الشاب الذي قام لأنّ له شيء في هذا العالم

كتبه: سلوى حماد

“لا تصدّق أنّ الإنسان ينمو، لا؛ إنّه يولدُ فجأة، كلمة ما في لحظة تشقُّ صدره على نبض جديد، مشهدٌ واحد يطوّح به من سقف الطفولة إلى وعر الطريق”. قد تبدو العبارة حكمة  من أحد الحكماء أو المعلمين القدامى أو كبار السن المجرّبين، لكنّ غسان كنفاني الشاب يفاجئنا بأنّه يكتبها وهو شاب عشريني، فنتساءل: من أين جئت بهذه الحكمة؟

لكنّ غسان قام في حياته التي نتعرّفها من سيرته، وفيما ترك لنا من إرثه الأدبي والفني ببعث كثير من الشباب، محقّقًا مقولته، حيث ولدَ الكثيرون والكثيرات من جيلنا والأجيال السابقة –واللاحقة لا بدّ- من قراءة أعماله وسيرته. وربما أذكر نظرتي التي تغيّرت نحو المخيّم، حين صرت أراه نبعًا للحكايات والبطولات والفدائيين.

حين استشهد غسان كنفاني في الثامن من تموز عام 1972 في تفجير سيارته في بيروت، كان عمره 36 عامًا فقط، ودّع أطفاله ثم رأوا مشهد رحيله الفاجعة، وغسان الشاب، كان أبًا شابًّا متعلّقًا بعائلته الصغيرة، يخصّصُ لهم وقتًا لا يتنازل عنه ولا هم، جعل ابنه يكتب بعد وفاته إنّه كان فخورًا به ويريد سلوك دربه، وأنه يسعى إلى تحرير فلسطين التي زرعها فيه، وأن يستخدم المسدّس الصغير الذي كان يدرّبه والده الشهيد على استخدامه.

وبعبارات مثل عبارته: “لن أرتدّ حتى أزرع في الأرض جنّتي أو أقتلع من السماء جنّتها أو أموت أو نموت معًا” كان غسان يبثّ في الشباب المعاصرين له واللاحقين مشاعر التحدّي والعزم. العزم الذي نراه في الشباب الصامدين والمقاومين الآن، الذين يهجمون على المحتلّ بأبسط السلاح، ويغرزون سكاكينهم في أجساد أعدائهم، لأنّ كثيرًا منهم مستوعبٌ لقوله “ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقّدة، وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة”.

غسان يحكي لنا “عن الحرية التي لا مقابل لها، الحرية التي هي نفسها المقابل”، لذلك يخاطب الشباب والشابات أن ينتزعوا حريتهم من المجتمع ومن العدو والأنظمة، وهو ابن الفكر الماركسي التقدمي الذي لا يمكن أن يهمل المرأة، لذلك جعل أيقونته للأجيال والتاريخ امرأة مناضلة مهجّرة ربّت أبناءها على حبّ الوطن ورفض الذلّ، وكانت “أمّ سعد” ذاكرة الفلسطينيين، والممثّلة عن أمّهات المهجّرين والفدائيين والشهداء. ولم تكن ابنة الطبقة العليا المتعلمة والمثقفة والمتحرّرة نسبيًا؛ بل كانت امرأة الكدح والعمل والبلاد.

إرث غسّان كان في سيرة حياته، مناضلاً صلبًا، استحقّ ثقة الناس، والكتاب والناشرين، ومؤسسي الجبهة الشعبية، ليكون ناطقًا باسمها ثم رئيسًا لتحرير مجلتها “الهدف”، وكان أيضًا في رواياته وقصصه التي كانت توثيقًا لهجرة الفلسطينيين ومعاناتهم في الشتات وثورتهم ونضالهم، وإثباتًا لحقّهم في أرضهم السليبة، وكان كذلك في إرثه الفنّي الذي كان ينشره تشجيعًا للشباب واستغلالاً للفن ليكون هادفًا ومقاومًا.

يعلّمنا أبو فايز أنّ: “الوقت ضيّقٌ، الشمعة الكبيرة على وشك أن تذوب، إنّ البكاء والحزن لا يحلان المشاكل”، وقبل أن تذوب شمعتنا الكبيرة باستشهاد غسان، أوقدت مئات من الشموع التي تستنير بإرثه وسيرته، فنراهم شبابًا يحمون كرامتنا وأوطاننا مؤمنين بأنّ أكتاف الرجال “خلقت لحمل البنادق، فإمّا عظماء فوق الأرض، أو عظامًا في جوفها”.