فكر

المركزية الديمقراطية: مفهوم ومبدأ تنظيمي يعزز وحدة الحزب وصمام أمان من الوقوع في شرك الانتهازية

ينطلق الحزب الثوري من رؤية ومبادئ وأهداف يحدد على أساسها برنامجه السياسي، وخطته العامة من أجل التغيير. ومن أجل بلوغ أهدافه وتحقيق رؤاه في التغيير، لا بد من بناء أداة تنظيمية صلبة ومتينة وقادرة على تحقيق هذا الحجم الهائل من مهام التغيير.
وهذه الأداة التنظيمية تعتمد في بنيانها على طبيعة وأهداف ورؤى ومبادئ الحزب الثوري المحددة في برنامجه السياسي. فحزب يؤمن أن الجماهير الشعبية هي صانعة التاريخ، وهي القوة المحركة له، مثل هذا الحزب لا يمكن أن ينطلق في بنائه إلا من خلال العيش وسط الجماهير والتعرف على همومها ومشاكلها ومشاركتها لأفراحها وأتراحها، واحترام معتقداتها وتعبئتها وتنظيمها. وحزب يؤمن أن الإنسان الفرد مهما علا شأنه وتفتقت عبقريته لا يمكن أن يحيط بمجمل الصورة، أو أن يعادل في رؤيته الرؤية الإبداعية والخلاقة التي تتيحها الرؤية الجماعية، مثل هذا الحزب لا بد أن يضع جماعية القيادة مبدءً أساسياً من مبادئه التنظيمية.
وحزب يدرك أن تحقيق الأهداف والرؤى في التغيير تحتاج إلى مواجهة صلبة وإلى التفاف جماهيري واسع حول موقف موحد، يصبح ذو أهمية قصوى اعتماد مبدأ الوحدة الفكرية والسياسية والتنظيمية لهذا الحزب. وإذا أدرك هذا الحزب برؤيته الفكرية العلمية الصائبة بأن من يعمل يخطئ وأن الذين لا يخطئون هم أولئك فقط الذين لا يعملون أبداً، مثل هذا الحزب لا بد أن يضع مبدأ النقد والنقد الذاتي في صلب مبادئه التنظيمية حتى يصحح أخطاءه ويصوب مسيرته وفق ما تقتضيه عملية التغيير الثوري من مستلزمات ومواقف ونضالات.

المركزية الديمقراطية .. المبدأ والقانون
ولكن في القلب من كل تلك المبادئ يأتي مبدأ المركزية الديمقراطية الذي يتخلل كالاسمنت في كل مسامات المبادئ التنظيمية الأخرى، بل يتخلل أيضا في كل مسامات التنظيم الثوري وبنائه. وهذا المبدأ هو الذي يحدد مقدار صلابة الأداة التنظيمية في مواجهة الظرف الموضوعي المحيط.
ولتوضيح كل ذلك نقول بأن المركزية الديمقراطية هي مقولة تعتبر مبدءً وقانوناً يربط بين أجزاء الحزب الثوري وفروعه وأطرافه مع مركز الحزب، حتى يتمكن الحزب من خوض نضالاته على أعلى قدر من التماسك من ناحية والإبداع من ناحية أخرى. فالمركزية الديمقراطية عبارة عن معادلة تتعزز في وحدتها، فبقدر ما يكون هناك عمل خلاق ومبدع يكون هناك انشداد أكبر للمركز لبلورة تلك النضالات وتأطيرها باتجاه واحد يستجيب لمتطلبات الحزب ويراكم من نضالاته.
والمعادلة التي تتكون منها مقولة المركزية الديمقراطية لا يجب أن يعتريها خلل، فسيادة المركزية في الحزب على حساب الديمقراطية لها عواقب وخيمة على الحزب من ناحية سيادة التسلط والجبروت من جانب فئة لا تستمع لرأي الآخرين وتضرب بعرض الحائط كل المبادئ التنظيمية الأساسية للحزب الثوري. فتنفضّ عنها وعن الحزب قواعده، وتنقطع صلاته بالجماهير، فيصبح بذلك حزبا معزولا مقطع الأوصال. وهذه حالة عانت منها الكثير من أحزاب اليسار، حيث ألغت الكثير من مظاهر الديمقراطية في التنظيم تحت حجج وذرائع واهية، فاستنكفت عن عقد مؤتمرات لها لعشرات السنين، ولم تفلح في الاحتفاظ بقواعدها. أما في حالة سيادة الديمقراطية المطلقة والمنفلتة من عقالها فسيتحول عندها الحزب إلى مجرد ناد للنقاشات، وسيعجز عن اتخاذ أي قرار.
والمركز كمفهوم هو تلك النقطة التي يتمحور عندها مركز ثقل جسم ما. فمركز ثقل عصا منتظمة الشكل هو في منتصفها، ومركز ثقل المكعب هو في تلك النقطة التي تلتقي فيها محاوره. أما مركز ثقل الشكل الهرمي أو المخروطي – والذي هو أقرب إلى شكل البناء الحزبي- فهو في نقطة ما تقع على العمود الموصل ما بين قمة الهرم أو المخروط وما بين منتصف قاعدته، وهذه النقطة هي حتماً أقرب إلى قاعدته منها إلى قمته. فمركز الهرم أو المخروط ليس قمته أبداً.
وإذا عكسنا ذلك تجسيدا على البناء الحزبي فإن مركز الحزب هو مؤتمره العام، وليس أية هيئة أخرى. وفي المؤتمر يتجسد مبدأ المركزية الديمقراطية في أسمى معانيها، وبدون المؤتمرات تبقى معادلة المركزية الديمقراطية عرجاء منقوصة تبيح كل أنواع المحرمات.
وتتجسد المركزية الديمقراطية في المؤتمر من خلال انتخاب المندوبين لحضور المؤتمر من كافة المواقع الحزبية، ومناقشة وإقرار البرنامج السياسي والنظام الداخلي، مناقشة وإقرار التقرير السياسي وتقارير مختلف أوجه النشاط الحزبي، مناقشة وإقرار خطط عمل موازية لهذه التقارير. ويتم التصويت على كل ذلك وعلى أية قرارات أخرى يتخذها المؤتمر بالأغلبية عادة وبالإجماع في بعض الحالات. كما ينتخب المؤتمر من بين أعضائه هيئات جماعية يعطيها صلاحيات لمتابعة تنفيذ قراراته. وكل ذلك هو تجسيد يخص الطرف الديمقراطي من معادلة المركزية الديمقراطية. ولكي تستقيم المعادلة وتتوازن نشير إلى الشق المركزي منها. فالحزب بكل هيئاته ورفاقه (بغض النظر إن كان مع الأقلية في التصويت حين اتخاذ القرار أو كان مع الأغلبية) يلتزمون بالبرنامج السياسي والنظام الداخلي وكافة القرارات الصادرة عن المؤتمر، يترجمونها، يعملون على هديها في مواقعهم، ويلتزمون بما حدده لهم النظام الداخلي من حقوق وواجبات، وتلتزم المراتب الأدنى بقرارات وتوجيهات المراتب الأعلى، التي احتلت مواقعها عن طريق الانتخاب الحر والمباشر والسر، دون أن يعني هذا الالتزام هضما لحقها في المناقشة الجادة والمسؤولة داخل أطرها ومن خلال القنوات التنظيمية التي حددها النظام الداخلي أو انتقاصا من صلاحياتها المنصوص عليها فيه.

المركزية والديمقراطية: لمن الغلبة؟!
وإذا اتفقنا أن المركزية الديمقراطية كمبدأ من مبادئ بناء الحزب الثوري يشكل معادلة لها طرفين هما المركزية من ناحية، والديمقراطية من ناحية أخرى، وبما أنها معادلة فأي انتفاء لأحد طرفيها يخرج الحزب من طبيعته كحزب ثوري للتغيير… إن هذين الطرفين لا ينفصلان أبدا باعتبارهما شرطاً لبناء حزب ثوري موحد وقادر على قيادة الجماهير نحو تحقيق أهدافها. لكننا في نفس الوقت ندرك أن هذه المعادلة قد يعتريها بعض الخلل نتيجة ظروف موضوعية محددة. فظروف القمع والتضييق على الحريات وعلى الحياة الحزبية في بلد ما تفرض على الحزب تقليص وتعطيل بعض النواحي الديمقراطية في حياته الداخلية مثل المؤتمرات والانتخابات للهيئات. ولكن هذا الوضع الذي يبدو فيه أن الاتجاهات المركزية هي التي تعززت، نجد العكس ، بأن الاتجاهات المركزية في بعض مظاهرها قد تقلصت كالرقابات المركزية ومتابعة النشاطات والتدقيق في التقارير… أما في ظروف العمل العلني لهذه الأحزاب فإنه يتحقق عندها أقصى مديات التطبيق الخلاق لهذه المعادلة. فبقدر ما تتعزز الديمقراطية داخل التنظيم، وتتوسع صلاحيات المراتب الحزبية ، وبقدر ما يتعزز الشعور العالي لدى الأعضاء بأن هذا الانتساب الطوعي للتنظيم يحقق الذات الحقيقية لجميع أفراد هذا التنظيم، يتعزز بالمقابل الارتباط والتماسك والوحدة حول مركز التنظيم، حيث تتجسد من خلاله وحدة الإرادة والعمل والتي تتجسد من خلال وحدة فكرية وسياسية وتنظيمية. وإن أي ظرف إيجابي يعزز العمل العلني مثل الثورة التكنولوجية يعكس نفسه إيجابا أيضاً على طرفي المعادلة المركزي والديمقراطي ما دام الحزب متمسكاً بشروط التغيير الثوري. وإن أي إخلال بمعادلة المركزية الديمقراطية أو إلغائها كمبدأ تدفع بالحزب “أي حزب” إلى مصاف الأحزاب الإصلاحية والانتهازية التي تتخلى بمحض إرادتها عن واجبها في التغيير الثوري التقدمي.
وأخيرا نقول إذا ما قطعت أصابع اليد توقفت تلك الأصابع عن الحياة والحركة، وبالمقابل تتعطل اليد عن العمل. أما حينما تأتلف راحة اليد مع الأصابع فإنها تبدع وتصنع المعجزات. وقد تلتف اليد على نفسها إذا اقتضى الأمر لتشكل قبضة تواجه فيها كل صنوف القهر والظلم والاستبداد وتصنع التغيير المرتقب… هي تلك باختصار المركزية الديمقراطية.

*عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية ومسؤول الدائرة التنظيمية في الحزب

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.