تسعيرة الخبز / جهاد المنسي

يبدو أننا في طريقنا لإضافة مستحيل جديد لمستحيلات أسطورية خرافية طالما تحدث عنها العرب في خرفاتهم المختلفة وهي: الغول والعنقاء والخل الوفي، المستحيل الأول تم إضافته سابقا وهو معرفة كيف تقوم الحكومة بتسعير المشتقات النفطية، وإقناع الناس والمراقبين بطريقة التسعير، وإثبات أن حكومتنا الرشيدة شفافة في طريقة التسعير.
اليوم يظهر أننا في طريقنا لإضافة مستحيل آخر، وهو معرفة طريقة حساب الحكومة لدعم الخبز، وسعر الخبز الجديد، في ظل تدفق أرقام حكومية مختلفة حول سعر الخبز النهائي، وصدور تصريحات من حكوميين مختلفين حول السعر الجديد وتناقض بعضها مع بعض.
طبعا الحكومة لم تقم حتى الآن برفع أسعار الخبز، وهي في طريقها لذلك، بانتظار انتهاء “مالية الأعيان”، مطالعة مشروع قانون الموازنة العامة للدولة وموازنات الوحدات الحكومية، ومن ثم إقرارهما من مجلس الأعيان، وبعدها تكون الحكومة قد أخذت مباركة السلطة التشريعية بغرفتيها، وأطلقت يدها تماما باتجاه عملية الرفع وإعادة النظر بالضرائب الأخرى.
الحكومة ستحافظ على شعار سبق وأن تم استخدامه وهو “الدفع قبل الرفع”، وستنتظر وضع آلية للتعويض النقدي للمواطنين، ومن ثم ستقوم برفع سعر الخبز وخلافه من ارتفاعات ضريبية، بمعنى أنها ستؤمن وصول التعويض النقدي ليد المواطن قبل أن تقوم بعملية الرفع، مع العلم أن قيمة التعويض ما تزال أيضا من “حزّورات” رمضان الحكومية وغير معروف ملامحه حتى اليوم، وغير معلوم أيضا الشرائح التي سيطولها الدعم، وتبقى كل التصريحات مجرد كلام وتوقعات ربما يظهر خلافها خلال الفترة المقبلة.
لن أدخل في جدلية متأخرة حول رفع سعر الخبز وخلافه، إذ إن هذا الجدل بات غير مفيد في الوقت الحالي في ظل اتكاء الحكومة ومجلس النواب، والأعيان على سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الدين العام، وارتفاع فاتورة النفط، وتعثر المساعدات الخارجية وانقطاعها، والتي ترافقت مع تهديدات مباشرة صدرت بلسان ساكن البيت الأبيض دونالد ترامب حول قطع المساعدات عن الدول التي لا تؤيد الموقف الأميركي حول القدس الشريف، فضلا عن تهديدات غير مباشرة من قبل دول عربية.
المفارقة أن اقرار الموازنة ترافق مع التصعيد ذاك، فوجدتها الحكومة فرصة سانحة لإظهار حجم الضغط على الدولة، ما دفع نوابا للتعجيل في تأييد الموازنة والموافقة عليها شعورا منهم بحسب تصريحاتهم بحجم المشاكل الاقتصادية التي يتعرض لها الاقتصاد الوطني، وحجم الضغط على الدولة، وكأنهم كانوا سيقومون برد الموازنة لو لم تصدر تلك التهديدات! وكأنهم كانوا سيرفضونها لو لم يكن الجو السياسي مختلفا! ولكنها تبريرات لكل من لا يملك حولا ولا قوة، فيصبح البحث عن شماعات مختلفة هو وسيلة التبرير المناسبة.
القصة ليست هنا فقط، إذ إن قصتنا المقبلة ستكون في جدلية تسعير الخبز، وحجم الدعم المقدم، ففي الوقت الذي يقول قائل حكومي إن كيلو الخبز المدعوم سابقا سيكون ما بين 22-24 قرشا، يخرح علينا حكومي آخر بمعلومات مختلفة ليقول لنا إن سعر الكيلو لن يكون أقل من 32 قرشا، وبين هذا وذاك يطالعنا مصدر مطلع ليقول إن السعر ربما يكون 36 قرشا، وأن كيلو الخبز (المحسن) الذي طالما تعاملنا معه باعتباره غير مدعوم سيكون بـ40 أو 45 قرشا، دون أن نعرف سبب هذا الارتفاع الكبير وغير المفهوم، والذي سيدخلنا في دوامة مستحيلات وجدليات كجدلية الخل الوفي والعنقاء والغول، وتسعيرة المحروقات، ليضاف إليها تسعيرة الخبز.

 

نقلا عن الغد

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.