الفساد الغذائي يصل إلى مديات غير مسبوقة بعد اختراقه قطاع الخضار والفواكه

هذه التصريحات التي مضى عليها أكثر من 23 عاماً، دقت ناقوس الخطر، وكشفت أن حيتان الغذاء والدواء يتخطى نفوذهم وقوتهم السلطة التنفيذية، فاستقال ملحس احتجاجاً أو ربما رفضاً لأن يكون شاهد زور على ما آلت إليه أوضاع الأردن على صعيد الدواء والغذاء والماء.

كما كشفت قضايا الفساد الغذائي الكثيرة التي توالت منذ ذلك الحين وحتى اللحظة غياب الآليات الحكومية الجدية لحماية المواطن. فيما اعتمد أصحاب المطاعم وتجار الغذاء على “ذاكرة السمكة” للمواطن كي يستمروا في جشعهم وطمعهم على حساب صحة المواطن.

[quote font_size=”14″ bgcolor=”#70a7cc”]”إن غذاءنا ودواءنا فاسدان، والأردن تحول إلى حاوية قمامة للعالم أجمع”
بهذه الكلمات التي استقال على إثرها، اختصر وزير الصحة الأسبق الدكتور عبدالرحيم ملحس واقع الغذاء والدواء في الأردن.[/quote]

فضيحة الشاورما

قبل عشر سنوات وتحديداً في شهر آب من عام 2007، تسمم أكثر من 220 مواطن جراء تناولهم وجبات شاورما من أحد المطاعم في منطقة البقعة. هذا الرقم الكبير للمواطنين الذين أصبيوا بالتسمم، كشف حجم الخلل في الرقابة الغذائية والصحية على المطاعم بشكل عام ومطاعم الشاورما بشكل خاص.

ورغم أن المطاعم والمحال تخضع لرقابة جهات حكومية عديدة منها وزارة الصحة وأمانة عمان ومؤسسة الغذاء والدواء، إلا أنها لم تحل دون وقوع هذا العدد الكبير من المصابين بالتسمم، وكشف غياب الرقابة الحقيقية على تفاصيل صنع “سيخ الشاورما”.

حادثة مطعم البقعة أظهرت الخلل الكبير في نظام الرقابة على المطاعم، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ خطوات عملية لضبطه، كان أولها منع بيع شاورما الدجاج في كافة المطاعم لمدة شهر كامل، إضافة إلى منع تحضير المايونيز في المطاعم والاستعاضة عنه بعبوات مايونيز مصنعة من قبل المصانع. وتحديد قُطر سيخ الشاورما بـ 20 سم كحد أقصى وذلك للحد من إعادة بعض المطاعم استخدام السيخ لليوم التالي. إضافة إلى وضع أسس لشواء الشاورما وآلية تخزين الدجاج وتعريضه للنار.

الضبط الذي تم لعمليات بيع سيخ الشاورما لم تصمد كثيراً، فعدنا نسمع بشكل دوري عن تسمم هنا وآخر هناك جراء تناول الشاورما، وعادت الأسياخ ذات الحجم الكبير بالظهور ثانية دون رقيب أو حسيب. بل إن المطاعم والمحال التي تم ضبطها وإغلاقها، عادت لتعمل بشكل أكثر قوة وإقبالاً من قبل المواطنين!!

الخضار والفواكه الأردنية: الإمارات تكشف المستور

الخضار والفواكه التي يشتهر الأردن بإنتاجها بجودة عالية، حيث تعتبر الطماطم الأردنية –على سبيل المثال- الأعلى سعراً في دول الخليج العربي، وصل الفساد الغذائي لها في ظل غياب الرقابة الحكومية.

القرار الإماراتي بوقف استيراد الخضار والفواكه الأردنية أظهر الخلل الكبير في الإجراءات الحكومية لمراقبة المنتجات الزراعية سواء المخصصة منها للاستهلاك المحلي أو تلك المعدة للتصدير

فقبل أسابيع قليلة صُدم الرأي العام الأردني بقرار دولة الإمارات العربية المتحدة “وقف استيراد بعض الخضار والفواكه الأردنية اعتبارا من منتصف أيار (مايو) المقبل”. وشملت هذه القائمة منع إدخال أصناف الكوسا، الفلفل الحار والحلو، الملفوف، الباذنجان، الفول، الزهرة، الخس، كما اشترطت لدخول الأصناف الأخرى التي لم يشملها قرار المنع “إبراز شهادة تحليل من متبقيات المبيدات النسخة الأصلية”. وتبع الإمارات في قرارها عدد من الدول الخليجية منها الكويت وقطر.

لاحقاً، أعلن وزير الزراعة الأردني خالد الحنيفات عن خطة مبرمجة زمنيا لتعزيز الرقابة على المنتجات الزراعية، وباشرت الوزارة بتنفيذها على خلفية قرار الإمارات العربية وقف استيراد بعض انواع الخضار والفواكه من المملكة. وأكد الحنيفات أن الخطة “ستعمل على حل إشكالية تحليل متبقيات المبيدات من جذورها”، مؤكدا أهمية “المحافظة على سمعة منتجاتنا الزراعية بالتعاون بين الوزارة والمزارع”. لاحقاً أعلنت الدول الخليجية السماح باستيراد الخضار والفواكه الأردنية بعد سلسلة الإجراءات اتخذتها وزارة الزراعة الأردنية.

وفي الوقت الذي كشف فيه القرار الإماراتي استخدام المزارعين في الأردن لمبيدات حشرية تبقى نسب المتبقيات منها في الخضار بنسب عالية جداً وأعلى من  المسموح به، وبالتالي تصبح غير صالحة للاستعمال البشري، فإن القرار الإماراتي أظهر أيضاً الخلل الكبير في الإجراءات الحكومية لمراقبة المنتجات الزراعية سواء للاستهلاك المحلي أو تلك المخصصة للتصدير. والسؤال الذي يطرحه المتابعون: لماذا انتظرت الحكومة قراراً إماراتياً بمنع استيراد الخضار الأردنية كي تتحرك؟!

 فضيحة الدجاج الفاسد: الشاورما تعود إلى الواجهة من جديد

لم تكد تمضي أيام قليلة على دخول المواطنين في شهر رمضان، إلا ودوّت قضية فساد مدوية تحولت إلى قضية رأي عام نتيجة لضخامتها وتشابك خيوطها.

كيف تم تسويق أكثر من 80 طناً من هذه المنتجات الفاسدة وبيعها للمواطنين في ظل تعدد الجهات الرقابية ابتداءً من المؤسسة العامة للغذاء والدواء مروراً بالبلديات وأمانة عمان وانتهاءً بوزارة الصحة؟!

القضية التي بدأت بضبط مديرية الغذاء والدواء بإقليم الجنوب، بالتعاون مع بلدية مؤتة والمزار الجنوبي والشرطة البيئية بالكرك 6 أطنان من لحوم الدجاج الفاسد، وزعها أحد “المحسنين” على فقراء الكرك. وبعد أن اتجهت أصابع الاتهام نحو الشركة المنتجة للدواجن، تبين أن أحد المصانع التابع لإحدى كبرى شركات اللحوم في الأردن، كان قد اشترى هذه الدواجن منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2016  ومخزنة في مستودعات تعود إلى مصنع تابع للشركة بمحافظة معان.

تتبع خيوط القضية أدى إلى ضبط زهاء 70 طنا من الدجاج الفاسد، في مستودعات الشركة في معان، فيما تم ضبط 6 أطنان من الدجاج الفاسد في المصنع.

الصدمة الأكبر كانت في التصريحات التي أطلقها مدير المؤسسة العامة للغذاء والدواءالدكتور هايل عبيدات، والذي أشار إلى أن متابعات المؤسسة للقضية كشفت أن “مجموع الكميات الموجودة في فواتير الشراء بلغت 150 طنا تم شراؤها من شركة الوطنية للدواجن قبل أكثر من ستة أشهر، وضبط منها نحو 70 طنا، وتسرب إلى سوق العاصمة 48 طنا، و14 طنا في محافظة معان و18 في محافظات اخرى تم تداولها كغذاء للمواطنين”.

وتستمر خيوط القضية “الفضيحة” بالتفكك، حيث لفت عبيدات إلى أن “الدجاج الفاسد لم يكن يباع بشكل مباشر للمواطن ليراه ويكتشف حقيقته، بل تم استخدامه في الشاورما والدجاج المشوي، بعد وضع كميات كبيرة من البهارات عليه لتغيير رائحته النتنة، كما لم تبع بشكل مباشر في المناطق المزدحمة، بل لجأ التجار إلى بيعها في المناطق البعيدة عن الرقابة لإخفاء حقيقتها”. وأن الكميات الأخيرة الموزعة كانت تحمل تواريخ 23 و26 أيار (مايو) الحالي، لكنها منتهية الصلاحية وتصدر منها روائح نتنة”.

لتكتمل الصورة بتأكيد  الدكتور عبيدات أن المؤسسة “كانت قد أتلفت قبل شهر ونصف طنين يعودان إلى نفس المجموعة التي تورطت في قضية الدجاج الفاسد، فيما تم إغلاق مستودعاتها قبل سنة على قضية مماثلة تم خلالها إتلاف 3 آلاف طن من المواد الغذائية الفاسدة”.

ويرى مختصون أن هذه الأرقام الضخمة من المضبوطات والحديث عن ثلاثة آلاف طن من المواد الغذائية الفاسدة تم إتلافها قبل عام من نفس المستودعات التي ضُبط فيها الدجاج الفاسد، تضع علامة استفهام كبيرة حول جدية الحكومة في مساءلة ومتابعة هذه المخالفات. واعتبر متابعون أن جرأة هذه الشركة بالاستمرار في إنتاج وبيع الدجاج الفاسد، وبكميات ضخمة كهذه يضع علامة استفهام كبيرة حول جهات تدعم أو بالحد الأدنى “تغطي” هذه المخالفات الكارثية التي قامت بها هذه الشركة.

الرأي العام الأردني توقف كثيراً أمام تصريح عبيدات الذي أشار فيه إلى أن أكثر من 80 طناً من هذه الدواجن الفاسدة تم استخدامها واستهلاكها من قبل المواطنين على شكل شاورما ودجاج مشوي. وتساءل المتابعون عن كيفية تسويق هذه المنتجات الفاسدة في ظل تعدد الجهات الرقابية على المطاعم والمحلات ابتداءً من المؤسسة العامة للغذاء والدواء مروراً بالبلديات وأمانة عمان وانتهاءً بوزارة الصحة.

ويبدو أن إحدى الإشكاليات التي من الممكن تجاوزها وحلها تتمثل في ما ذكره الدكتور إبراهيم بني هاني رئيس لجنة الصحة النيابية حين لفت إلى أنه لا يمكن لـ70 موظفا ومراقبا في “الغذاء والدواء”، مراقبة كافة المؤسسات الغذائية”، مشيرا إلى “أهمية مضاعفة أعدادهم إلى 3 أو 4 مرات”.

إلا أن الإشكالية الأكثر صعوبة تتمثل في الغطاء الذي من الممكن أن تحصل عليه شركات كبرى لتغطية وتمرير فسادها وتمرير مخالفاتها التي تصل حد الجريمة دون أن يتم ردعها ومحاسبة أصحابها.

في ظل غياب مؤسسات مجتمع مدني قادرة على تشكيل أدوات ضغط حقيقية تفرض على الحكومة اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة ومحاربة حيتان الغذاء والدواء، في ظل هذا الغياب، سيبقى الفساد ينهش غذاءنا ابتداءً من حبة الطماطم وانتهاءً بوجبات الشاورما.

[quote font_size=”14″ bgcolor=”#70a7cc”]رمضان كريم وغذاء فاسد
يتزامن شهر رمضان مع تهافت المواطنين على السلع الغذائية والوجبات والمشروبات والعصائر. وفي ظل غياب الرقابة الحقيقية الكافية على عمليات بيع هذه المنتجات، يصبح هذا الشهر فرصة لتسويق منتجات منتهية الصلاحية أو غير صالحة للاستهلاك البشري، ونتيجة لضغط المبيعات في مجال السلع الغذائية، يستخدم أصحاب المصانع والمطاعم طرقاً غير صحية في حفظ وتخزين السلع.
المؤسسة العامة للغذاء والدواء ضبطت في الأيام الأخيرة كميات كبيرة من المواد الغذائية بسبب انتهاء صلاحيتها للاستهلاك البشري تالياً أهم ما رصدته نداء الوطن من عمليات الضبط:
1_ 30 طنا من عصير المشمش والدراق وقمر الدين ومربى “المشمش، والباذنجان، والتين، والعنب، والفراولة، جزء منها غير صالح للاستهلاك البشري بسبب انتهاء مدة الصلاحية، وجزء آخر محفوظ خارج المصنع في أوعية غير مخصصة لحفظ المواد الغذائي، وتحمل بطاقة بيان سهلة النزع ويمكن تغييرها بسهولة ومحفوظة في أماكن مليئة بالقوارض والأوساخ، كما أن جزءاً منها يحتوي على كمية كبيرة من الأعفان وينبعث منه روائح كريهة، وجزءاً آخر مرتجع من الأسواق منتهي الصلاحية بهدف إعادة تصنيعه.
2_ 1.5 طن تقريباً زيتون أخضر مكبوس وزيتون أسود غير حاصل على تصاريح وترخيص بالانتاج.
3_ 34 طنا من الأرز منتهي الصلاحية ويحتوي على حشرات حية وديدان في محافظة البلقاء وتم إتلافها بتشكيل لجنة من كافة الجهات الرقابية وفي المكبات التابعة لمحافظة البلقاء.
4_ 700 كيلو تمرهندي غير صالح للاستهلاك البشري في إربد
5_ 600 كغم من المواد الغذائية المختلفة منتهية الصلاحية في محال بالمفرق.
6_ 350 كيلو غراما من المواد الغذائية منتهية الصلاحية في أحد المولات التجارية في مأدبا.
7_ 250 كغم (ربع طن) من الأسماك الفاسدة في إربد.
هذه الكميات الضخمة من المواد الغذائية، يؤكد مختصون أن أضعافها تم تمريرها وبيعها نتيجة صعوبة ضبط وتفتيش كافة المحلات والمصانع الغذائية والمطاعم، إضافة إلى تجاوزات و”تساهلات” يقوم بها بعض المفتشين. كما أن انتشار التجاوزات في المحافظات يدلل على أن هؤلاء التجار يعلمون غياب أو ضعف الرقابة في المحافظات وخاصة محافظات الأطراف، ما يسهل تمرير وتسويق هذه المنتجات الفاسدة.[/quote]