فكر

ثلاثية جيفارا

«ما همّ أن نموت في دوي صرخة الحرب, إذا وجدنا بعدنا من يحمل السلاح يواصل الكفاح ويحمل الثورة للنصر… إذا وجدنا غيرنا… فنحن لا نموت!…»
هي كلمات خالدة قالها الثوري الكبير تشي جيفارا, أسس فيها لمدرسة كفاحية عالمية, ولخص فيها فلسفة النضال الثوري… ومن خلال هذه الكلمات فإن فلسفة جيفارا تقوم على أساس ثلاثية متماسكة, إذا فقدت أي ضلع من أضلاعها انعكس ذلك سلبا على العمل الثوري برمته, بل افقده نجاحه وتحقيق أهدافه.
أول هذه الأسس هو الاستعداد العالي للتضحية, حيث لا يوجد هذا الاستعداد إلا في نفوس من لديهم وعي كبير بالهدف الذي ينشدونه وإيمان أقوى بالقضية التي يضحون من اجلها. وتتدرج درجات التضحية حتى تصل إلى مستوى التضحية بالنفس وهي أعلى درجاتها على الإطلاق, وهذه لا تتأتى إلا من خلال التحام كامل ما بين المضحي والقضية التي يعمل من اجلها.
وحتى تبذل هذه التضحية بالاتجاه الصحيح, وحتى لا تذهب هدرا، لا بد لها أن تكون استجابة لمطلب جماهيري، وان تكون من اجل الدفاع عن هذه الجماهير وعن حاجاتها ومتطلباتها الحياتية, ورفع الظلم والقهر والاستعباد الذي تعانيه… أي لا بد لهذه التضحية أن تكون امتدادا حقيقيا لسلسلة من التضحيات والتحركات الجماهيرية، حيث أن الجماهير الشعبية هي الصانع الحقيقي لعملية التغيير والانعتاق وليس العمل الفردي مهما كانت درجة بطولته.
وارتباط التضحية بالحركة الجماهيرية التقدمية هو الشيء الوحيد الذي ينفي عن هذه التضحية صفة الإرهاب، والعمل الفردي المعزول، والعمل الانتحاري اليائس. فالجماهير الشعبية ومن خلال مسيرتها التحررية تقدم المزيد والمزيد من التضحيات الجسام, ولا تبخل في سبيل تحقيق هذا الهدف من أن تقدم ملايين الشهداء وأمثالهم من الجرحى… والأمثلة عبر التاريخ معروفة.
والجماهير في تحركها لا تنتظر أحدا, فإذا ما بلغت التناقضات الاجتماعية ذروتها فإن الجماهير تتحرك باتجاه نيل حقوقها وتحقيق حريتها. لكن كيف لهذا الفعل الجماهيري الكبير أن يصب في نفس اتجاه الهدف, وان تتفق كل طبقات الشعب على هدف واحد ومسلك واحد واتجاه واحد وآلية واحدة توصلنا الى الهدف المنشود؟؟.
إن الشعوب التي وحدت قواها وبلورت أهدافها ووعت ذاتها وشقت طريق خلاصها من خلال تنظيم وتأطير نفسها هي وحدها فقط التي حققت تقدمها وانعتاقها… بينما الشعوب التي تهب متبعثرة… تكبوا!!. ولا تحقق شيئا… وان حققت فهو القليل الذي لا يتناسب مع حجم التضحيات الجسيمة التي بذلت… والأمثلة على ذلك كثيرة.
أما الضلع الثالث في ثلاثية جيفارا فهو التنظيم… وليس أي تنظيم…
معروف أن الأحزاب السياسية هي المعبر الحقيقي عن المطالب السياسية لمختلف الطبقات في المجتمع ـــــــ لكل طبقة حزب أو أكثر يعبر عن تطلعاتها وأهدافها. وهذه الأحزاب تضم في العادة نخبة من مثقفي الطبقة والذين لديهم إمكانية تمثيلها والدفاع عن مصالحها. أما الكم الهائل والكبير من الجمهور فإن مجال تنظيمه وتأطيره من خلال النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى وذلك حتى يأخذ العمل الجماعي أبعاده ومفعوله وآلياته. وحتى تندمج الصورة وتنجلي لابد للطلائع والقيادات المثقفة والواعية من مؤسسات المجتمع المدني أن تكون على تواصل مع الأحزاب ومشاركة بها.
فعمل كبير وضخم مثل التغيير الثوري الاجتماعي لا يمكن ان يقوم به فرد أو جماعة أو حتى حزب أو مجموعة أحزاب. فالأحزاب ليست بديلا عن الجماهير. التغيير الثوري عمل تصنعه الجماهير الشعبية بحركتها الهائلة المنتظمة. وان واجبات الأحزاب تكون من خلال تأطيره وتنظيمه وقيادته نحو تحقيق أهدافه. فالأحزاب الوطنية والديمقراطية في بلادنا, التي تسعى لكي تنال الجماهير أهدافها في التغيير, مدعوة لكي ترفع من منسوب التنسيق فيما بينها وتتوحد من خلال جبهة وطنية عريضة يحتفظ فيها كل حزب بمبادئه وأفكاره وتنظيمه, لكنه يلتقي مع بقية الأحزاب من خلال برنامج حد أدنى يحدد الهدف وطريقة الوصول إليه، وتعمل هذه الجبهة على قيادة القطاعات الجماهيرية عبر تنظيماتها وأطرها نحو تحقيق أهدافها. ومن خلال هذه العملية الثورية, وبفعلها, ستبرز أحزاب ثورية ملتصقة بالجماهير, تناضل بها ومعها, تحمل رؤى نظرية علمية, تحل من خلالها معضلات الواقع وتعقيداته، واسعة الأفق, وتربط من خلال الممارسة العملية مراحل النضال بعضها ببعض ليستمر العمل الثوري في صعوده التقدمي… هذه الأحزاب ستكون مرشحة وبدعم جماهيري واسع من أن تقود المسيرة النضالية بأكملها.
انها علاقة ثلاثية إذن تجمع في علاقة جدلية ما بين التضحية في أسمى حالاتها، والحركة الجماهيرية الواسعة والكبيرة باعتبارها صانعة للتاريخ، وتنظيم الجماهير وعلاقة ذلك بالجبهة الوطنية والحزب الثوري. هذا بالضبط ما عناه جيفارا في عبارته التي ذكرنا. هذه الثلاثية معروفة لدى أوساط المثقفين والأحزاب، لكننا للأسف لازلنا نقدس النضال العفوي، ونتساوق مع العمل الفردي والمعزول، نبتعد عن التنظيم والعمل المنظم مما يكبدنا الكثير من الخسائر والطاقات المهدورة.

بواسطة
فايز الشريف
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق