ثقافة وأدب

فلسفة الماضي والحاضر في رواية «البحار» لهاشم غرايبة

إن كان الزَّمن هو «إحساس جماعيٌّ للأَفراد كافَّة بتوالي الأَحداث بطريقة لا يمكن الرُّجوع فيها، ويتجلَّى هذا التَّوالي بتعاقب اللَّيل والنَّهار والشُّهور والفصول والسَّنوات» حسب التَّعريف الدَّارج للزَّمن، والمتعارف عليه، فإنَّه من المنطقيِّ القول فلسفيَّاً إنَّ التمثُّل الاجتماعيَّ الوجوديَّ للإنسان عبر الزَّمن لا يخضع لهذا التَّعريف، وأَنَّ الوعي الإنسانيَّ المُنتج للحضارة، هو الَّذي يحدِّد موقع فئة من البشر في الزَّمن، فإذا ما تمَّ قياس الحضارة البشريَّة على أَنَّها مجموع تراكمات المنجزات البشريَّة في لحظة تاريخيَّة ما، زمنيَّاً، كنقطة الحدِّ الأَعلى رياضيَّاً، فإن قياس حضارات الشُّعوب سيتمُّ نسبة إلى هذه النُّقطة بالذَّات، وعليه يمكن حساب موقع هذه الفئة البشريَّة من نقطة الحدِّ الأَعلى للمنجز البشريِّ، في لحظة ما، وتصنيف موقعها زمنيَّاً، وسرعة تطوُّرها، واقترابها من تلك النُّقطة أَو ابتعادها عنها.


ما الَّذي يجعل الحاضر حاضراً؟ هل يمكن القول إنَّ الحاضر امتداد طبيعيٌّ عفويٌّ للماضي؟ وكيف يمكن للحاضر أَن يصبح ثورة على الماضي؟ وما معنى الثَّورة هنا بالضَّبط؟ تغيير؟ تطوُّر؟ انقلاب؟ وما هي العوامل الَّتي تجعل الحاضر ينبثق من الماضي؟ هل هذا الحاضر هو الاحتمال الوحيد، أَم إنَّ ثمَّة احتمالات أُخرى خُنقت في المهد لسبب أَو لآخر؟ كيف بوسع الماضي أَن يصبح فقيراً في احتمالاته إلى تلك الدَّرجة الَّتي يفرز طريقاً واحدة لا غير لإنتاج الحاضر، هي الطَّريق الذَّاهبة إلى ماضي الماضي ما يجعل الحاضر مريضاً إلى تلك الدَّرجة الَّتي يصبح فيها غير قادر على إنتاج المستقبل؟
ليس من العبث القول إنَّ بوَّابة العبور إلى عالم «البحَّار» لهاشم غرايبة هي الزَّمن بالذَّات، حيث تنبني الرِّواية على شخصيَتين رئيسيَّتين: الأُولى سليم النَّاجي، العجوز الَّذي بلغ الثَّمانين من عمره، وهو حسب ما يعرِّفه هاشم منذ الإهداء الَّذي يجسِّد نظريَّة الزَّمن- الإهداء من سليم النَّاجي لحفيده- اسم غير مرتبط بجريمة متقنة، أَو برأسمال يجسِّد الثروة والسُّلطة، أَو بثورة تغيِّر مسار التَّاريخ، إنَّما مجرَّد شخصيَّة بسيطة عاديَّة معلَّقة في الفضاء، شديدة العبثيَّة والرقَّة، وقد تبدو رمزاً لقدرة الإنسان على الحياة.
مقابل هذه الشَّخصيَّة هناك شخصيَّة حفيد سليم النَّاجي، المُهدى إليه هذا العمل، أحمد، الَّذي ترك كليَّة الطبِّ في مصر، والتحق بصفوف داعش في سوريَّة، تبقى هذه الشَّخصيَّة طوال الرِّواية حاضرة على لسان الجدِّ، غائبة عن واقع الحركة، والفعل.
إن الشَّرط الوحيد لإنتاج المستقبل- كوعي وليس زمنيَّاً- هو رؤية الواقع، وتتبُّع خيوط الماضي من خلاله، من أَجل التأسيس على هذا الواقع ضمن معادلة معقَّدة تتضمَّن هضم الماضي بمعطياته، والمنجزات الحضاريَّة الإنسانيَّة كافَّة، في الماضي والحاضر، وإعادة التأسيس الدَّائم والمستمرِّ على كلِّ ذلك من أَجل ضمان حركة الوعي في مجتمع ما، لكي تكون مواكبة لحركة الزَّمن الَّذي يتدفَّق دائماً باتِّجاه واحد حسب علمنا حتَّى هذه اللَّحظة.
لقد عاش الجدُّ سنوات الجوع والقحط والتخلُّف ونجا بضربة حظٍّ رغم كلِّ المؤشِّرات المنطقيَّة الَّتي كانت تشير إلى موته، والتحق بالجيش، ثمَّ درس بعد تقاعده في المعهد، وأَصبح خبيراً في البث التلفزيوني، وجال في بلاد العالم، عاش حياته، وآمن بفلسفته الشَّخصيَّة، وعاد أَخيراً إلى الرَّمثا مسقط رأسه، ليستقيل من الحياة، وبعد أَن تلقَّى اتِّصالاً هاتفيَّاً من حفيده يخبره فيه أَنَّه ترك القاهرة ليلتحق بداعش في سوريَّة، «انقلبت كلُّ مخططَّات خاتمته».
ثمَّة انحراف في البوصلة جعل الجدَّ يعيد النَّظر في مخطَّطات خاتمته.
إنَّ الواقع متحرِّك لا جدل في ذلك، فثورة أَمين الحسيني، وعبد النَّاصر، وأَبو عمَّار، وصدَّام حسين، والرَّبيع العربيُّ قبل أَن يُختطف ويصبح حركة ضدَّ التَّاريخ، وجمهوريَّة الرَّمثا المستقلَّة، أَصغر جمهوريَّة على الأَرض، وأَقصرها على الإطلاق، جميع ذلك كان في لحظة ما تراكمات بطريقة أَو بأُخرى تدفع العالم العربيَّ إلى الأَمام، أَما داعش فهي تسحبه إلى الخلف.
ذلك هو التدفُّق الزَّمنيُّ إذاً، في لحظة ما يصبح معكوساً، يشدُّ البشريَّة جمعاء نحو نقطة ثابتة في التَّاريخ، ويؤخِّر تطوُّرها، ويعطِّل نهوضها.
إنَّ هاشم غرايبة يؤمن بقوَّة الواقع، وتدفُّق الزَّمن، وقدرته بذلك التدفُّق على التملُّص من تلك القوَّة المضادَّة الَّتي تسحبه إلى الخلف، لذا تراه متفائلاً على لسان الجدِّ بحتميَّة هزيمة دولة داعش، وعودة أَحمد حفيدِه إلى التحرُّك ضمن الاتِّجاه الصَّحيح

  • إن عاش- لكنَّه يفهم الشُّروط لهذا الواقع، يدرك تماماً أَنَّ القوى السِّياسيَّة الحاكمة لا تختلف كثيراً عن تلك القوى المعطِّلة لهذا التدفُّق، فهي بطريقة ما متشابهة، وهي مسؤولة بطريقة ما عن إنتاج هذا الظَّاهرة، وإن كانت تحاربها، فليس بسبب الفهم العميق لكونها قوَّة معطِّلة، إذ إنَّها هي نفسها تمارس هذا الدَّور، لذلك، فالحرب قائمة بين الطَّرفين بين الدَّولة السياسيَّة الأَمنيَّة وداعش، كصراع مفرغ من محتواه على السُّلطة.
    سنستطيع القول في نهاية المطاف إنَّ زمن الجدِّ كان أَقرب إلى شعلة الحضارة الإنسانيَّة المتحرِّكة من زمن أَحمد، فهو زمن النِّضال من أَجل الحريَّة لا من أَجل عبوديَّة لنقطة في التَّاريخ، ببساطة لأَنَّ ثمَّة قوى سياسيَّة متنفِّذة أَخذت على عاتقها تهميش المجتمعات من أَجل مصالحها الضيِّقة، وسلطتها العفنة، وأَنَّ ظهور حركة داعش وأَمثالها ليست إلاَّ تطوُّراً طبيعيَّاً لمثل هذه السُّلطة.
بواسطة
أحمد أبوسليم
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق