مقالات

“عاصفة الحزم” حرب باطنها غير ظاهرها…علي جرادات

 thumb

 “الغضب أسهل الطرق لخسارة الحب والسياسة”، بكلمات الراحل عبد الرحمن منيف. أغضبت رسالة الرئيس الروسي، بوتين إلى القمة العربية، وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، بسبب دعوتها الحكام العرب إلى “تسوية أزمات كل من سورية وليبيا واليمن على أساس القانون الدولي، وحلها بالحوار الشامل وتحقيق المصالحات الوطنية”، (كبديل لشن الحروب واستدعاء التدخلات الخارجية، والأميركية خصوصاً). يعكس غضب الوزير الفيصل تشبث الرسميات العربية الخليجية، والسعودية والقطرية خصوصاً،  بلعب دور رأس حربة الرسميات العربية في تمرير سياسة الولايات المتحدة لاحتواء الحراك الشعبي العربي، وإجهاضه عبر إغراقه في الإرهاب التكفيري والفتن الطائفية والمذهبية، وتفصيل  تغيير الأنظمة ورؤوسها، على مقاس مقتضيات المصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة، وإسرائيل منهم بالذات، واختزاله في إجراء الانتخابات، وتفريغه من محتواه الوطني: الاستقلال والسيادة والتنمية المستقلة. وبقدر ما يتعلق الأمر بأزمة اليمن، يعكس الغضب تشبثاً بعقلية الوصاية السعودية، كعقلية فاشلة أدخلت اليمن ومنطقة الخليج في منعرج حرب خطيرة. حرب كان يمكن تفاديها بمراجعة الحسابات، والتخلي عن عناد “أنا أريد وعلى غيري الالتزام”، كفهم مغلوط للسياسة بوصفها “نزاعات وتسويات” وليست “إقصاء وإملاءات”. حرب أشعلتها خسارة السعودية لسيطرتها على اليمن، ما يذكِّر بمقولة ماركس: “يغضب الرأسماليون حين يخسرون 10% من أرباحهم، ويقاتلون حين  يخسرون 50%، ويشنون الحروب حين تبلغ خسارتهم 100%”.

   هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، الطبيعة تكره الفراغ. وبانقلاب نظام السادات، وطنياً وقومياً واجتماعياً،على العهد الناصري، صانع المشروع القومي العربي الأهم في التاريخ المعاصر، غاب المشروع العربي، كأحد ثلاثة مشاريع أصيلة في المنطقة، هي العربي والإيراني والتركي، ما ترك فراغاً كان من الطبيعي أن يملؤه المشروعان الثاني والثالث. بل والمشروع الرابع الطارئ، المشروع الصهيوني، كمشروع استعماري استيطاني عدواني توسعي، اقتحم المنطقة عنوة  بوظيفة إمبريالية لا لبس فيها. وبإسقاط نظام الشاه، أقوى حلفاء الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل في المنطقة، توافرت، رغم استحواذ تيار الإسلام السياسي على ثمار الثورة، إمكانية واقعية للتلاقي من موقع التكافؤ والندية والمصالح المتبادلة، بين العرب وإيران التي باتت تحمل مشروعاً للاستقلال والسيادة، وتنفذ برنامجاً للتنمية المستقلة المستدامة، ركيزته التصنيع المدني والعسكري وتحويل العلم النظري إلى تكنولوجيا في المجالات كافة. لكن نظام التبعية الرسمي العربي برأسه السعودي، بدد هذه الإمكانية، وقاد إلى صدام الطرفين، عوض بناء علاقتهما على ما بينهما من مشتركات حضارية وثقافية، وحل خلافاتهما بالحوار، كشرط لا مناص منه لبناء نظام إقليمي متوازن، يلبي مصالح الجميع، ويخدم أول ما يخدم قضية فلسطين. 

   يعنينا مما تقدم القول: لو كان للعرب مجرد ربع المشروع الناصري، لما كانوا على ما هم عليه من حال يُحزن كل الأصدقاء، ويُفرح كل الأعداء، وأولهم، بلا شك أو ريب، إسرائيل وحليفها الإستراتيجي الثابت الولايات المتحدة. إن كان من أهمية للإشارات السريعة السابقة، فهي تقديم مقاربة واقعية لـ”عاصفة الحزم” على اليمن، من حيث أنها حرب باطنها غير ظاهرها. أي أننا إزاء حرب زائدة عبثية تلبي مصالح أنظمة عائلية مستبدة فاسدة تابعة، صارت في واد غير واد شعوبها وقضاياها، وأولاها قضية فلسطين. حرب أوحت بها وتدعمها الولايات المتحدة، لتجني منها، ما جنته سابقاً من:

*الحرب العبثية المدمرة بين العراق وإيران التي شجعتها الولايات المتحدة بهدف الاحتواء المزدوج، ودعمتها السعودية تحت شعار “وا عروبتاه”.

*العدوان الثلاثيني على العراق الذي استدعاه أغلب النظام الرسمي العربي بقيادة سعودية تحت شعار “وا كويتاه”.

*حرب الاحتلال الأميركي للعراق بهدف تدميره ونشر “الفوضى الخلاقة”، بينما “غرش” عنها أغلب النظام الرسمي العربي تحت شعار “وا ديمقراطيتاه”.

*تدخل حلف الناتو في ليبيا الذي استدعته جامعة الدول العربية بتوصية خليجية تحت شعار “وا إنسانيتاه”. وكل ذلك في إطار مخطط نشر الفتن بأنواعها، خصوصاً الطائفية والمذهبية التي انطلقت بصناعة تنظيم القاعدة التكفيري الإرهابي في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، تحت شعار “وا إسلاماه”. إذاً نحن إزاء “عاصفة” ظاهرها “وا عروبتاه”، وباطنها “وا سنتاه” لاستعادة سطوة النظام السعودي التابع. 

  لكننا في الحالات كافة إزاء حرب ليس بالضرورة أن يكسب نتائجها مَن بادر إلى شنها، أو أن يحدد نهايتها. وهو ما ينذر بإطالة أمدها “إلى ما شاء الله”، خاصة وأنها حرب جيوش نظامية على حركة شعبية، تمثل ثلث سكان اليمن الـ(24 مليون)، ويؤيدها أو يتعاطف معها جزء أساسي من المكونات الشعبية والسياسية اليمنية الأخرى. ما يعني صعوبة، إن لم يكن استحالة، حسمها بالضربات الجوية، بينما حسمها بالحرب البرية دونه خرط القتاد، خاصة وأنها تدور في اليمن، المملوء بالسلاح بأنواعه، وذو الجبال الشاهقة الوعرة، المناسبة لحرب العصابات. هذا فضلاً عن أن مبرر هذه الحرب: حيازة “أنصار الله” سلاحاً موازياً لسلاح الدولة، ينسفه تجاهل سلاح “حزب الإصلاح” “الإخواني”، و”الحراك الجنوبي”، والعشائر اليمنية. بل ويفضحه، (المبرر)، تجاهل سلاح فرعيْ تنظيم القاعدة و”داعش” التكفيرييْن الإرهابيين اللذين يعيثان في اليمن فساداً، ويشكلان الخطر الفعلي الذي يستوجب تجميع الطاقات والجهود لمواجهته والتصدي له.

   أما الرهان على أن تدمير البنية التحتية لليمن وسقوط المدنيين من أبنائه يؤلب اليمنيين ضد حركة “أنصار الله”، فسلاح ذو حدين، أي من شأنه أن يزيد شعبيتها يمنياً، بل وعربياً وإنسانياً، أيضاً. أما شن هذه الحرب تحت شعار تخليص اليمن من “أنصار الله”، فأمر يتجاهل هشاشة الدولة اليمنية، ويتناسى دور السعودية في إضعاف مؤسساتها واختزال حراك الشعب اليمني في تنحية الرئيس السابق، علي صالح، مع ضمان حصانته من الملاحقة، ما ترك اليمن قابلاً للاشتعال من جديد. وهو ما وقع فعلاً. بل ويتجاهل أصحاب الدعوة إلى استعادة “مبادرة الخليج” أساساً وحيداً للحل، أنها مبادرة لا تطرح حلاً، سواء للأفقي من مطالب الشعب اليمني: الخلاص من نظام التبعية والاستبداد والفساد والفقر والبطالة والأمية، أو للعمودي من هذه المطالب: إنهاء اضطهاد وتهميش ومعاناة أبناء جنوب اليمن، ومثلهم ثلث مواطني اليمن من أتباع المذهب الزيدي، الذين يأخذ عليهم أصحاب “المبادرة الخليجية” الولاء لإيران، متناسين أن هذا حصيلة منطقية وطبيعية لعقود من معاملتهم كرعايا لدولة أجنبية، أي كأنهم ليسو مكونأ أصيلاً ورئيسياً وواسعاً من المكونات الشعبية والسياسية اليمنية.

   قصارى القول: “عاصفة الحزم” لا تحل أزمة اليمن المعقدة، بل تزيدها تعقيداً على تعقيد، وستخلق بين اليمنيين، وبينهم وبين محيطهم الخليجي، جروحاً عميقة، يصعب مداواتها خلال سنوات، وربما عقود. ناهيك عما لهذه “العاصفة”، من مسارات شائكة، وارتدادات كبيرة على منطقة  الخليج  ومجمل المنطقة. وليس من المبالغة القول: إن تداعيات وارتدادات هذه “العاصفة” على السعودية بالذات، ستكون غير تداعيات وارتدادات حروب الخليج السابقة. أما لماذا؟ خلافاً لتلك الحروب، تلعب السعودية، بدعم أميركي وحلفاء آخرين، الدور المباشر والأساس في حرب “عاصفة الحزم”، ما يضع جبهتها الداخلية، وربما آبار نفطها، في مرمى النيران، ما يعني أن وقف الحرب هو الضمان الوحيد لعدم إشعال الخليج، ودخول دوله، والسعودية منها بالذات، سيناريو التدمير والتجزئة والتخريب. ربما يركب النظام السعودي رأسه ليجني ما ساهم هو والنظام القطري في خلقه في كل من العراق وسورية وليبيا واليمن، وربما يعود إلى رشده، ويوقف الحرب، ويترك الشعب اليمني الفقير، لكنه الحر العريق الأبي الشجاع، يقرر مصيره بنفسه بالحوار بين جميع مكوناته لتطبيق مخرجات الحوارات السابقة.     

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى