الشهيد محمد حمد الحنيطي “قمر أبو علندا يضيء في حيفا”

عندما غادر الضابط في الجيش العربي محمد حمد الحنيطي مع رفاقه بالسلاح للقتال في فلسطين، لم يكن يبلغ بعد الثلاثين من عمره، فترك خلفه عائلته الصغيرة.. زوجة كريمة وثلاثة أطفال.

ولد الشهيد البطل في أبوعلندا جنوب عمان، وأكمل تعليمه في مدرسة السلط الثانوية، وما لبث أن التحق بالجيش كضابط ميدان، ليحقق حلما مبكرا، مفعم بروح البطولة وحب الوطن، ولإيمانه بأن هناك قضية قومية عادلة ميدانها غرب النهر تتطلب فزعة الشرفاء لوقف الضيم عن فلسطين وشعبها، في خدمته العسكرية قال عنه زملاؤه بأنه كان يتمتع بذكاء حاد وتحملا شديدا للصعاب وإخلاصا لوطنه وأمته.

أرسلت سريته المقاتلة في خضم حرب 1948 إلى التخوم الجنوبية الشرقية لمدينة حيفا التي كانت تعاني من الهجمات المتتالية للعصابات الصهيونية، وما لبثت روحه المتحفزة أن دفعته إلى الاستقالة من الجيش والالتحاق بقوات المناضلين في حيفا ليكون في خطوط المواجهة الأمامية مع الأعداء.

وصل إلى قلب المدينة حيث كانت حاميتها تعاني من سوء التنظيم ، ونقص في الأسلحة والعتاد.

أشرف على تنظيم قيادة الحامية وقواتها، وقسّم المدينة إلى عشر قيادات ميدانية تحت إمرته، وزّع عليها المجاهدين من أبناء المدينة وألحق بهم أعدادا من فلاحي طيرة حيفا، قبل أن يقيم مقر قيادة هناك. أعلن النفير العام، وطلب من السكان التزود بالمؤن والوقود استعداداً للمعركة.

لم ينتظر نتائج طلبه للأسلحة، فخاض معارك دفاع ومواجهات حامية إلى جانب مجموعاته التي صدّت مرارا عصابات الهاجاناة والتي كانت تمتلك حوالي ستة آلاف إرهابي حول المدينة وبعض أحيائها، كما كانت تحظى بوفرة بالأسلحة النوعية والذخائر وفّرتها لها المعسكرات الانجليزية.

تمكنت الحامية من صدّ الصهاينة في الشوارع الرئيسية للمدينة وفي أحيائها، وهاجمتهم وأوقعت في صفوفهم خسائر مستحقة وأسرت أعدادا كبيرة منهم، وقتل في هذه المعارك بنحاس رام قائد عام الأرغون، وقد برع القائد الحنيطي بالتكتيكات الحربية الميدانية، والكر والفر والالتفاف وفك الحصارات، وإحكامها على قوات العدو، كان يقول” اليهود جبناء وعلينا الاندفاع إلى اشتباكات لصيقة باستعمال الأسلحة الفردية والقنابل اليدوية”. وثق به رجاله واندفعوا خلفه إلى المعارك بحماسة وبسالة.

تناقصت الذخائر والأسلحة، فارتأى القائد ومساعده سرور برهم، السفر إلى بيروت سراً لإحضارها من قيادة الهيئة العربية العليا هناك، وللحفاظ على سرية المهمة غادرا حيفا بعربة خاصة مع مرافِقين من رجالهم في 11 نيسان 1948.

في 17 نيسان، كانت القافلة تعود إلى فلسطين ترافقها شاحنتا أسلحة وذخيرة، ثم أخذ ينضم إليها في الطريق من صيدا إلى الناقورة إلى عكا، عدد من المتطوعين حتى أصبح حوالي ثلاثون مقاوماً ملتحقين بالقوافل، وعند مرورها من مفترق مستعمرة موتسكن اعترضها كمين محكم .. ألقيت على الطريق براميل الإسفلت المشتعلة، وأمطرت بإطلاق نار كثيف حيث سقط خمسة عشر شهيدا من مرافقيها كان من بينهم الشهيد سامر برهم مساعد القائد، ومؤسس حركة الكف الأسود التي اشتهرت بملاحقة سماسرة الأراضي.

أصيب محمد الحنيطي بجراح بالغة، فأمر مرافقه بالانسحاب فورا ، وقام بتفجير إحدى شاحنتي الذخيرة بإلقاء قنبلة داخلها كي لا تقع غنيمة بأيدي الإرهابيين ، فحصل انفجار هائل، استشهد على إثره الحنيطي، وسمح بإفلات الشاحنة الثانية وعدد من السيارات، حيث عادت جميعها إلى عكا مع الجرحى.

في مساء نفس اليوم، قامت مجموعات من حامية حيفا بسحب الشهداء والجرحى من أرض المعركة، وفي اليوم التالي انطلق موكب الشهداء مخترقا شوارع المدينة إلى الجامع الكبير حيث صُلي عليهم، وخرج الموكب يتقدمه نعش الفقيد الكبير، جُللت الجثامين بالأعلام العربية تغطيها أكاليل الغار والرياحين، وأحاط بالموكب عدد من المقاتلين بأسلحتهم ، تتبعهم زغاريد النساء وأهازيجهم وألقيت كلمات التأبين قبل مواراتهم التراب في مقبرة الروضة. وبطلب من قيادة الجيش، نقل الشهيد الحنيطي إلى جنين حيث حضر عدد من أهله لتسلم جثمانه ونقله إلى عمان ليتم تشييعه ومواراته التراب وسط تكريم وحفاوة عسكرية وشعبية غير مسبوقة.

سقطت مدينة حيفا في 22 نيسان ، ثم توالت الضربات بعد استشهاد القائد عبد القادر الحسيني وسقوط القسطل.

شكلت ظاهرة محمد الحنيطي صورة ناصعة للشرف والإباء، ومثالا يُحتذى للترابط الوثيق بين الوطنية والحس القومي وإرثا لا يمحى من التلاحم النضالي والإنساني الأردني – الفلسطيني.

لقد أخذت عائلة الحنيطي اسمها من الأرض والحنطة والغلال فنشأ محمد فلاحا عربياً أصيلاً، امتدت جذوره من أرض الأردن لتورق في فلسطين، فغدا رمزاً للشرف والرجولة والإنسانية نستحضره في ذكرى استشهاده كما الكثيرين من أبناء الجيش العربي، الذين ما تزال رائحة دمائهم الزكية تتدفق من ميناء حيفا إلى روابي القدس، تُسجل بحروف من ذهب في صحائف الوطنية والشجاعة .