أخبار دوليةأخبار عربية

الخلاف الخليجي لمزيد من التأزيم وأمريكا الرابح الأكبر

أضاف تفجُّر الأزمة السعودية – القطرية السريع، فوضى فوق الفوضى التي يمر بها الإقليم، حيث انضمت دول الخليج إلى الفوضى العارمة الحاصلة في منطقتنا العربية، وأضفت بُعداً جديداً فيها، تمثل بانشغال الحكومات الخليجية بالصراع السياسي فيما بينها ولو بشكل مضبوط ومحصور. هذا الانشغال بالداخل أدى إلى صرف الاهتمام عن أزمات المنطقة ولربما يصح القول في هذه الأزمة المثل القائل: مصائب قوم عند قوم فوائد!!!

أسباب الأزمة الخليجية والسيناريوهات المطروحة..

يرى الدكتور سعيد ذياب الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية أن الأزمة تعود جذورها إلى بداية ما يسمى بالربيع العربي، وما خلفته من تباينات في موقف دول الخليج مما يجري في الوطن العربي وتنافس كل من السعودية وقطر لقيادة الخليج وتبوء موقع الحليف الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية، وانعكاس كل ذلك على صيغة المحاور وتحالفات كل طرف، فقطر اختارت التحالف مع الإخوان وتركيا، مقابل السعودية والإمارات اللتان تحالفتا مع مصر. الأمر الذي تجلى بشكل واضح في تباين الأجندات في سورية ومصر والموقف من الإخوان المسلمين.

ويلفت ذياب إلى أن قطر التي رأت في تحالفها مع الإخوان عنصراً قوياً لتعزيز نفوذها، مقابل السعودية التي رأت في الإخوان المشروع الديني الذي يمكن أن يشكل بديلاً ومنافساً لمشروعها الوهابي، خاصة في ظل دعم الإدارة الأمريكية الأوبامية للإخوان المسلمين، واستعدادها لقبول الإخوان كبدلاء للأنظمة القائمة.

ذياب: المطلوب سعودياً إعادة قطر إلى بيت الطاعة الخليجي بالترافق مع الرغبة الأمريكية لابتزاز كل أطراف الأزمة وإشعارهم بعجزهم وحاجتهم للحماية من قبلها

ويشير الدكتور ذياب في حديثه لـ نداء الوطن أنه ومع مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة وموقفها المعادي من الإخوان، ومطالبتها السعودية قيادة معركة لمواجهة التطرف ومواجهة إيران، وإعادة قطر إلى بيت الطاعة الخليجي. ترافق كل ذلك مع الرغبة الأمريكية لابتزاز كل أطراف الأزمة وإشعارهم بعجزهم وحاجتهم للحماية من قبلها.

وهذا ما يفسر تلكؤ الإدارة الأمريكية في حلّ الخلاف الخليجي وتركهم في صراعاتهم ولكن ضمن خطوط حمراء وضعتها الإدارة لهم بحيث لا يجرؤ على تجاوزها أحد منهم، بحسب الدكتور ذياب.

ويتابع القول، إن أي قراءة للأزمات التي تعيشها المنطقة العربية يجب أن تنطلق من المشاريع التي طرحتها أمريكا منذ العقد الأول لهذا القرن وهي مشاريع تسعى لإحداث الفوضى وتوجيهها لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للوطن العربي بما يخدم الرؤية الأمريكية الصهيونية. من هنا فإن ما نتوقعه أن بدايات انعكاس الأزمة الخليجية هو خلق حالة من عدم الاستقرار لمنطقة الخليج والتحكم بدرجة حالة عدم الاستقرار بما يخدم الإستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة الأمريكية، والمتمثلة بوضع مدايات محددة لحالة عدم الاستقرار كونها ترقد على المخزون الرئيسي العالمي للنفط. المسألة الأخرى أن الإدارة الأمريكية التي تمتاز بدرجة كبيرة من العدوانية والشجع تضع في ذهنها نهب هذه الثروات وابتزاز هذه الأنظمة وإشعارها بحاجتها للحماية وهذا ما بدا واضحاً ما حصل عليه ترامب من قمة الرياض من مئات المليارات كمؤشر واضح على المسار الأمريكي، أيضاً هذه الأزمة ستدفع طرفيها لمزيد من التبعية والارتباط بالأمريكي.

يتفق الدكتور منذر سليمان مع ما ذهب إليه الدكتور ذياب، ويشير إلى أن السبب الذي يكمن في سرعة تفجر الأزمة الخليجية، هو التناقض الخليجي مع النزوع نحو الثأر المزمن والفرصة المنتظرة من قبل السعودية والإمارات تجاه قطر. فقطر في العقدين الأخيرين لعبت دوراً بارزاً أكبر من حجمها وعلى حساب دور السعودية والإمارات، لذلك وجدت السعودية فرصة سانحة بوجود ترامب الذي يحاول الاستفادة مالياً من الخليج، وبالتالي كان التشجيع واضح في المواقف التي خرجت عن ترامب عبر تغريداته، بالرغم من تصويب هذه المواقف عبر وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكية لمواقف ترامب.

سليمان: المطلوب أمريكياً خلق حالة من عدم الاستقرار لمنطقة الخليج والتحكم بها بما يخدم الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة الأمريكية

ويبيّن د. سليمان، أنه بلا شك هناك علاقة بين مخرجات مؤتمر الرياض وتفجر الأزمة الخليجية، حيث كان هناك انطباع بأن هناك ضوء أخضر أمريكي مُنح للسعودية والإمارات باتخاذ الخطوات وليس بالضرورة أن أمريكا طلبت ذلك، ولكن بطريقة غير مباشرة، شجعت ذلك.

أما بالنسبة لأمريكا فيشير د. منذر أنها تستغل الخلاف ما بين حلفائها وأتباعها وقد يكون هناك فترة زمنية يمكن الاستفادة منها إلى أبعد مدى ولذلك نجد أن أمريكا حاولت إيجاد صيغة بتجميد الخلاف ووضعه على طاولة الحوار ولم تنجح لأنها لم ترغب بالدخول في الوساطة فتركت الوساطة للكويت وتدعمها ولكنها تدرك بأن الأمور قد تصل إلى مستويات سيئة لذلك أرسلت وزير خارجيتها للخليج للمساعدة في حل للأزمة.

ويوضح د. سليمان أن الولايات المتحدة لا ترمي لحدوث حرب خليجية فهذا ليس من مصلحتها فهي تشعر بأن دول الخليج عاجزة من خلال فشلها في اليمن، ولكنها تستغل هذا الخلاف لأقصى مدى في ما يمكن تسميته “تفليس الخزينة الخليجية” بشراء الأسلحة أو بالاستثمارات في أمريكا، وبقاء كل الصناديق السيادية للخليج مفتوحة لها وعندما يتم إبرام كل ذلك، يتوجب إيجاد حل ما لتخفيف هذا التوتر القائم في الخليج لكي لا ينعكس سلباً على أمريكا.

ويتابع، بأن ترامب ليس معني بتغيير أنظمة هو معني بقنص العوائد المالية،والإدارة الأمريكية لديها الآن هاجسان، تقليص أي دور لإيران في المنطقة، ومحاربة الإرهاب لأنه أضحى خطراً على الغرب.

ويوضح أن أمريكا عاجزة عن أن تحدث خطوة تدميرية، ولكنها تقوم بالتدمير الناعم بالسيطرة على المقدرات، والدليل على ذلك، الدخول المحدود كما في سورية والعراق،ولنستذكر تأنيب ترامب للقيادة العسكرية السابقة حول خسارتها في أفغانستان!

إسقاط سورية.. نقطة التقاء المصالح الخليجية

ويؤكد الباحث والمتخصص في شؤون الأمن القومي ومدير مركز الدراسات الأمريكية والعربية في واشنطن د. منذر سليمان في حديثه لـ “نداء الوطن”،أنه لا يمكن إغفال فشل دول الخليج في مسعاها بتغيير النظام في سورية فهذه الدول كانت ترغب بمعاقبة الرئيس الأسد وإسقاط الدولة السورية وانخرطت في دعم الجهات المسلحة لأقصى مدى، ولكن بصمود سورية وتحقيق الإنجازات الميدانية، بات واضحاً أن المسار الآن هو لاستعادة الدولة السورية وسيطرتها على كل الأرض.وهذا عمق من الخلافات الخليجية لأنه كان هناك التقاء للمصالح الخليجية على إسقاط الدولة السورية ولكن بالفشل، خرجت الخلافات إلى السطح، وبدأ كل طرف يفكر بمصالحه وهناك منافسة خليجية سلبية لمن يكون اللاعب الإقليمي،وهذا هو مكمن الخلاف؛ فمحاولة إيجاد دور إقليمي يقودنا إلى نقطة مهمة جداً وهي تراجع وانكفاء القدرة الأمريكية على التحكم في العالم والمنطقة بعد مغامراتها الفاشلة في العراق وأفغانستان، وهذا التراجع الأمريكي أدى إلى إفساح المجال أمام العديد من الدول بأن يكون لديها هامش مناورة أوسع،وبالتالي تركت أمريكا لهذه الدول مجالاً للعب دور الوكيل.

نحن الآن أمام مشهد؛ تأزم في العلاقة الأمريكية التركية والخلافات الخليجية بين الحلف الطبيعي، وهناك توتر ليس عالي المستوى بين تركيا والدول الخليجية ودور شبه مغيب لمصر.

كل هذه الأمور تعكس أن الولايات المتحدة في حالة تراجع استراتيجي والدليل على ذلك ما يجري في سورية بأن أي تقدم لا يمكن أن يحصل إلا في التعاون مع روسيا بالرغم من أن هناك قوى  في أمريكا لا ترغب بذلك إلا أن التعاون قائم،وعدم القدرة على وقف معركة جرود عرسال هو دليل آخر على ضعف أمريكا وانتهاء قدرة حلفائها على التأثير في الأزمة السورية.

ويخلُص د. سليمان إلى أن التأثير الخليجي أضحى هامشياً ومرتبط فقط فيما تبقى بالجماعات وهذه الجماعات يتقلص عددها ومناطق نفوذها ويبدو أن الموقف الأمريكي هو الأساس في تراجع وأمريكا تركت لدول الخليج أن تلعب دوراً وثبت بالتجربة بأنها عاجزة وبالتالي هي فقط سيكون دورها هامشي وسيكون الدور روسي حيث لها اليد الطولى في سورية وأمريكي وممكن تركي، ولم يعد هناك دور خليجي بارز وهذا يجعلهم ليسوا في وارد القدرة على أي لعب فاعل في مستقبل الوضع السوري.

ويؤكد د. سعيد ذياب في حديثه لـ “نداء الوطن، أنه بلا شك أن الأزمة السورية تؤثر بشكل كبير على كل أزمات المنطقة خاصةً ما يجري على الأرض وما يحققه الجيش العربي السوري من إنجازات كبيرة.

ويتابع بأنه بدا واضحاً لكل مراقب أن الأزمة الخليجية راحت تترك بصماتها وتأثيرها مباشرة على الوضع في سورية، سواء من خلال ما برز من صدام واقتتال بين أتباع كل محور من طرفي الصراع، والمسألة الأخرى تدني مستوى الدعم المادي لهذه الفصائل بسبب تلك الأزمة وانشغالها في أزمات أخرى وفي المقدمة العدوان على اليمن.

ويقول: لعلنا نستطيع أن نتلمس حجم التغيير الناتج عن هذه الأزمة هو التحول السياسي الواضح لأطراف الأزمة الخليجية من الموقف من النظام في سورية.

ويشير إلى أن الأزمة كشفت ومن خلال الإعلام والهجوم المتبادل بين أطراف هذه الأزمة حجم التآمر الذي مارسوه بحق سورية، وأثبتت أن تلك الدول فعلاً هي من رعت الإرهاب ومولته، ومدته بكل وسائل الدعم والإسناد.

ويرى أن الأزمة الخليجية قادت إلى ما يمكن أن نسميه بالانشغال الداخلي لتلك الدول في أزمتها مما يعني تقليص دورها للتأثير على دورها في الأزمة السورية وهذا بدا واضحاً في تعاظم الإنجازات المتتالية التي حققها ويحققها الجيش العربي السوري وقوى المقاومة المساندة له وبشكل خاص في بادية الشام ودير الزور ثم تحرير جرود عرسال وهزيمة جبهة النصرة الكاملة في لبنان.ونجاح الجماهير الفلسطينية في القدس بإحباط المخططات الإسرائيلية للسيطرة على الأقصى.

ويعتقد د. ذياب بأن الحصار السعودي الإماراتي لقطر سيكون له تداعيات هامة وعميقة في البنية الاجتماعية لعموم دول الخليج، فهذا الموقف لم يسبق له أن حصل في العلاقات البينية العربية – العربية منذ ظهور هذه الكيانات وحتى يومنا هذا. على الرغم من أن تلك الدول حاولت باستمرار إظهار نوع من الخصوصية في الجغرافيا والثروة وفي علاقاتها المميزة من خلال ما يعرف بمجلس التعاون الخليجي. إلا أن هذا الحصار سيترك جرحاً غائراً في العلاقات الخليجية بين الشعوب وكذلك بين الأنظمة نفسها دون أن ننسى أن علامة استفهام كبرى تنتصب أمام مجلس التعاون الخليجي الذي يشهد انقساماً غير معلن جراء هذه الأزمة. عدا عن التحالفات الجديدة والاصطفافات التي ستبرز والتي من شأنها تعميق الشرخ داخل دول الخليج.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق