مقالات

الوضع الاقتصادي الأردني وصفقة القرن

على الصعيد الشعبي، ليس ثمة خلاف أو انقسام حول أن الاقتصاد في الأردن تنهشه عدة أزمات، وأن هذه الأزمات مستعصية على الحل، وهي أزمات مزمنة، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى إمكانية الحد من تفاقمها. على الصعيد الرسمي والخبراء والكتاب الاقتصاديين هناك انقسام بين من يعترف بالأزمة الاقتصادية، وتداعياتها وتأثيراتها على الشعب الأردني وبخاصة الشرائح الفقيرة والعمال ومحدودي الدخل، وبين عدد من الاقتصاديين والمحللين والكتاب في الشأن الاقتصادي الذين لا يريدون الاعتراف بالأزمة الاقتصادية، أو ربما يعترفون ولكن يروجون لنظرية تجاوز الأزمة وتحسن الوضع الاقتصادي، بدافع أن إظهار الحقائق والاعتراف العلني والإعلامي أمام الشعب الأردني من شأنه الإضرار بالحالة النفسية والسايكولوجية وبالثقافة السائدة لدى الجمهور الأردني وبالتالي دفعه نحو التشاؤم والكسل والإحباط، وبأن تضليل الجمهور وإشاعة الطمأنينة في صفوفه سوف يساعد في تماسك هذا الجمهور واطلاعه بالمسؤولية والصبر على انعكاسات الحالة الاقتصادية السلبية عليه، وفق مقولة (تفاءلوا بالخير تجدوه).
والحقيقة، أنك تستطيع أن تتلاعب في معطيات أي أمر، أكان سياسياً أو اجتماعياً أو أمنياً، لكنك لا تستطيع أن تسقط هذه المحاولة على الوضع الاقتصادي، لأن المواطن يعيشه ويتلمسه في عمله وفي معيشته ودخله وخبزه اليومي وفي حجم الضرائب المفروضة عليه وفي فاتورة أكله وشربه وسكنه وكل مناحي حياته بشكل يومي.

ولذلك فإن إخفاء حقيقة الوضع الاقتصادي لا تجري إلا في البلدان المتخلفة والتابعة والديكتاتورية، أما في الدول الصناعية وذات الاقتصاديات القوية والمنتجة والمزدهرة فإن التعاطي مع المواطن يتم بمطلق الشفافية والصدق.
الاقتصاد الأردني بات معروفاً داخلياً وخارجياً بأنه اقتصاد هش ومريض بأزمات خانقة والقول بغير ذلك هو مجرد محاولة مفضوحة ومكشوفة وتلحق بصاحبها السخرية والاستهزاء وبالتالي عدم الثقة بالمروجين وفي المقدمة الحكومة وكافة المتحكمين بالنشاط الاقتصادي والسياسي.
ونقول السياسي، لأن السياسة كما يقال (اقتصاد مكثف) وإذا كان اقتصادك قوي والقطاعات الاقتصادية تسير بالشكل الطبيعي، فإن سياستك ومواقفك تكون قوية ومتماسكة، أما إذا كان هذا الاقتصاد يعتمد على المنح والقروض والتحويلات الخارجية والسياحة والخدمات، فبالطبع ستكون سياستك الخارجية، وعلاقاتك الدولية والإقليمية وقرارتك وإرادتك بنفس وضعك الاقتصادي.
وهنا وقبل مناقشة بعض المعطيات والأرقام الاقتصادية يبرز سؤال مهم: هل يمتلك الأردن الإرادة والقدرة على اتخاذ قرار سياسي حاسم أو موقف سيادي مستقل أو الدخول في تحالف آخر وهو في مثل هكذا وضع اقتصادي متهالك؟ وعطفاً على هذا السؤال، هل لدى الأردن إمكانية ولا نقول الرغبة (لأنه لا شك انه راغب في رفض صفقة ترامب الخبيثة والاستعمارية) هل لديه إمكانية الرفض الفعلي لهذه الصفقة والاستمرار على هذا الموقف؟؟
قبل كل شيء الاقتصاد الأردني مبني على سياسة اقتصاد السوق، وهو بذلك اقتصاد مفتوح، أي أنه عرضه للصدمات والتحديات العظام، وربما الإفلاس بل والانهيار هذا حتى في حالة كونه غني بالموارد الطبيعية والبشرية فكيف إذا كان البلد بالاصل يفتقر إلى هذه الموارد وتعرى تماماً بعد بيع مؤسسات الدولة والمؤسسات المنتجة للقطاع الخاص المحلي والاجنبي؟؟
هناك مجموعة من الأزمات الاقتصادية التي نقرأ ونسمع عنها منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، أي منذ أول توقيع أردني على برنامج صندوق النقد الدولي، وهذه الأزمات مع الاسف مستمرة ومتجددة، بحيث اصبح من المستحيل ايجاد حل لها، من الذي كان السبب في توالد هذه الأزمات؟
من الذي جرد البلاد من كل اوراق القوة التي تحصنه أمام المخططات المعادية؟ أليس النظام واعوانه من ارباب العمل واصحاب الملايين والليبراليين؟ لماذا نضع اللوم على صندوق النقد، وهو المعروف بسياسته القائمة على افقار الدول النامية واغراقها بالقروض ثم فرض اجندة على حكوماتها؟؟ آخر تصريح برلماني أوكراني في العهد الجديد، اعترف علناً بأن بلاده حاولت الاستعانة بقروض صندوق النقد فإذ بهذا الصندوق يغرق اكرانيا بالقروض ويدمر اقتصادها.
وبعدها يخرج علينا البعض ويقول «نرفض صفقة القرن» وسنتصدى لها. على ماذا استند هؤلاء؟؟
كيف للاردن أن يصمد في أية مواجهة سياسية وهو على شفير انهيار اقتصادي؟ كيف له أن يجابه التحديات القائمة والمقبلة باقتصاد يترنح؟ اقتصاد غير منتج يعتمد على قطاع الخدمات والتجارة والسياحة والمنح والمساعدات.
الناتج الاجمالي نما بنسبة (2.0%) عام (2018) مقابل (2.2%) عام (2017) أي في تراجع.
قطاع الانشاءات سجل تراجعاً بنسبة (0.3%) خلال الثلاثة ارباع الأولى من عام (2018).
والقطاعات التي قادت النمو مثل المالية والتأمين والعقارات وخدمات الاعمال ساهمت بما مقداره (0.067) نقطة مئوية في الناتج الاجمالي وقطاع الصناعات التحويلية ساهمت بنسبة (0.028) نقطة مئوية، أما قطاعات النقل والتخزين والاتصالات والخدمات الاجتماعية ساهمت بنسبة (0.025) نقطة مئوية في حين قطاع الزراعة المفروض انه من القطاعات الأساسية في دعم الناتج الإجمالي فقد ساهم بنسبة (0.015%) وتجارة الجملة والتجزئة والفنادق والمطاعم بنسبة (0.013%) اما قطاعي الكهرباء والمياه فكانت مساهمتها بنسبة (0.08%).
الصادرات التي يفترض انها تمول الواردات عانت باستمرار من العجز، ففي الفترة من (2000_2015) بلغت قيمتها (1.0800) مليار دينار مقابل واردات بلغت (7.442) مليار دينار وفي عام (2010) بلغت قيمة الصادرات (4.216) مليار دينار مقابل واردات قيمتها (15.667) مليار دينار.
إذن هناك عجز تجاري متفاقم لم نشهد أي تحسن في هذا المجال ويتبجح البعض ليقول أن الاقتصاد في تحسن.
عجز الموازنة (الأزمة المزمنة) ونقصد بها الفجوة بين الايرادات العامة والنفقات العامة
(Fiscal Gap) بلغت هذه الفجوة (222) مليون دينار عام (2004) واستمرت بالارتفاع بحيث بلغت عام (2008) ما مقداره (692.700) مليون دينار ثم ارتفعت عام (2010) إلى (1.054) مليار دينار وعام (2015) ما مقدار (926.600) مليون دينار فاين هو التحسن في التصدي لهذه الازمة المقلقة والتي تأكل من معدلات النمو وتلتهم القروض التي من الفروض أن تذهب إلى مشاريع منتجة ومكثفة للعمالة؟
المديونية العامة ارتفعت نسبتها إلى الناتح الاجمالي من (75%) عام (2012) عام تطبيق برنامج الاستعداد الائتماني) إلى (80.8%) عام (2015) إلى (95.8%) عام (2016) إلى (97.8%) عام (2018) بحيث تجاوزت اعباءها اقساط وفوائد الملياري دينار واصبح الأردن مضطراً لطلب القروض لسداد اعباء ديون سابقة؟
ثم كيف يجابه النظام تحديات المرحلة بكل اخطارها بشعب يعاني مشكلتي البطالة والفقر المقلقة والمخيفة إذ بلغت نسبة البطالة حسب البيانات الرسمية (18.6%) حسب مسح الحكومة ومعايير التعطل عن العمل، فيما معدلات الفقر ايضا حسب معايير الحكومة في مسح دخل ونفقات الاسرة ارتفعت من (14.4%) عام (2010) إلى (20%) عام (2016) وأن نصف الاسر الاردنية (47.1%) تقع على خط الفقر.
وامام هذا الوضع بدأت الحكومة بالتخبط ولم تجد غير جيب المواطن بحيث اتخذت وما زالت تتخذ قرارات متلاحقة وفقاً لطلبات صندوق النقد لفرض مزيد من الضرائب ورفع الدعم عن كافة السلع الاساسية مثل الماء والكهرباء والمشتقات النفطية والادوية وملابس الاطفال والسيارات وغير ذلك بحيث ارتفعت قيمة الضرائب غير المباشرة مثل المبيعات من (2.986.400) مليار دينار عام (2010) إلى (3652.400) مليار دينار (2015) إلى (4.096) مليار دينار (2018).
إذن الأردن امام كارثة اقتصادية تتجاوز الركود إلى الكساد في ظل اصرار الحكومة على نهجها السياسي والاقتصادي المدمر الذي يشي بمرحلة توصل الاردن إلى حالة الافلاس واعلان عدم قدرته على سداد الديون، إذا لم تغادر البلاد هذا النهج السياسي الاقتصادي الاجتماعي، وهذا لن يتم في ظل استمرار بقاء التحالف الطبقي مسيطراً على البلاد، ونتحدى أن ينفذ تهديده بالتصدي لصفقة القرن وغيرها من مشاريع التقسيم والهيمنة، كل ما نخشاه أن يتناهشه اللاعبون الدوليون والاقليميون، ويتحول إلى فريسة تمزقها هذه الوحوش كما مزقت المنطقة في معاهدة سايكس بيكو (2016).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى