بين القومية والأممية

ثمة أنواع من القوميين. فهنالك قوميون بالمعنى الاستعلائي، الذي ينفي حقوق ووجود الأمم الأخرى والذي يتخذ مواقف عنصرية وعدوانية ضد الأمم الأخرى، وهؤلاء نسميهم قوميين شوفينيين، والشوفينية مصطلح يعني التعصب القومي.وهنالك بالمقابل قوميون جذريون، أو تقدميون، سمهم ما شئت، وأولئك هم الذين تتوقف قوميتهم عند حدود أمتهم. فهم قوميون لأنهم يعملون على توحيد بلادهم وتحريرها والنهوض بها، ولكنهم غير معنيين بالتحول إلى قوة استعمارية بديلة تضطهد الأمم الأخرى وتستعبدها، لأنهم يمثلون مصلحة شعبهم في التحرر، لا مصلحة الإمبريالية في استعباد أمم أخرى.
ونحن ندعو لتيار قومي من النوع الثاني.. لأننا: أولاً، لا نعتبر العرق، أو الأصل العرقي، شرطاً من شروط تحقق القومية، كما يفعل القوميون الأوروبيون مثلاً الذين يجعلون الانتماء للعرق “الآري” أحد أهم عوامل وجود الأمة. فنحن نعتبر العروبة انتماءً ثقافياً وحضارياً، ونعتبر أن شروط وجود الأمة هي الأرض واللغة والتاريخ المشتركة والسمات الثقافية المشتركة والمصالح المشتركة. وقد أثبتنا في كتاب “أسس الفكر القومي العربي” أن كل المفكرين القوميين العرب الأساسيين، من ساطع الحصري إلى ياسين الحافظ، لم يعتبروا العِرق شرطاً من شروط وجود الأمة، على عكس المفكرين القوميين الأوروبيين، كما أثبتنا في الفصل الخامس من كتاب “أسس العروبة القديمة” أن علماء العرب في العصر العباسي نظروا للعروبة كانتماء ثقافي لا عِرقي، وأن بعضهم ربط المفهوم الثقافي للعروبة بالحديث النبوي “ليست العربية بأب لأحد منكم أو أمّ، وإنّما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي”، وبغض النظر عن مدى صحة هذا الحديث الذي يشكك بعض المحدثين بصحته، فإنه يعبر عن ثقافة سائدة، والخلاصة أن ربط الوعي القومي العربي بمفاهيم عرقية وعنصرية ينم عن جهل شديد بأدبيات الفكر القومي قديماً وحديثاً.
ونحن نعتبر، ثانياً، أن نضالنا القومي هو نضال للتخلص من قوى الهيمنة الخارجية، ولهذا ندعم نضالات كل الشعوب الساعية للتخلص من الهيمنة الإمبريالية والصهيونية، من أمريكا الجنوبية لشبه الجزيرة الكورية، ونعتبر أن انتصاراتها مكاسب لنا، وأن انتكاساتها تراجعٌ لنضالنا. فهذا قاسمٌ مشترك كبير بيننا وبين كل الشعوب والحركات المناهضة للإمبريالية حول العالم، كما أنه مهمٌ جداً كنقطة مرجعية لأنه يضع حداً فاصلاً بين قوميي الأمم الإمبريالية، التي تمارس الاستعمار والهيمنة وتضطهد غيرها من الأمم، وبين القوميين في الأمم الخاضعة للاحتلال والهيمنة والاضطهاد… ولهذا نعتز مثلاً بالحس القومي التحرري للبوليفاريين في أمريكا اللاتينية، وندين الحس القومي الشوفيني للمؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ونذهب مع لينين تماماً في ضرورة التمييز بين النزعات القومية في البلدان التابعة والمحتلة من جهة، والنزعات القومية الحربجية للأمم الإمبريالية. والحقيقة أن وضع هاتين المجموعتين على مستوى واحد يعبر عن عمى ألوان سياسي حقيقي، لأن تحررنا كأمة من الإمبريالية وهيمنتها يرتبط تماماً بتحرر الأمم الأخرى منها!
نحن قوميون أمميون إذن. ونعتبر أن الأخوة بين الشعوب والأمم هي مستقبل العالم بعد إزالة الاضطهاد والاستغلال والإمبريالية، ولكننا لا نعتبر، كما يذهب الليبراليون، ويسير معهم في ذلك بعض اليساريين والإسلاميين للأسف، بأن البشرية توجد على شكل أفراد، وأن الهوية هي “إنسان”، بالمجرد، بشكل منقطع عن الانتماء القومي والحضاري، بل نعتبر أن الإنسان وجد على هذه الأرض على شكل متحد اجتماعي هو الأمة، ونحن ننتمي للأمة العربية، وغيرنا ينتمي للأمة الصينية أو الروسية أو غيرها. كما أن لا نعتبر أن مقياس “الوعي التقدمي” هو التجرد من الانتماء القومي، خصوصاً في الأمم المهددة بالاندثار والتفكيك والاحتلال مثل الأمة العربية حيث يصبح تجريد أبناء الأمة من انتمائهم وحسهم القومي هدفاً استراتيجياً لقوى الهيمنة الخارجية.
ونختلف مع الرؤية الشيوعية التقليدية التي تعتبر الأمم حصيلة تطور المجتمع من الإقطاع للرأسمالية، بعد الثورة الصناعية وسيطرة الطبقة البرجوازية على السلطة في المجتمع الأوروبي، بل نعتبر أن القوميات موجودة منذ ما قبل البرجوازية، وأن ما فعلته البرجوازية الصناعية، في كل أمة أوروبية على حدة، هو تبني مشروع “الدولة القومية”، مما ساعد على تبلور صفات حداثية في الأمة، وسنعود لهذا في معالجة أخرى.
باختصار نراه عالماً متعدد الأقطاب، ونتفهم أن بعض الأقطاب الأخرى غير معنية بتصدير عوامل القوة إلينا، إلا بما يتماهى مع مصالح ذلك القطب /الأمة، وبالمقابل نستوعب أن قوة ورفعة أمتنا هي عملية بناء مستمرة نحن المعنيين بها أولاً وأخيراً. فالنزعة القومية مشروع نهضة ووحدة وتحرر، ولهذا فإننا نرى أن الديمقراطية، والتنمية الاقتصادية، والأمن القومي لا يمكن لها أن تتحقق إلا في سياق مشروع قومي يشكل وحده بنيتها التحتية، كما أن الديمقراطية مثلاً لم تنشأ في ظل التفكك الإقطاعي في أوروبا، بل في ظل الثورة الصناعية وتوحيد السوق القومية، ولهذا فإن المشروع القومي يمثل أكثر مشروع تقدمي في ظل الشروط الملموسة لهذه المرحلة من تاريخنا كأمة عربية، مرحلة التحرر القومي.