حق العودة السياحي

نداء الوطن – شادي مسعود

“بشرى سارّة لكل من ولد في أرض فلسطين وخرج منها وحرمه الاحتلال من العودة، لكل طفل ولد وتربى وحمل اسم فلسطين في قلبه ولم يرها، الآن وبعد 69 عاما، وبعد آلاف الأسرى والشهداء على ثراها، نقدم لكم حق العودة إليها بكل سهولة ويسر، حق التنقل في أرضها بحرية تامة، حق تنشّق نسيمها ورؤية بحرها، ولكن ….. سائحاً”.

وكأن هذا لسان حال المكاتب السياحية التي تقدم العروض لزيارة القدس، ولسان حال كل من يدافع عن هذه الفكرة التي يريدون تسريبها إلى عقولنا وعقول أبناءنا وكأنهم “يدسّون لنا السم في العسل”.
في الآونة الأخيرة كثر الحديث والنقاش بين عدة أطراف فيما يتعلق بموضوع “الحصول على فيزا للدخول إلى الكيان الصهيوني”، فالسيد -محمود عباس- ومنذ مؤتمر القمة العربية في بغداد عام 2012 قام بعمل دعاية مجانية لدعم السياحة في الكيان الصهيوني حين دعا العرب والمسلمين لزيارة القدس, وقد لبّى العديد من القادة العرب والشخصيات والوزراء ورجال أعمال هذه الدعوى، وذلك بحجّة دعم أهلها وصمودهم، وهذه الحجّة يتردد صداها دائما في كل نقاش متعلق بالـ”فيزا”، ولكنه كلام أقل ما يمكن وصفه أنه: “كلام حق أريد به باطل”، فأي دعم تقدمه لأهل القدس حين تدخلها بإذن صيوني؟ وأي صمود تقدمه للشعب الفلسطيني حين تكون زيارتك بحراسة من شرطة الاحتلال –كما فعل بعض القادة والشخصيات-؟
وإذا كان أهل القدس أنفسهم يرفضون هذه الزيارات، كما عبّر عن ذلك الشيخ رائد صلاح –رئيس الحركة الاسلامية في الداخل المحتل- حين قال أن زيارة القدس السياحية هي تطبيع. بل هي دعم واضح وصريح لهذا الاحتلال واعتراف بحق هذا الاحتلال في تملّك هذه الأرض وإدارتها.
وأما من يضع حجة بأنه يقدم دعما اقتصاديا لأهلها فهذا غير صحيح، لأن الاحتلال لن يمنحك “فيزا” لكي تحاربه! ولن يمنحك “فيزا” كي تدعم أهل القدس وفلسطين المحتلة الذين يريد هذا الاحتلال طردهم من أرضهم، ففي القدس مثلا يقدم الاحتلال أرخص الاسعار للبضائع الصهيونية في السوق لكي يحرم أصحاب المحلات الفلسطينيين من الربح.
الفتاوى السياحية:
ولم ينج هذا الجانب أيضا من تلك الفتاوى “المودرن” الراعية لكل ما هو سيء، فنسمع بمنظمة إسلامية هنا أو هناك وبشيخ يدعو أبناء الأمة لقتل إخوانهم المسلمين في العراق وسورية، يتفق هؤلاء على أن زيارة القدس والمسجد الأقصى بـ “فيزا” صهيونية ليست حرام، ويتفقون على “أن لا دليل شرعي” لتحريم هذه الزيارة، ولكن هل حقا تحتاج –ياشيخنا- مقاومة الاحتلال والتطبيع معه إلى فتوى؟
وهذه الفتاوى على الأغلب لا تَصدُر من دور فتوى أو من مجتهد فقهي، بل تُصدّر من شركات السياحة ومن أصحاب رؤوس الأموال المستفيدين من هذا التطبيع ومن التجارة بأراضينا المحتلة والتلاعب بمشاعر الناس، إلى هذه المؤسسات الدينية ليتم نشرها فقط، وهي لسيت سوى فتاوى سياسية سياحية.
هذه الدعوات ليست سوى جزء بسيط من سياسة بدأت حكوماتنا المتعاقبة اتّباعها لتنفيذ بنود اتفاقيات الذل مع العدو الصهيوني من (وادي عربة، وأوسلو ، وكامب ديفيد) وغيرها، والتي دعت إلى تطبيع كافة أشكال الحياة مع الاحتلال، من تطبيع اقتصادي وتطبيع سياحي بل وحتى تطبيع ديني.
وقد لا يدرك البعض خطورة هذا الفعل، ولكن على السبيل المثال لا الحصر لمجموعة من مخاطر هذه الزيارة أن من يقوم بالتقديم لل”فيزا” يدفع رسوما للموافقة عليها، وأين تذهب هذه الرسوم؟ بالطبع تذهب لميزانية دولة الاحتلال وبالتالي لدعم الجيش الصهيوني، ليقتل ويعتقل أبناء شعبنا، -إلا إن كان الأخ السائح العربي الزائر لأرض فلسطين يعتقد أن في موتهم راحة لهم من ذل الاحتلال-.
وهل يعلم هذا السائح الزائر لأرض فلسطين المحتلة بأن زيارته هذه تدخل في نطاق التبادل السياحي مع دولة الاحتلال؟ أي أنه بهذه الزيارة قد أعطى الحق لشخص صهيوني أن يزور بلده أيضا، ففي الاردن مثلا بلغ عدد السيّاح “الاسرائيليين” إلى “180 ألف” سائح في عام واحد فقط!.
وأنه حين يزور أرض فلسطين المحتلة يعطي هذا الكيان صورته الإنسانية أمام العالم، بأنه يعيش في سلام وسط هذا الوطن العربي، وأن الفلسطينيين والعرب المقاوميين هم الإرهابيين الذين يرفضون السلام ووقف سفك الدماء؟.
والأخطر أن هذه الزيارات تعمل على تحويل اللاجىء الفلسطيني في الخارج إلى سائح في “إسرائيل”، وتكرس حق الصهاينة في أرضنا، ويتحول صاحب الأرض إلى سائح، يأتي شخص دخيل ليسمح له أو يمنعه من دخول أرضه.
قد يقوم البعض بهذه الزيارة بحسن نية أو بدافع الشوق والحنين إلى الوطن، ولكن يا عزيزي فِعلك هذا يُضيع الوطن ويزيد مسافة تحريره، فلن تستطيع بهذه الزيارة العودة إليه إلا سائحا.