مساهمات شبابية

بطلة المقاومة السرية ومؤسسة الكتيبة النسوية في حركة ٢٦ تموز

تلعب الشخصية التي تجتمع فيها، في لحظة تاريخية ما، جملة من المواصفات الكاريزمية لتكوين شخصية قيادية قادرة على استيعاب الاخر والاستجابة السريعة للمتغيرات والقدرة على قيادة التغيير وإحداث الفرق، عاملاً مهماً في التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب. وقد مثلت الثورة الكوبية نموذجاً خاصاً لعبت فيه الشخصيات التاريخية دوراً حاسماً ومقرراً في مسارها، ومثلت تجسيداً حياً لأهمية الصدفة التاريخية، ونذكر من هؤلاء، القائد الخالد فيدل، والثائر ارنستو تشي غيفارا وغيرهم كثر، وهنا سأتناول شخصية امرأة ثائرة غير معروفة بشكل واسع خارج كوبا اسمها سيليا سانشيز.


مثلت سيليا سانشيز «Celia Sánchez»، «أحد أهم عوامل نجاح الثورة الكوبية، من خلال قيادتها العمل السري والتنظيم اللوجيستي» كما يقول فيديل كاسترو. وُلدت سيليا في بلدة «ميديا لونا» فيما كان يُعرف قديما مقاطعة الشرق (محافظة غرانمااليوم) في التاسع من أيار عام 1920، والدها (مانويل سانشيز ساليفيرا) الذي كان عاملاً مهما في صقل شخصيتها، فقد كان طبيباً ريفياً، حاملا لأفكار «خوسيه مارتيه»، يتمتع بمزايا إنسانية، عالم طبيعة، زرع في ابنته سيليا قيم الإنسانية، والإيثار وحب الوطن، والاهتمام بالتاريخ، والانحياز لقضايا الناس العادلة، ما أهل سيليا لتجمع في شخصيتها صفاة «تعريف معنى الثورة» كما فهمها فيديل كاسترو وتناولها في خطبته في الأول من أيار عام 1999.
المشاركة العلنية الأولى لسيليا في الحياة السياسية العامة في كوبا، كان في 20 أيار عام 1948، عندما وصل «ادواردوتشيباس» زعيم حزب الشعب الكوبي – الأرثوذكسيون*، خلال جولته كمرشحٍ للانتخابات الرئاسية الكوبية، في المنطقة الشرقية

محافظة الشرق-، وكان شعاره الانتخابي «الحياء ضد المال» في مواجهة الفساد الذي كان يعم البلاد، وكانت سيليا قد التحقت بهذا الحزب الوطني – القومي التوجه والمناهض للهيمنة الأمريكية، والذي استند في عقيدته السياسية إلى ثلاثية»الاستقلال الاقتصادية، والحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية» ومرجعيته النظرية استندت لفكر «خوسيه مارتي» بطل كوبا القومي ومؤسس «الحزب الثوري الكوبي» نهاية القرن التاسع عشر. لقد أثبتت سيليا خلال عضويتها في حزب الشعب الكوبي حينها، قدرتها العالية في التنظيم وكسب التعاطف الشعبي.
في 10 آذار 1952، قام «فولهينسيوباتيستا» بانقلاب عسكري لقطع الطريق على الانتخابات الرئاسية التي كانت ستقام في شهر حزيران من نفس العام، وكان هو سيخوضها ممثلاً لحزب «العمل الموحد»، وبسبب تخوفه من انتصار المرشح المنافس عن حزب الشعب الكوبي – الأرثوذكسيون، الذي كانت استطلاعات الرأي ترجح فوز مرشحه بقوة. لقد أثار الانقلاب شعوراً بالغضب والسخط لدى سيليا وغيرها من الوطنين الكوبيين لأنه قطع الطريق أمام وصول رئيس يحمل هموم وطموحات الشعب الكوبي. وقد شكل هذا الحدث تحولاً في الحياة السياسية، وأحد الدوافع الرئيسية لذهاب الشباب الكوبي الثوري باتجاه خيارات نضالية جديدة أكثر جذرية للوصول إلى السلطة، بسبب اجهاض الانقلاب العسكري لخيار صندوق الاقتراع والانتخابات كطريق للتغيير. في هذه الأثناء كان والد سيليا، وهو الشخصية الوطنية المعارضة، شرع في تنظيم شبكة للثورة ضد هذا الكيان الانقلابي موكلاً، بسبب مرضه، المهام لابنته سيليا، واثقًا أن كل ما يمكن أن يقوم به، يمكن لابنته سيليا القيام به.
في أواخر عام 1952 وأوائل العام1953، بدأت سيليا في تنظيم المجموعات السرية الأولى على ساحل «جواناكايبو» في «مانزانيو»، وفي الذكرى المئوية لميلاد «خوسيه مارتي»، قررت مجموعة من الشباب الكوبي المعتنق لأفكاره، وضع تمثاله المنحوت من قبل الفنانة التشكيلية «جيلما ماديرا» على أعلى قمة في كوبا، قمة «بيكو توركينو» في السييرامايسترا. وللقيام بهذه المهمة الوطنية، طلبوا مساعدة الدكتور «سانشيز سيلفيرا» والد سيليا، حيث كانت سيليا واحدة من هذا العدد القليل من الأشخاص الموجودين على قمة ذلك الجبل، وهنا رمزية تحول خوسيه مارتي ليس فقط كملهم فكري لهذا الجيل الثائر بل كمتمرد يراقب من أعلى قمة غي كوبا تطور ارهاصات الثورة.
بعد مضي أسابيع قليلة على هذا الحدث الذي يحمل الكثير من الرمزية في استمرارية النضال على خطى وفكر «خوسيه مارتي» لإنجاز استقلال كوبا، حاولت مجموعة من الشباب الثوري، بقيادة فيدل كاسترو، «الاستيلاء على الجنة على حين غرة»، كما كتب أحد الرفاق وقتها، والمتمثلة بالهجوم على ثكنات «مونكادا» و «كارلوس مانويل دي سيسبيديس» و»قصر العدل» و «المستشفى المدني». هذا الحدث، ورغم فشله واستشهاد واعتقال جميع عناصر المجموعات المهاجمة تقريباً، إلا أنه جدد آمال سيليا بأن الثورة قادمة.
حتى وقت متأخر من العام 1954، ركزت اهتمامها على إنشاء شبكة سرية من الشباب الأرثوذكسي (المقصود من شبيبة حزب الشعب الكوبي – الأرثوذكسيون) بهدف تهيئة الظروف لاستقبال أحد قادة الحزب الأرثوذكسي «ميلو أوتشوا»، الذي خطط للعودة من المنفى إلى كوبا في طائرة صغيرة ستهبط في منطقة بيلون لاستكمال مسيرة مؤسس الحزب الذي توفي في العام 1951. لكن، فشل «ميلو: بالوفاء بوعده، وحينها قررت سيليا، الغاضبة مما اعتبرته الخيانة، أن تبدأ في التصرف بمفردها ضد الديكتاتورية، وأسست ما سمي «حركة ماسو الثورية»، تكريما ل»بارتولومي ماسو»، جنرال مانزانيو من «جيش التحرير الكوبي» في حرب الاستقلال ضد الاستعمار الإسباني خلال القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أن هذه المنظمة التي أسستها لم تحرز تقدمًا كبيرًا، إلا أنها وبعد أشهر معدودة قامت سيليا والإطار المنظمة التي شكلتها بالإلتحاق بحركة 62تموز، ومنذ تشرين ثاني 1955، ووقع على عاتقها تأسيس تنظيم حركة 26 تموز في منطقة «مانزانيو»، وتبوأت إلى جانب «فرانك باييس» الذي كان في حينه نائباً لفيدل في قيادة حركة 26 تموز، قيادة التنظيم السري في المدن.
في شهر كانون الثاني 1956، وصل إلى بيلون / مانزانيو، قائد التنظيم السري لحركة 26 تموز في الداخل «فرانك بايس» ومعه عضو القيادة «بيدرو ميريت» بتكليف من فيدل لتقييم ظروف المكان كوجهة محتملة للبعثة الثورية التي كانت تستعد للقدوم إلى كوبا من المكسيك، بحلول نهاية العام، ما عرف لاحقاً ب»إنزال غرانما». كانت المرة الأولى الذي تلتقي فيه سيليا بفرانك باييس شخصيًا، وخلال هذا اللقاء تم تكليفها رسمياً بمهمة انجاز الترتيبات اللوجستية اللازمة لضمان استقبال بعثة الثوار «بعثة غرانما» القادمة تحت قيادة فيدل كاسترو.
خلال عام 1956، قادت سيليا النشاط السري لحركة 26 تموز في بيلون ومانزانيو، ونظمت كافة الاجراءات اللوجيستية والمساندة لاستقبال بعثة «غرانما» من كوادر الحركة وعتاد.
يوم 16 شباط 1957، كان يوماً تاريخياً التقت فيه سيليا في اجتماع القيادة الوطنية لحركة 26 تموز كل من فيدل وراؤول وكاميلو وتشي جيفارا والمييدا وبقية بعثة الثوار في جبال سييرامايسترا. لتعود بعدها سيليا إلى مانزانيو، وقد تم تسميتها بشكل فعلي عضواً في القيادة الوطنية للحركة. منذ تلك اللحظة، بدأت بتنظيم الدعم اللوجيستي وإرسال التعزيزات التي كان يطلبها فيدل وتقوية نواة الثورة إلى جانب «فرانك باييس».
كان 23 أبريل 1957، اليوم الذي يؤرخ لمشاركة سيليا كأول امرأة في حمل السلاح والالتحاق بجيش الثوار، وكانت رافقت الصحفي «بوب تابر» والمصور «ويندل هوفمان»، الذي كان سيجري مقابلة فيدل.
من 23 أبريل إلى 31 مايو 1957، التحقت سيليا باجتماعات القيادة الوطنية للحركة، ورُسِمت عضواً أصيلاً فيها، وكُلِفت بمهمات تدريبية وقتالية صعبة، من ضمنها المسير الشاق بين الجبال وتنفيذ مهام عسكرية، وكانت مشاركتها في أول معركة يخوضها مقاتلوا حركة 26 تمز الثورية، معركة الأوفيرو بتاريخ 28 أيار 1957.
بعد هذه المعركة، طلب منها فيدل العودة للمدينة، وكلفها بمهمتين، الأولى اللقاء بالصحفي هربرتماتوز -الذي كان في سانتياغو دي كوبا – لنشر وتغطية أخبار الثوار وانتصاراتهم في ترسيخ أركان الثورة المسلحة في الجبال والريف الكوبي، ونشر المعلومات الصحيحة عن النموذج والسلوك الثوري لجيش الثورة، نواة ونموذج المجتمع الكوبي بعد الانتصار، والمهمة الثانية، إعادة بناء تنظيم حركة 26 تموز السري في المدينة، الذي شابه الضعف بعد مغادرتها لجبال السييرا، وهو عنصر حاسم في الدعم اللوجستي والإعلامي لتقدم وانتصار الثورة ، وبفعل كفائتها وقدراتها التنظيمية ومتابعتها لأدق التفاصيل في إنجاز المهمات أصبحت سيليا مركز التخطيط والدعم اللوجستي في الخطوط الخلفية لجيش الثورة في حرب عصابات السييرامايسترا، وقد احتاجت لفترة 6 أشهر لإنجاز مهمة إعادة بناء التنظيم السري، عادت بعدها إلى جبال السييرامايسترا في تشرين الأول 1957، وبقيت في الجبال حتى انتصار الثورة بداية 1959.
بعد انتصار الثورة في 1 يناير 1959. استمرت قريبة من قائد الثورة وعملت في موقع سكرتاريا الرئاسة، وتحملت مسؤولية التأريخ لمسيرة الثورة، حيث جمعت في بيتها بداية، كماً كبيراً من الوثائق والصور التي توثق لكل لحظة من عمر الثورة، من مشاركة أبسط مقاتل إلى أهم المعارك التي حسمت انتصار الجيش الثوري إضافة إلى كافة المراسلات والبيانات وتطورات الميدان حتى لحظة الانتصار في الأول من كانون الثاني 1959.
بعد ذلك في العام 1964 تم إنشاء «مكتب مجلس الدولة للشؤون التاريخية» الذي تولت مسؤوليته حتى وفاتها في 11 كانون الثاني 1980. في العام 1976 عينت وزيراً لمجلس الدولة، وكانت شاركت في المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبي الذي عقد في العام 1965، وهو المؤتمر الذي كرس اندماج كافة القوى الثورية التي ساهمت في الثورة الكوبية في حزب واحد هو الحزب الشيوعي الكوبي، والذي انتخبت فيه عضواً في اللجنة المركزية للحزب.

بواسطة
د. وطن جميل العبد
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق