النمو الاقتصادي سلاح للتغطية على الفشل

يلفت النظر في السنوات الأخيرة كثرة الحديث عن النمو الاقتصادي وكم حقق اقتصاد هذا البلد أو ذلك من مستويات هذاالنمو والمعدل الذي بلغه هذا النمو، وفي الأردن الذي يفتقر إلى الموارد، ويعتمد اقتصاده على القروض والمنح والمساعدات الاجنبية والتمويلات من الخارج، ويلهث باستمرار وراء جذب الاستثمارت الاجنبية المباشرة، هناك ينصب اهتمامه الأكبر بمعدلات النمو الاقتصادي، وعند وضع كل موازنة سنوية أول ما تتناوله تصريحات المسؤولين ورجال الاقتصاد هو معدل النمو الاقتصادي والتوقعات غالباً ما تتحدث عن ارتفاع معدلات هذا النمو لكن النتائج تأتي مخالفة لهذه التوقعات في معظم الاحيان، وفي احيان أخرى يحقق الاقتصاد الأردني معدلات نمو اقتصادي عالية مقارنة بدول عربية واسيوية أو نامية.

مثلاً خلال السنوات العشر الأولى من هذه الألفية، سجل الأردن متوسط معدلات نمو وصلت إلى (5.8%) وهذا في العرف الاقتصادي وحسب النظريات الاقتصادية من شأنه أن يخلق تحسناً ملحوظاً في مستوى الرفاه الاقتصادي، إذ زاد دخل الفرد من (1742) دولار عام (2000) إلى (4326) دولار لعام (2010) وارتفع دخل الفرد في سنة (2011) إلى (4500) دولار، فهل تحقق نتيجة هذا الارتفاع في مستويات الدخل للفرد في الأردن ما يمكّن هذا الفرد هو وأسرته من شراء المنتجات التي ارتفعت قيمتها إلى أكثر من الضعف.
فدولة الرفاه التي كانت قبل اقتصاد السوق والسياسة الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة ، تشرف وتقود الاقتصاد أو على الأقل تتشارك مع القطاع الخاص في تسيير دفة الاقتصاد، كانت تحمي الطبقات الفقيرة وذوي الدخول المحدودة من غائلة التضخم وارتفاع الاسعار. وكان المواطنون أو جمهور المستهلكين هم المحك في تقويم السياسة الاقتصادية، على اعتبار أن السياسة الاقتصادية الناجحة هي السياسة التي تحقق للمواطن العيش بكرامة، وتوفير مستلزمات الحياة.
لم يكن المواطن في الأردن يهتم بمستويات النمو الاقتصادي ولا بالنسبة التي بلغها هذا النمو، كان يهمه فقط دخل حقيقي وليس دخل اسمي يمكنه من الحصول على المواد والسلع الضرورية وتوفير السكن بأقل ما يمكن من الراتب أو الاجر الذي يتقاضاه.
وفيما بعد، وعندما بدأت الاحاديث والتصريحات تتركز على معدلات النمو، أخذ المواطن يكتشف أن مستوى معيشته في واد والحديث عن معدلات النمو في واد آخر، وأن هذه الاخيرة ما هي إلا محاولة للتغطية على فشل السياسات الاقتصادية والمالية، وتبرير علاقة التبعية لبرامج صندوق النقد والبنك الدوليين.
لقد تخلت الدولة عن المواطن تماماً، وأصبحت لا تهتم سوى بإرضاء صندوق النقد وتقاريره الدورية وتعليماتهم الشيطانية التي أرهقت المستهلكين بكثرة الضرائب وسياسات رفع الدعم، وزيادة الأسعار وازدياد معدلات البطالة، ولقد أشار الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتس الحاصل على جائزة نوبل بالاقتصاد أن النتائج التي أفرزتها السياسية الليبرالية في الاقتصاد العالمي عامة والدول النامية على وجه الخصوص كانت نتائج مدمرة.
في عام (2014) بلغت نسبة النمو الاقتصادي في الأردن (3.2%) وتراجعت هذه النسبة إلى (2.4%) لتصبح في عام (2016) (2%) مع أن التوقعات كانت تشير إلى (3%).
هذا التذبذب في معدلات النمو لم يرافقه تذبذباً موازياً في معدلات البطالة، التي بقيت إما تتراوح مكانها أو تزداد. فمثلاً عام (2015) ارتفعت نسبة البطالة إلى (13.5%) بزيادة (1.1%) عن عام (2014) ثم أخذت معدلات البطالة تزداد، حيث لا تزال تستقر عند نسبة (13%) (هذا حسب البيانات الرسمية) حتى عندما كان معدل النمو (5.8%)، وصلت نسبته البطالة (13%) ومستويات التضخم (الركودي) أو المستورد أصبحت أعلى من معدلات النمو في الدخل الفردي، وصاحب ذلك جمود في الأجور، أي أن دخل الفرد المذكور لا يعكس مستوى الدخل الحقيقي الذي يعتبر الرفاه الاقتصادي انعكاساً له.
وهنا من المهم أن نشير إلى أن المدافعين عن الانفتاح الاقتصادي والتبعية الاقتصادية يهمهم القول أن النمو الاقتصادي يخلق فرص العمل، فإذا كان هناك نمو يكون هناك تشغيل، لكن الحقيقة معكوسة تماماً إذ أن فرص العمل المتزايدة تخلق أو تحقق النمو الاقتصادي، وهناك نظرية اقتصادية تقول بل تؤكد بأن تزايد إنتاجية العمل تقضي على فرص العمل فكلما كانت كمية السلع التي ينتجها العامل في الساعة الواحدة أكبر، كانت ساعات العمل التي يحتاجها لإنتاج الكمية نفسها من السلع التي كان ينتجها سابقاً أقل. أي أننا سنكون أقل حاجة للأيدي العاملة. لذلك يرى أحد فلاسفة الاقتصاد أنه إذا لم يصاحب نمو الناتج القومي نمو مداخيل العاملين فلا خير فيه.
من جهة أخرى، ومن أجل تحفيز النمو الاقتصادي يزعم الرأسماليون وأرباب العمل، والأثرياء (وهذا ايضاً رأي صندق النقد الدولي) أنه لا بد من خفض الضرائب على البنوك والشركات، لزيادة أرباح المشاريع تدعم جانب عرض السلع وهذا حسب زعمهم يساعد في مكافحة التضخم، ويحفز على النمو وبالتالي القضاء على البطالة (نظرية باتسف ساي) ولكي لا تهاجر الشركات وأصحاب المشاريع إلى البلدان ذات الضرائب المنخفضة، اضطرت الحكومات للرضوخ إلى الشركات، وأصدرت قوانين لتخفيض الضريبة على المشاريع كما حدث في الأردن الذي لجأ إلى تعديل قانون الضريبة أكثر من مرة، سعياً وراء جذب الاستثمارت أو الحفاظ على بقائها. والأردن يحاول تقليد الدول الصناعية فيوسع دائرة الضريبة بحيث تفرض على أصحاب الدخول المتدنية فيما يخفض الضريبة على الشركات والأثرياء. لكن ثبت أن هذه السياسة لا تؤدي اطلاقاً إلى خلق فرص عمل جديدة، وأن هدف الرأسمالي هو فقط زيادة معدلات الربح.
وعلى ذلك، نقول أن الدول الرأسمالية نفسها أخذت في السنوات الاخيرة تتنافس على خفض الضريبة، حتى أن أحد خبراء الاقتصاد توقع أن تصل الضريبة إلى (صفر)، ويتم فرض هذا الأسلوب على الدول الفقيرة، والدول النامية ومنها الأردن، وطالما أن الأردن يتبنى أسلوب الإنتاج الرأسمالي، واقتصاد السوق والسياسة الليبرالية، فعليه الالتزام بقوانين الرأسمالية الليبرالية.
ولذلك يرى المناهضون للسياسة الليبرالية ضرورة تراجع دول العالم الثالث كلها عن اقتصاد السوق، وإنتاجها سياسة اقتصادية ترمي إلى خفض معدلات الفقر والتخلص من هيمنة صندوق النقد الدولي والشركات العابرة للقارات على اقتصادياتها وسياساتها الوطنية. فمن حق كل بلد أن يتخذ لنفسه القرار المناسب لطبيعة ومستوى تطور اقتصاده الوطني. وليتحقق ذلك، لا بد من توفر الإرداة لدى حكومات البلدان الخاضعة لتعليمات صندوق النقد الدولي والراضخة للمانحين للتواصل والتشاور مع بعضها البعض واتخاذ قرار جماعي بذلك.