

الاحتجاجات العربية والتظاهرات التي عمت العواصم العربية ضد الاعتداءات الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني.

الموجه الثالثه للتطبيع:

دشنها التحالف الصهيوني الامريكي بعد احداث الحادي عشر من ايلول استهلتها السعودية بمبادرة للتسوية لكنها جعلت التطبيع  كأساس للتسوية مضافاً لذلك مبادرة اردنية اقترحت التطبيع قبل التوقيع.

الانحراف الاكبر اشتراك الانظمة بالحصار المفروض على غزة .

واقدام اكثر من نظام عربي باعطاء غطاء سياسي للعدوان الاسرائيلي على لبنان بتحميل حزب الله مسؤولية بدء الحرب.

تطبيع ثنائي وتعاون إقليمي:

انبثق عن مؤتمر مدريد وبالتوازي مع قنوات المفاوضات الثنائية صيغة (المفاوضات المتعددة الاطراف) التي تهدف الى بحث القضايا المحورية في المنطقة بمشاركة العدو الصهيوني والبلدان العربية وبعض دول الجوار عبر لجان تلتقي دوريا في ندوات ما يدلل ان جوهر المفاوضات المتعددة هو التطبيع.

قاطعت سوريا ولبنان هذه المفاوضات باعتبار أن التفاوض الإقليمي يجب ان يكون تاليا للتسويه.

أخذت تلك المفاوضات دفعة كبيرة بعد التوقيع على اتفاقية اوسلو 1993 ووادي عربة 1994.

الاخطر من ذلك هو انبثاق فكرة عقد المؤتمرات الاقتصادية للشرق الاوسط وشمال افريقيا.

عقدت أربعة مؤتمرات  في الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة، شاركت في هذه المؤتمرات الدول العربية والكيان الصهيوني ودول من خارج الاقليم.

فيما رفضت صيغة هذه المؤتمرات منذ البداية كل من سوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان.

من مؤتمرات الشرق الاوسط وشمال افريقيا الى مؤتمرات المنتدى الاقتصادي العالمي.

بسبب تجميد عملية التسوية وتزايد وتيرة العدوان على الشعب الفلسطيني توقفت مؤتمرات الشرق الاوسط وشمال افريقيا. الا ان محاولات التحالف الصهيوني الامريكي لم تتوقف لذلك سعياً الى القفز على الواقع السياسي واستئناف التعاون الاقليمي عبر المؤتمر الاقتصادي العالمي (دافوس) تم تنظيم ثلاث مؤتمرات  في الاردن (البحر الميت) فى اعوام 2000و2004و2005. واستقبلت مصر المؤتمر الرابع.

 

بمعزل عن الموضوعات التي يتم مناقشتها فإن جوهر المسالة تكمن في تكريس التعاون الاقليمي بين دول المنطقة والكيان الصهيوني بالاضافة الى تعزيز هيمنة الشركات المتعددة الجنسية والاتجاهات الليبرالية.

التطبيع العربي الرسمي الحالي:

شهد عام 2018 تطبيعا ملحوظا بين دول الخليج  والكيان الصهيوني تبدى ذلك من خلال زيارات مسؤولين اسرائيليين الى دول الخليج بالاضافة الى زيارة فرق رياضيه وصحفيين.

ثمة سؤال يبرز في الذهن لماذا هذه الاندفاعة نحو التطبيع والتنكر لحقوق شعب شقيق لا يزال يرزح تحت الاحتلال.

تعود جذور هذا الميل للتطبيع ان تلك الانظمة بعد هزيمة حزيران وتحديداً بعد وفاة جمال عبد الناصر باتت على قناعة ان هزيمة اسرائيل غير ممكنة الامر الذي قاد الى تحول في مضمون الشعار من شعار تحرير فلسطين الى لتسوية القضية الفلسطينية. المفارقة ان هذا التحول  في الشعار لم يترافق بالسعي لبناء القوة الذاتية العربية لفرض التسوية بل انتقل العرب الى المزيد من الضعف وراح العرب والفلسطينيين يغدقون التنازلات لاقناع اسرائيل برغبتهم في السلام  والذي شجعهم على ذلك انهم كانوا ينظرون لاسرائيل باعتبارها طوق النجاة لهم. وراحت تترسخ لديهم قناعة ان لا اهمية لشعوبهم بقدر اهمية الدعم الاسرائيلي.

إاذا كانت امريكا لم تستفق فجاة على ضرورة حل القضية الفلسطينية عندما دعت الى مؤتمر مدريد بقدر اعتقادها ان الظرف بات ملائما لاعادة ترتيب اوضاع المنطقة واعادة هندستها.

الامر نفسه ينطبق على صفقة القرن التي يتحدث عنها ترامب وادارته في حقيقتها ليست الا خطة لتصفية الحقوق الفلسطينية وتبني الرؤية الاسرائيلية تماماً مستفيدين من نظام عربي متهالك يلهث للتطبيع ووضع فلسطيني منقسم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى