فكر

زيف العولمة

نحن لم نعرف العولمة كمصطلح تطبيقي أو بنداً في برنامج لحزب أو دولة عظمى، أو على الأقل “العولمة” وحدها هي مصطلح منقوص الصفة، وعن قصد! نحن عرفنا العولمة الرأسمالية والأممية “العولمة الاشتراكية”، وهذا صراع لم ينته وإن انتهى الشكل الأبرز له.ما فعلته العولمة الرأسمالية أن خلطت بين العام والعالمي، فالعام هو مجموعة القيم التي تنتشر برشاقة لتصبح عامة بين البشر، وتعرف، دون أدوات الترويج باهظة الثمن طريقها إلى العالم. وهذا ما لا ينطبق على كل “قيمة” عالمية في عصرنا هذا، فالعولمة الرأسمالية فرضت مبادئها الخاصة في الاستهلاك الأعمى، وحروب المافيات، والبطولة الوهمية، والتحاذق الاجتماعي في كسب المال، والتخلي عن مفهوم الأمة لحساب المصلحة، فرضت كل ذلك بالقوة، ومع أنه لا يرقى لمستوى العام، إلا أنه أصبح عالمياً عنوة، موسيقى عالمية وليست عامة، مسرح عالمي وليس عام، فن تجريدي عالمي وليس عام.
القصدية في إسقاط الصفة عن العولمة الراهنة تنبع من احتكار شكل الانفتاح والتعامل بين الشعوب والأمم، هكذا فقط تنفتح الأمم، على طريقتنا نحن، استيراد التكنولوجيا ومعها رقص التعري وموسيقانا وفنوننا، وكل من يعارضها يمسي منغلقاً و “شمولياً”، وكل من يرغب بتصدير منتجاته الخاصة يوصف بالإرهاب. بهذا المعيار تحاكم “العولمة” الأمم التي لم ترحب بها، ففعلها في المقاومة السلبية (منع الاستيراد) هو الشمولية، وفعلها الإيجابي في محاولات خاصة لنشر العام وطموح العالمي، هو الإرهاب!
اعنقد الكثيرون أن هذا الشكل من العولمة (العولمة الرأسمالية)، سيقودنا إلى مقاومة عالمية (عامة) ضده، وتتشكل هيئات ومنظمات عالمية، عابرة للحدود، تنتفض ضد النظام العالمي. ولكن ما حدث في الواقع لم يكن كذلك، فهذه المنظمات على الرغم من رقي برامجها وسلامة نشاطها، إلا أنها لم تنمو بما يكفي. ما حدث داخل النظام العالمي، هو تطور نقاط مشاكسة رفضت اقتحام “العالمي” لأسوارها، وفعلت الكثير لمنع تسرب المياه من تحت جدرانها، وهذا يختلف عن السائد عند باقي الأمم والدول والمجموعات البشرية التي سلمت للنظام القائم، باعتباره الشكل الوحيد الممكن “للانفتاح”، فنتج عن ذلك كائنات مهجنة أحياناً، ونسخ صدئة للمراكز أحياناً أخرى.
الخيارات الراهنة لصد العولمة هي الخيارات المتمثلة في هذه المحاولات القومية. التجربة الأممية الأعمق قد تكون لاحقة.أما النسخ التي استكملت متطلبات العولمة الراهنة، فقد وصل العطب فيها إلى ما هو أبعد من مؤسسات الدولة…. إلى الجمهور!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق