فكر

ثورة اكتوبر الاشتراكية… في ذكراها

اثنان وسبعون عاما هي عمر الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي صنعتها ثورة أكتوبر البلشفية الكبرى التي مر على ذكراها الآن أكثر من مئة عام. هذه التجربة التي فشلت او أفشلت منذ تسعينات القرن الماضي لا زالت تفتقد ولغاية الآن لأقلام علمية وموضوعية تقيمها وتسجل الدروس والعبر… فهي موروث هائل وكنز ثوري قابل للتداول, وقيمة نظرية ضخمة مستقاة من تجربة حسية وممارسة عملية, وهي بحق تعتبر من أهم تجارب الحركة العمالية العالمية على الإطلاق.
ونحن لا ندعي هنا بأننا من خلال هذه المقالة سنوفي هذه التجربة بعضا من حقها علينا, ولكن نريد هنا فقط أن نؤكد على أهمية التوسع في البحث والاستقصاء لندرك مفاعيلها ونتعلم دروسها. وحتى نعطي صورة ملموسة عن مدى أهمية قراءة هذه التجربة والتعمق والبحث في كل عوامل النجاح والفشل الذي حملته, نذكّر بالتجربة العظيمة التي سبقت تجربة أكتوبر الاشتراكية بنصف قرن تقريبا, وهي تجربة كومونة باريس التي عاشت فقط اثنان وسبعون يوما…نعم يوما… ورغم هذه المدة القصيرة جدا لكومونة كانت حدودها مدينة باريس وما حولها, فقد بنى فيها العمال «دولتهم» الاشتراكية الأولى, وسقط منهم عشرات الآلاف دفاعا عنها. لقد تناول ماركس هذه التجربة في كتاباته وبحثها بالتفصيل في كتابه «الحرب الأهلية في فرنسا», بل واضطر ورفيقه انجلز على ضوء هذه التجربة الكبيرة من أن يقوم بتعديل «البيان الشيوعي» آخذا بعين الاعتبار ما افرزه الواقع من ممارسة عملية. وبقيت تجربة الكومونة تتداولها أقلام قادة الحركة العمالية العالمية, ويستقون منها المزيد من الدروس على ضوء ما أفرزته التجربة لديهم, حتى أن لينين قائد ثورة أكتوبر الذي نحن بصدد الحديث عنها, قد افرد للكومونة فصلا كاملا في كتابه «الدولة والثورة», هذا إضافة إلى التطرق لتجربتها في عدد من كتاباته الأخرى.

ثورة أكتوبر أحق من الكومونة في البحث والتدقيق، فهي التي غيرت مجرى التاريخ لمدة تزيد عن سبعين عاما.
ولقد كتب الكثيرون عن ثورة أكتوبر… كتبوا عن انجازاتها… كتبوا عن دولتها الاشتراكية… كتبوا عن الملايين التي سقطت دفاعا عن الوطن السوفييتي… كتبوا عن المباراة مع الامبريالية والتي تفوّق فيها السوفييت في العديد من المجالات… كتبوا عن المساعدات الهائلة التي قدمها السوفييت لحركات التحرر وللحركة العمالية العالمية… كتبوا عن التقدم الذي نقل البلاد من بلد يعد من البلدان المتخلفة آنذاك، إلى بلد متقدم يقود شركاءه ويشكل احد القطبين العالميين… بلد منذ قيامه فرض معادلة سمة العصر كونه عصر للانتقال من الرأسمالية للاشتراكية.
لكن الأمور تبدلت في نهاية ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي حيث فشلت أو أفشلت التجربة السوفييتية مع بروز عدد كبير من العوامل الداخلية والخارجية. عندها بدأت الكتابة تأخذ منحنيات أخرى. ولعل أولى هذه المنحنيات كان الذي قاده بعض الفلاسفة البرجوازيين الذين اعتبروا أن سقوط المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي تحديدا يعدّ نهاية للتاريخ, أي أن التاريخ يقف عند العهد الرأسمالي-الامبريالي ولا توجد أي تشكيلة اجتماعية اقتصادية تلي هذه التشكيلة الرأسمالية-الامبريالية, وحسب اعتقادهم فإن الفلسفة قد انتهت وسقط بالتالي أي فكر اشتراكي.
أما الاتجاه الآخر النقيض فهو الاتجاه التبريري الذي قاده بعض الماركسيين في داخل العديد من الأحزاب الشيوعية وخارجها والذين عزوا هذا الفشل للتجربة السوفييتية إلى بروز أخطاء في التطبيق.
إن الرأي الأول الذي قال بنهاية التاريخ فرح جدا بما آلت إليه الأمور، وهو يطرحه بهدف أن يؤبد الاستغلال والقهر والنهب الاستعماري… يريد أن يقنعنا بان الرأسمالية باقية ما بقي البشر… أما الرأي الآخر فهو يريد أن يبرر هذا الانهيار ويحيل أسبابه إلى أخطاء في التطبيق فرضتها بعض الظروف الموضوعية والذاتية. وبهذا التبرير يكون قد برأ نفسه من أن يكون شريكا في تحمل مسؤولية هذا الخلل, بل هذا الانهيار.
لقد انهارت الأممية الأولى بعد كومونة باريس على أرضية انهيار الكومونة… لكن الأممية عادت بشكل أقوى واصلب عودا بعد سنوات عندما تأسست الأممية الثانية. عادت الأممية الثانية أقوى واصلب عودا بعد أن كانت قد صفّت المرحلة السابقة وبنت نفسها على أساس الاستفادة القصوى من دروس وعبر وأسباب قصور الأممية الأولى.
من يدعي أن التاريخ قد انتهى بعد انهيار التجربة السوفييتية, يعني طرحه بان الرأسمالية هي نهاية التاريخ، كما أسلفنا، كما يعني تباعا بان الماركسية قد عفا عليها الزمن حيث أنها كانت مرجعية الحزب البلشفي الذي قاد الاتحاد السوفييتي, حيث انهار الأخير وانهارت مرجعياته.
وإذا دققنا في هذه الأطروحة نتساءل في البدء: هل توقف التناقض الأساسي الذي يعمل ويحكم المجتمع الرأسمالي من الفعل؟. أليس التناقض بين الشكل الاجتماعي للإنتاج والشكل الفردي لتملك ثماره هو من أوصل العالم إلى ما هو عليه الآن؟؟. ألا يوجد في هذا العالم أكثر من نصفه (ثلاثة مليارات) من البشر يعيشون تحت خط الفقر؟؟؟. وأكثر من مليار إنسان يعيشون تحت خط الفقر المدقع… خط الجوع؟؟؟؟. أليست الطبقة الرأسمالية المتحكمة في هذا العالم وتمتلك أكثر من 60% من مقدراته لا يتعدى تعدادها أكثر من 4% من البشر أو يشبهون؟؟؟؟؟. أليس هذا التناقض الصارخ هو المسؤول عن الأزمات الاقتصادية الدورية والتي تتضاعف فيها معاناة الفقراء ويتضاعف فيها أعداد العاطلين عن العمل؟؟؟؟؟؟. ألا يعني هذا السباق في الحصول على الربح والأسواق وتضارب مصالح الاحتكارات… ألا يعني مزيدا من التسلح وتدميرا للطبيعة وتلويثا للهواء وإيذانا بدمار كوني؟؟؟؟؟؟؟. لقد قادت الامبريالية حربين عالميتين, هذا إضافة إلى مئات الحروب الإقليمية والغزوات الاستعمارية، خسرت فيها البشرية عشرات الملايين من البشر، وإذا ما بقيت هذه الرأسمالية العفنة ستكون الحياة بمجملها مهددة على الأرض.
إن الخلاص من الرأسمالية هي ضرورة بشرية حياتية في الأساس. وان الماركسية بهذا المعنى وفي جوهرها هي «علم الثورة» كما يؤكد ذلك الدكتور هشام غصيب في كتابه دفاعا عن الماركسية… علم يظهر ويحلل طبيعة المجتمع الرأسمالي, ويدعو للإطاحة بالرأسمالية وبناء مجتمع خال من كل أنواع الاستغلال القومي والطبقي.
فسواء كنت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذي، سواء كنت سنيا أو شيعيا او درزي، سواء كنت عربيا أو كرديا أو صينيا أو فرنسي… رجلا أو امرأة… مهما كانت ديانتك أو قوميتك أو جنسك انت مدعو لكي تشارك في هذه الثورة العالمية ضد الرأسمالية كي تتحرر البشرية ما دامت لك مصلحة في ذلك… وبالطبع ستقود هذه الجموع الطبقة العاملة باعتبارها الطبقة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير والثورة ومعها كل الشعوب المضطهَدة لتخلص البشر من كل أنواع الظلم والاضطهاد والاستغلال.
إن هذه المفاصل الرئيسية للماركسية لا زالت راهنية في القرن الحادي والعشرين رغم مرور مئة وسبعين عاما على طرحها. وراهنيتها تنبع من كون المرحلة التاريخية التي تعيش فيها الرأسمالية لم تنته بعد. ولا زالت المهام المطروحة على معسكر الثورة العالمي لم تتحقق بعد.
لقد حاولت ثورة أكتوبر الاشتراكية إن تحقق حلم المقهورين في هذا العالم لكنها عجزت عن تحقيق ذلك في أول سبعينات عمرها. ولم يكن العجز والانهيار فقط نتيجة الاستنفار الامبريالي الهائل ضدها باعتبارها النقيض الاستراتيجي للوجود الرأسمالي… ولقد توج هذا الاستنفار باندلاع الحرب العالمية الثانية التي قدم فيها الاتحاد السوفييتي عشرون مليونا من أبنائه ضحايا الحفاظ على وطنه وبنائه الاشتراكي. واستمر هذا الاستنفار وبمختلف الطرق والأساليب من الحرب الباردة إلى حرب النجوم مرورا بكل الحروب الإقليمية التي استمرت حتى انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن هذا الانهيار ساهمت فيه أسباب أخرى جوهرية.
لقد اعتبر السوفييت أنفسهم أوصياء على الماركسية وعلى الفكر الماركسي. واعتبروا أن تفسيرهم للوقائع والإحداث هو التفسير الوحيد والأوحد في الصحة… وبالتالي فرضوا هذا التفسير لكي يتم تبنيه، في الداخل السوفي يتي, كما لدى الماركسيين والأحزاب الشيوعية في مختلف بقاع العالم.
واحتكار الحقيقة هذا يقود شئنا أم أبينا إلى قمع الرأي الآخر وبالتالي يمنع الأفكار من إن تتلاقى وتتلاقح لكي تكتسب حيويتها وتتطور… وقمع الرأي الآخر يؤدي بالتالي إلى كسل فكري وجمود عقائدي وتفشي البيروقراطية في الحكم… مما أدى إلى تنامي سلطة الحزب على حساب سلطة الجماهير الممثلة بالسوفييتات.
لقد شكلت هذه العوامل مجتمعة عناوين ضعف أساسي في بنيان التجربة السوفييتية, وان تفاقم هذه التناقضات الداخلية وخاصة في العشرين سنة الأخيرة من عمر التجربة ومع ازدياد الاستنفار والضغط ومحاولات الاختراق الامبريالي ضدها… كل ذلك كان كفيل بان يفشل هذه التجربة. لكن هذه التجربة العظيمة لا زالت ماثلة أمامنا نستقي منها الدروس والعبر كي تؤسس لتجربة ثورية جديدة تقضي على النظام الرأسمالي العالمي وتنقل البشرية إلى مجتمع ينتهي فيه استغلال وقمع واضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان.

بواسطة
فايز الشريف
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق