أخبار محلية

خبراء: “أمطار الخميس”.. تفضح البنية التحتية لعمان.. وتكشف عن عيوبها

یتكرر مشھد الموت مع كل موسم مطري في الأردن، إذ لقي المواطن إبراھیم الطیراوي نحبھ غرقا في منطقة خریبة السوق أول من أمس، أثناء محاولته إنقاذ أسرة داھمتھا میاه الأمطار التي شھدتھا البلاد.

بقیت جثة الطیراوي عالقة في المیاه، إلى أن عثر علیھا غطاسو الدفاع المدني وفرق بحث وإنقاذ، وفق إدارة الإعلام في المدیریة العامة للدفاع المدني، التي قالت إن فرق الإنقاذ وضعت حواجز ترابیة؛ لتقلیل سرعة جریان المیاه وتسھیل مھمة الغطاسین أثناء البحث عن الشاب.

ھذا الموت المتكرر في مثل ھذه الحوادث، یعیدنا الى فاجعة البحر المیت، التي لم تجف بعد قصة ضحایاھا، والتي مر علیھا نحو 3 أشھر، یضعنا أمام أسئلة كثیرة حول أسباب تكرار ھذه الحوادث.

لم تكن سیول الخمیس الماضي، وقبلھا فاجعة البحر المیت أولى الفواجع التي تمر بھا البلاد، فقد تسببت عاصفة مطریة في عمان في تشرین الثاني (نوفبمر) 2015 ،بمقتل أربعة، بینھم ثلاثة مصریین، بعد أن تسببت بحدوث انھیارات في البنیة التحتیة، وسبقھا في عام 2014 ،مقتل ثلاثة مواطنین بسبب أمطار أغرقت شوارع رئیسة في عمان.

ناشطون حملوا الحكومة وأمانة عمان الكبرى ووزارتي البلدیات والاشغال العامة والمیاه والري نتائج تداعیات حوادث المنخفض الجوي أول من أمس، وتسبب بسیول قویة وفیضانات شدیدة، معتبرین أن البنیة التحتیة للعاصمة والمدن والبلدات، تحتضر.

كما استنكروا سقوط ضحایا جراء الأمطار في غالبیة المواسم المطریة، ومتسائلین بسخریة/ ھل بات المواطن مجرد رقم یمكن إدراجه على قائمة ضحایا حوادث من ھذا النوع.

وزیر الاشغال العامة والاسكان السابق محمد طالب عبیدات، قال ”ما من موسم مطري شدید ّ یمر سنویا، إلا ونشھد فیھ غرقاً وخراباً للبنى التحتیة في عمان، ومثلھا معظم المدن الرئیسة، وھذا مؤشر على اھتراء البنى التحتیة، ویتكرر المسلسل ذاتھ سنویاً، بینما نراوح مكاننا، ونطلق ّ ا بتنا بحاجة لمساءلة كل مقصر في ھذا المبررات ذاتھا، ولا أحد یعترف بالتقصیر أبدا، لذلك فإنّ الصدد“.

وقال عبیدات إن ”الحلقات المتجددة من مسلسل الغرق السنوي، اسبابھا كثیرة، وتتلخص في: ضعف جودة البنى التحتیة، وتصریف المیاه السطحیة، وعدم استیعابھا لتدفق المیاه كنتیجة ّ لشدتھا، ونقص استیعاب العبارات والمناھل، وضعف التصمیم الھندسي لتصریف المیاه، وسوء الإدارة؛ المتمثّل بتراكم الأتربة والمخلفات الصلبة التي تُغلق المناھل، وعدم تنظیف العبارات والمناھل وصیانتھا دوریا، وتردي الحالة الفنیة للمضخات الساقطة، وأسباب بعیدة المدى، كالاحتباس الحراري والتغیر المناخي وغیرھا“.

وأضاف ”بدأ الناس یشعرون بأن أمطار الخیر، إلى جانب أنھا نعمة، فھي نقمة على البنى ّ التحتیة التي لا تصمد أمام زخة مطریة لا تتعدى كمیتھا المائة ملم خلال یوم واحد“.

واوضح عبیدات ان تدفق المیاه وجریانھا وارتفاع منسوبھا بوسط عمان وبعض المناطق والمدن ّ الأخرى ھذه المرة؛ كبیر الى درجة أن المیاه داھمت الأسواق والبیوت، وأتلفت البضائع وخربت ّ قت بعض الأبنیة، ما یؤشر إلى رداءة جودة ھذه المرافق، وعدم تحملھا بعض الطرقات، وشقّ لأي تدفق میاه. وقال إن ”حالة الطوارئ القصوى التي أعلن عنھا، لم تشفع للأمانة البتة، فجھوزیتھا في القوى البشریة والآلیات، لم تكن بالمستوى المطلوب، فالمسألة لیست بالكفاءة التي لا نشك بھا، لكنھا على ما یبدو بالإدارة وقلّة الصیانة الروتینیة وغیرھا“.

وطالب عبیدات بزیادة الجرعة التنسیقیة المسبقة والتكاملیة بین الجھات الحكومیة كافة على الأرض، لتطبیق استراتیجیات الطوارئ فیھا، وخصوصاً خلیة إدارة الأزمات الخدماتیة،وتتحمل الحكومة كل ذلك.

وبین اننا نحتاج لمساءلة المعنیین عن ھذه الأمور، وفتح تحقیق موسع، للوقوف على الأسباب الحقیقیة للمشكلة، وتحدید المسؤولیات ومحاسبة المقصرین، وإیجاد الحلول الناجعة، درءاً لتكرار الحلقة التالیة من المسلسل السنوي في الأعوام المقبلة.

وأوضح ان المواطن العادي؛ یلحظ استھتار وتقصیر بعض المسؤولین؛ وحان الوقت للمساءلة وبأثر رجعي، لتغییرات جذریة في وجوه الصف الأول، فالوطن لم یعد ساحة تجارب ولا نمتلك ترف الوقت.

ولفت الى اننا نحتاج ایضا، لإعطاء الدراسات الھیدروجیة أھمیة قصوى في تصریف میاه الأمطار؛ ولا بد من وجود لجان وأقسام تتابع ذلك؛ للمناطق الحضریة في المحافظات.

مھندس الطرق میسرة ملص؛ بین انھ في ظل استمرار اتساع رقعة الموت، نتیجة الكوارث الطبیعیة التي ألمت بالبلاد، لا بد من دراسة التغیرات المناخیة، وإعادة النظر في طریقة إنشاء البنى التحتیة، لافتا الى أن أكبر دلیل على ذلك، فیضان العبارة الضخمة الموجوده في راس العین لغایة عین غزال أول من أمس، ما تسبب بغرق وسط البلد.

وقال سنویا، كانت تطرح عطاءات لتنظیف تلك العبارة؛ فھل طرح عطاء لتنظیفھا العام الحالي، كما ان المطر كان أعلى من المعدل، وھذا واضح؛ لكن ھل حجم عبارة راس العین یتناسب وارتفاع معدل الھطول المطري الذي نزل أول من أمس، ھذه المعلومات لا بد ان تناقش لمعرفة من المقصر.

وأضاف ملص إن البنیة التحتیة للعاصمة ولمدننا، لا تستطیع مواجھة السیول، فـ“الطرق غیر مصممة لھذا الحجم من الفیاضانات، لأن كلفتھا عالیة جدا“.

وأوضح ملص لـ“الغد“ أن تصمیم العبارات والجسور والمنشآت المائیة، یتم عادة بناء على احتساب كمیة المیاه للفیضان المتوقع خلال 50 أو 70 عاماً، ولا تصمم لفیضان متوقع بعد 200 عام مثلا وبكمیة ھائلة، لأن ذلك ینعكس على حجم العبارات والمنشآت وبالتالي على كلفتھا.

واتفق المھندس الجیولوجي عبدالله تیم مع حدیث ملص، إذ یؤكد أنه لا بد من دراسة أرض أي منشأة سیجري بناؤھا ومحیطھا، لكن ھذا لا یتم في المملكة.

وأشار تیم إلى أن تأثیر التغیرات المناخیة على الأردن بات كبیرا، وأصبح ھناك تغییر في نمط الھطول المطري، بمعنى أن ”كمیة المطر التي كانت تھطل في أسبوع، أصبحت تھطل في لیلة واحدة، والموسم المطري بعد أن كان یتوزع على على فصل الشتاء، أصبح یتركز في أیام محددة وبغزارة، ما یؤثر على المنشآت من أبنیة وطرق، ویقلل من تغذیة المیاه الجوفیة“.

ولفت تیم ان السیول تحدث نتیجة ھطول أمطار غزیرة على أسطح منحدرة وضعیفة الامتصاص، أكانت صخریة أو جافة التربة، ونظرا لضعف امتصاص السطح للمیاه وانحداره، ّ تندفع للأسفل مكتسبة سرعة إضافیة، وتتجمع لتشكل تیاراً أو عدة تیارات.

وتختلف قوة السیل وحجمھ بحسب تیم؛ بناء على عدة عوامل؛ أھمھا: ملاءمة السطح، وكمیة ّ الأمطار وشدتھا، وھي العلاقة بین الكمیة وزمن الھطول نفسھ، فتتراوح السیول بین الضعیفة والمتوسطة والقویة.

والنوع الأخیر من السیول؛ لھ القدرة على إحداث كوارث قد تؤدي لخسارة الأرواح والممتلكات، كما یحدث حالیاً في دول عربیة.

ّ وبین الخبیر البیئي المھندس فراس داود؛ أن ما عاشتھ عمان اول من أمس ھو استثناء في الھطول المطري، لم تكن شبكة تصریف میاه الأمطار قادرة على استیعابھ؛ ما أدى لتشكل السیول، وإغراق العدید من المساكن، بخاصة الواقعة على أطراف الأدویة ومجرى السیل.

واوضح داود لـ“الغد“ ان ما حدث لا یرقى لمستوى الكارثة الطبیعیة التي تخضع لمعاییر ّ أنھ ”استثناء في الھطول المطري، مقارنة بالبنیة التحتیة لعمان“.

عالمیة، مضیفاً واشار أن میاه الأمطار التي تساقطت اول من امس، أكبر من القدرة الاستیعابیة لشبكة تصریف ّ المیاه في عمان، لكن ذلك لا یعفي مسؤولي الأمانة من تحمل المسؤولیة، إزاء التنظیم العشوائي ّ للمدینة، والسماح بالبناء على أطراف الأدویة، وغیاب تنظیم شمولي حقیقي لعمان، كما أن ما  حدث في عم ٍ ان نتاج ترحیل الجھات المسؤولة لأزمات عدیدة، تعیشھا المدینة دون ایجاد حلول جذریة لھا.

وقال داود إن ”المشكلة تكمن في عدم وجود خطة للتعامل مع تلك الأزمات المتشعبة والمتداخلة، بدءاً من البیئة، ومروراً بالنقل، ولیس انتھاء بالبناء“، مضیفا أن مدینة عمان تحدیدا بحاجة لتعلیق جرس الإنذار لمعالجة القضایا التي تعترضھا، وإعادة النظر في التراخیص ونظام البناء، وتأھیل البنى التحتیة وتوسعتھا، فضلاً عن معالجة أثر الكتل الاسمنتیة في الطبیعة، والمخالفات الواقعة على شبكة تصریف میاه الأمطار، متوقعا تكرر مشھد السیول المطریة مستقبلاً ما لم تحل ھذه المشكلات.

المصدر
موقع الغد الإخباري
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق