مقالات

تحديث التعليم يكسر احتكار السلطة….محمود منير

Mahmmod moner

تشي التسريبات بقرب الإعلان عن تغيير جذري للمناهج الدراسية الأردنية، ما يستوجب التذكير بالمعوقات التي تحول دون ذلك، فأغلب “خبراء التعليم” لم يستطيعوا حتى اللحظة تقدير حجم الكارثة التي نعيش بسبب رؤيتهم التقليدية للمجتمع ومستقبله، واعتقادهم أن العديد من القيود على تفكير الطالب هي ثوابت وطنية أو أخلاقية أو دينية!

لا معلومات مؤكدة حول حدود التغيير المنشود، لكن المتابع لما تقدّم به أساتذة جامعات واختصاصيون تربويون حول تطوير التعليم خلال الشهور الماضية يمثّل فاجعة كبرى، فلم نسمع منهم مراجعة نقدية حقيقة للمناهج الحالية، والمفارقة بأن بعضهم تغزّل بها وأعاد علينا خلاصات عقيمة عن الوسطية التي أبعدت الأردنيين عن التطرف، كما لم نشهد طرحاً واضحاً يحدد الأزمة ويقترح حلولاً لها.

الحال الأردنية تنتمي إلى عجز أوسع، ففي عام 2009 جرى التوافق في تونس على خطة تطوير التعليم في الوطن العربي، ولم تتضمن حينها كلمة واحدة عن التطرف، وزُينت بها المواقع الإلكترونية لوزارات التربية والتعليم العربية وعقدت من أجلها اجتماعات شكلية، ولم ينفّذ منها شيء، بل زاد الإنفاق على الأمن العربي –الذي تراجع في جميع دوله- أضعاف ما يُنفق على التعليم، وظل التخلف بتوصيف الخطة المذكورة هو مشكلة المشاكل العربية.

ثلاثة مظاهر أساسية للتخلف وهي: التلقين الذي تفرضه مناهجنا، وعلى الأخص كتب التربية الإسلامية والتربية الوطنية وبعض نصوص اللغة العربية، والفقر المعرفي في أغلب المواد، إذ يعلم متابعون أن منهاج الفيزياء للتوجيهي يعادل بمضمونه ما يُدرس في الصف الثامن في دولة مثل ألمانيا، وأخيراً ما يتعلق بجهاز وزارة التربية؛ مدرسين ومشرفين تربويين ومدراء يغلب عليهم الضعف العلمي والتشدد الديني ويمثلون نماذج رديئة في إشاعة قيم متخلفة ورجعية والعداء للمرأة والآداب والفنون والثقافة والحداثة ومظاهر الحياة العصرية.

فقدت المدرسة أدوارها الرئيسة نحو نشر المعرفة من أجل تحديث المجتمع مع تقادم الزمن، وأُبقي على دور وحيد لها يتجسد بالضبط والسيطرة، لذلك نلحظ ازدياد مستوى العنف والاعتداءات المتبادلة بين المعلمين والطلبة، لأنهم يمثلون السلسلة الأولى في النظام، الذي انحدر إلى هذه الدرجة من الهشاشة والانحطاط.

إلى جوار عنف مدرسي منفلت يقود إلى التطرف والإرهاب حتماً، فإن هذه الأدوات عاجزة وتعيق أي تطور في حال حصوله، وسيتمسك المدرسون بمناهج “خفية” لمقاومة أي تعديل يظنون أنه ينال من الدين والعادات والتقاليد والشرف الرفيع، بحسب معتقداتهم، وسيلقنون طلبتهم ما شاؤوا!

ثمة شكوك أكبر حول إمكانية التغيير ذاتها، فلا يوجد فارق جوهري بين معظم واضعي المناهج وبين من يدرسها، والتغيرات السابقة تثبت ذلك، ويدلل عليها تراجع مخرجات التعليم يوماً بعد يوم، ناهيك عن وجود أخطاء علمية في مناهج عدة أشار إلى بعضها المستشار باسل صليبا في مقال سابق نشر مؤخراً في تكوين/ عمان نت.

لن أناقش جملة أخطاء علمية تعتري مناهجنا إضافة إلى تراجعها المعرفي قياساً بالتطور المتسارع للمناهج في دول متقدمة، فهذا شأن اختصاصيين نأمل مساهمتهم في هذا المجال، لكن يظهر أن موضوع التلقين لا يزال ملتبساً لدى صانع القرار رغم توقيعه اتفاقيات دولية تمنع اتباعه منهجاً في التدريس.

أخطر أشكال التلقين ما تحتويه مناهج التربية الإسلامية التي تعد تدخلاً رسمياً صارخاً في نشأة الأجيال سابقٌ على تأثير الجماعات الإرهابية، إذ يلقن الطالب أن الإسلام هو الدين الصحيح الوحيد الذي ينظم مناحي الحياة كافةً؛ أي أنه يسمو فوق القانون والدستور بلغة أدق، وبذلك يتأسس الانفصام لدى الفرد الذي يحيل إحباطاته وعجزه لأوهام تتعلق بـ”ابتعاد المجتمع عن الإسلام”، ثم تعود الدولة لتستنكر انخراط أبنائها في تنظيمات جهادية تسعى إلى إسقاطها.

تشرح مناهج التربية الإسلامية لدينا كيفية قتل الأسرى والجهاد والغنائم والسبايا والعبيد بالتفصيل بما لا يختلف عما تدرسه داعش في مدارسها حالياً، ويجري تقديم المرأة محجبة في جميع الكتب المدرسية، بل تتضمن صوراً لطفلات يرتدين الحجاب، وتُرسم أدوارٌ معينةٌ للنساء تنحصر في الأعمال المنزلية على نحو يرفض التعدد في المجتمع، وينحاز لنموذج واحد يطغى عليه التطرف.

وبالطبع، يحضر التلقين “الوطني” الذي يكرس نمطاً بالياً من الولاء للنظام يستهدف قيم المواطنة والدولة المدنية والديمقراطية، ويفرض محفوظاته الصماء حول تأسيس الأردن وتاريخه بما يمجّد الرواية الرسمية والسلالة الحاكمة، ليخلق بذلك مواطناً أحادي التفكير يرفض التعددية ويشكّل عبئاً على الدولة سواء أكان “سحيجاً” أم تبنى بالمقابل فكراً آخر مغلقاً ينقلب عليها.

التلقين ونقص المعرفة وانغلاق المدرسة تجسّد تحديات كبرى أمام تحديث التعليم والمجتمع، لأن تغييرها ببساطة يعني كسر احتكار السلطة والقبول بمشاركة حقيقية وفاعلة!

محمود منير: كاتب وصحافي. محرر “تكوين” في عمان نت.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى