في ظل خلافات بين “التربية” و”التعليم العالي” واحتجاجات مختصين وقبول “عاطفي” شعبي للفكرة هل يتم تطبيق “إلغاء الرسوب” في التوجيهي أم يتراجع الرزاز عن قراره الصادم؟!

“أود التأكيد على تطبيق مجموع علامات التوجيهي من ١٤٠٠ بدلاً من المعدّل بدءاً من العام الدراسي القادم ونعمل الان على إعداد الإجراءات لتطبيقه”.

نداء الوطن – محرر الشؤون المحلية

بهذه التغريدة التي لم يتجاوز عدد كلماتها الـ23 كلمة، حسم وزير التربية ملف إلغاء الرسوب بالتوجيهي، ليؤكد أن قرار إلغاء الرسوب لا رجعة عنه، دون أن ينتظر توصيات لجنة التوجيهي التي قام بتشكيلها بنفسه، وتضم نخبة من الأكاديميين والمختصين وتربويين إضافة إلى وزارة التعليم العالي ممثلة بأمين عام الوزارة.
وكان وزير التربية الدكتور عمر الرزاز قد صرح قبل شهرين، لإحدى الإذاعات المحلية، أن الوزارة ستقوم اعتباراً من العام القادم بإلغاء الرسوب من امتحانات التوجيهي، وأن الحديث الآن مقتصر على آليات تطبيقه.

إلغاء الرسوب: ترحيب شعبي واستياء نخبوي

القرار قوبل بترحيب في أوساط أولياء الأمور والطلبة، رغم ضبابيته، وعدم وضع تفاصيل آلية تطبيقه. فيما عبر معلمون وأكاديميون ومختصون تربويون عن صدمتهم لاتخاذ هكذا قرار “متسرع” دون دراسة مسبقة لتبعات اتخاذ هكذا قرار.

واعتبرت الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة “ذبحتونا”، أن الحديث الحكومي عن قرارات “مجتزأة” لإصلاح العملية التعليمية، دون وضع خطة استراتيجية شاملة و”عابرة للحكومات” لن يؤدي إلا إلى المزيد من التخبط وتدمير العملية التعليمية. وملف التوجيهي أكبر بكثير من أن يتم علاجه بقرار مجتزىء هنا أو قرار “مبتور” هناك.

السعودي: إصلاح المنظومة التعليمية برمتها هو المطلوب للتخلص من ضعف مخرجات التعليم في الأردن

الدكتور فايز السعودي وزير التربية الأسبق وعضو لجنة التوجيهي التي شكلها الوزير الرزاز، أكد أنه كمبدأ عام في قدرات الطلبة لا يوجد فكرة راسب أو ناجح، بل هناك قدرات لدى الطلبة تقع ضمن مستويات مختلفة وفقا للتوزيع الطبيعي للقدرات لدى الأفراد، وبالتالي إلغاء راسب يتفق مع هذا التوزيع الطبيعي، وبالتالي معدل الطالب يحدد المجال الذي سيلتحق به الطالب، سواء أكان الجامعة،أو كليات المجتمع، أو سوق العمل أو أي مجال أخر يناسب قدراته وتحصيله.

فيما يرى الأستاذ عرفات بلاسمة الناشط النقابي وعضو لجنة المتابعة لحملة “ذبحتونا”، أنه  لا توجد أية قيمة مضافة لإلغاءِ الرسوب، فقد مر نظامنا التعليمي بفكرة مشابهة منذ بداية التسعينيات وكانت أشبه بالنجاح للجميع نظراً لصعوبة تطبيق نسبة الرسوب على مجموع الطلاب للصف. فكان الطلبة وفقاً لهذه الآلية ينجحون جميعهم، بما فيهم الضعاف والضعاف جداً. وكانوا يصِلون لمرحلة الثانوية العامة لا يتقنون القراءة ولا الكتابة. فعن أي فوائد مرجوة يتحدثون.

إشكالية منظومة تعليمية والإصلاح من الأعلى

تسارع وزارة التربية أو تسرعها في بدء عملية إصلاح المنظمة التعليمية بإصلاح التوجيهي، أشارت له حملة “ذبحتونا” في بياناتها التي أصدرتها حول هذه القضية. وأبدت “ذبحتونا” استغرابها من أن يقوم وزير لم يمض على استلامه الحقيبة الوزارية أكثر من أربعة أشهر، باتخاذ قرارات بهذا الحجم ودون دراسات مسبقة أو خطة شمولية أو حتى طرح هذه القضية للنقاش على مستوى الخبراء التربويين والمختصين. هكذا آلية في اتخاذ القرار، تدلل على أننا لا نزال في الأردن نخضع لسياسة و”مزاجية” الوزير وليس سياسة الوزارة، وأننا أبعد ما نكون عن الخطط والاستراتيجيات الناظمة للعمل المؤسسي، خاصة أن علاج ما يتعلق بالكارثة الأكبر وهي رسوب ما يزيد على الثمانين ألف طالب وطالبة سنوياً، يتم من خلال منظومة وخطة عمل تبدأ من الصفوف الأساسية، مروراً بالبنية التحتية والمناهج المدرسية والمعلمين وانتهاءً بالتوجيهي.

ويرى الدكتور فايز السعودي وزير التربية الأسبق في حديث خاص لـ نداء الوطن أن إصلاح المنظومة التعليمية برمتها هو المطلوب للتخلص من ضعف مخرجات التعليم في الأردن، و بالتالي الثانوية العامة لها متطلبات سابقه لإصلاحه تبدأ من مراحل التعليم الأساسية الأولى، ويجب أن تكون عملية الإصلاح متكاملة تأخذ بعين الإعتبار عناصر العملية التعليمية كافة: (المعلم، الطالب، المنهاج، تكنولوجيا التعليم، المرافق المدرسية،  الأسرة، البيئة التعليمية).

فيما لفت الأستاذ عرفات بلاسمة إلى أن التوجيهي نتاجٌ طبيعي ومخرجٌ يجدرُ به أن يكون نوعيا لطلبةٍ يتلقون تعليماً يرتكز على خبرات وتجارب تعليمية سابقة أهّلت كل من مر بها لأن يكمل طريقه التعليمي في مؤسسات التعليم العالي التي يصل إليها الطالب، عبر امتحان نوعي يفرز الطلبة حسب قدراتهم واهتماماتهم، من هنا فصلاح العملية التعليمية يكون من الأسفل إلى الأعلى لا العكس.

ويرى عرفات أن الإصلاح لا يمكن أن يكون في الامتحان الوطني بهذه الطريقة أبداً، فالتوجيهي امتحان له وزنه على المستوى المحلي والدولي أيضاً، فهو امتحان له ضوابطه وأنظمته التي لم توضع بيوم وليلة، بل كان ثمرة جهد ودراسة قام عليها تربويون من رحم العملية التعليمية، لذا يجدر بصاحب القرار أن يبدأ بالإصلاح من التعليمي الأساسي الذي يعتبر اللبنة الأكثر صلابة في البناء المعرفي، عدا ذلك فإن النتائج ستكون كارثية على نظامنا التعليمي برمّته.

إلا أن الدكتور السعودي يدافع عن توجهات وزارة التربية، معتبراُ أن لكل عملية تطوير مرحلتين: مرحلة انتقالية، يتم فيها معالجة الخلل الموجود في المجال التعليمي المستهدف، لتجنب السلبيات والأخطاء الحالية على الفئات المعنية. ومرحلة جذرية، يدرس المجال على نحو عميق، وتوضع الخطة التطويرية الشاملة للمجال المستهدف. وهذا ما يحدث بخصوص الثانوية العامة، اتخذت قرارات لمعالجة المشاكل الحالية، وسيتم وضع خطة شاملة للإصلاح الشامل لامتحان الثانوية العامة، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن هناك إستعجال في ذلك.

الجامعات وتأثير قرار إلغاء الرسوب

إلغاء الرسوب في التوجيهي، لن يتوقف تأثيره على المنظومة التعليمية، بل سيتعداه إلى التعليم العالي والجامعات. ففي الوقت الذي يعتبر فيه التوجيهي مخرج للمرحلة التعليمية، فإنه يعتبر أيضاً المدخل الرئيسي للتعليم العالي. لذلك فإن قرار إلغاء الرسوب،ستكون له تداعياته الكبيرة على الجامعات، وهو الأمر الذي لم تنتبه له وزارة التربية التي اتخذت قرارها دون الرجوع أو التنسيق مع وزارة التعليم العالي.

ويرى الدكتور فايز السعودي وزير التربية الأسبق وعضو لجنة مراجعة التوجيهي أنه لن يكون هنالك أثر على التعليم العالي ومخرجاته، لأن الحدود الدنيا للمعدلات ستبقى موجودة، ولكن ما سيكون له أثر إيجابي أن الطلبة سيلتحقون بمجال العمل المناسب لتحصيلهم و قدراتهم العقلية.

بلاسمة: لا يوجد أية قيمة مضافة لإلغاء الرسوب فهو يقتلُ الدافعية الحاضّةِ على التميّزِ في روح المتعلّم

فيما يعتبر الأستاذ عرفات بلاسمة عضو لجنة المتابعة لحملة “ذبحتونا” أن أهم عنصر سلبي  يشكله إلغاء الرسوب هو قتلُ الدافعية الحاضّةِ على التميّزِ في روح المتعلّم، ناهيك عن ضعف مخرجات التعليم العالي نظرا لتهاون الطلبة في التعاطي مع مواد دون غيرها، وإذا ما نظرنا لإلغاء الرسوب من زاوية أكثر شمولية فإننا سنتساءل حول ما ستؤول إليه الأمور في الدولة لو الغينا فكرة الثواب والعقاب ، وماذا لو جردنا الأفراد من عنصر المكافئة والحافز للمجتهد المثابر، هل ستستقيم الامور والاوضاع في البلد؟ خلاصة القول فإن إلغاء الرسوب في الثانوية العامة سيفرز لنا خريجين ضعفاء على الاغلب في كل التخصصات ما يصب سلبا في مصلحة الوطن والمواطن.

وفي ردها على تصريحات سابقة لوزير التربية اعتبر فيها أن الرسوب في اللغة العربية أو الإنجليزية، لا يجوز أن يكون عائقاً أمام الطالب لدخول الجامعة في تخصصات لا علاقة لها باللغة العربية –على سبيل المثال-، أكدت حملة “ذبحتونا” أنه إذا كان الوزير يرى أن بعض المواد التي يدرسها الطالب في الثانوية العامة، ليست مرتبطة بتخصصه في الجامعة، فيمكن تجاوز هذه النقطة من خلال إعادة النظر في المواد التي يتم تدريسها ومحتوى هذه المواد، وهو الأمر المتبع في كثير من دول العالم. لا أن يتم إلغاء الرسوب في هذه المواد!!

واعتبرت “ذبحتونا” أن إلغاء الرسوب سيضاعف من إشكالية مخرجات التعليم الجامعي. وسنجد أنفسنا أمام المزيد والمزيد من التراجع في مستوى جامعاتنا بدلاً من الارتقاء بها. وتساءلت: كيف يمكن لوزير التعليم العالي أن يسمح بقبول طالب في الجامعات الأردنية وهو راسب في اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية؟!

موجة الاحتجاجات على قرار إلغاء الرسوب ابتداءً ببيان “ذبحتونا” مروراً باحتجاجات من لجنة التربية في مجلس النواب والأعيان، وانتهاءً بتصريحات نقابة المعلمين، أجبرت وزير التربية على تشكيل لجنة لتطوير التوجيهي مكونة من خبراء وأكاديميين ونواب وأعيان ووزراء سابقين. وعلى الرغم من مضي أكثر من شهر على تشكيل اللجنة، إلا أنه لم يرشح شيء عن آليات عملها أو نتائج اجتماعاتها.

وفي تصريحه لـ نداء الوطن، أكد الدكتور فايز السعودي عضو اللجنة، أن صلاحيات اللجنة، تقع ضمن مجالين: المجال الأول، وضع التفصيلات الفنية لإلغاء الرسوب، وفتح فرص التقدم للثانوية العامة، ومجموع العلامات العام، والمجال الثاني، التطوير العام لإمتحان الثانوية العامة. ولفت السعودي إلى أن اللجنة تحدثت في ذلك في اللقاء الأول و”الوحيد” الذي عقدته ووضعت فيه خطة عمل للإستمرار في عملية إصلاح الثانوية العامة بصورة متكاملة.

التعليم العالي والتربية: صراع في الخفاء

قرار إلغاء  الرسوب تزامن مع سلسلة قرارات صادمة لوزارة التربية، كان من ضمنها السماح بالفرصة الخامسة وتحويلها إلى فرص مفتوحة دون تحديد، الأمر الذي أثار حفيظة وزارة التعليم العالي، التي لم يرق لها توجهات الوزير الرزاز.

فوفق تصريحات نشرتها صحيفة “الدستور” نقلاً عن “مصادر مطلعة” في وزارة التعليم العالي أن فكرة وزير التربية حول إلغاء الرسوب واعتماد مجموع العلامات عوضاً عن المعدل، لا تحمل أية تغييرات فعلية على مضمون القبول ولن يكون هنالك تغييرات على الحدود الدنيا للقبول بالتخصصات ، إنما ستتم العملية وفقا للمجاميع أي سيتم تغيير البرمجية لتقبل العلامات الجديدة ولا يعني ذلك احداث تغييرات بأسس القبول .

وبينت ذات المصادر أن وزارة التعليم العالي لن تسلم بفكرة إلغاء ((راسب أو ناجح)) بامتحان الثانوية العامة بأي حال من الأحوال ، مؤكدة أن الأمر ستتم دراسته والاستيضاح من الوزارة حول مفهومها لتلك القضية ، حيث أنه لا يمكن قبول الرسوب على مفهومه الكامل بلا ضوابط أو ثوابت أو محددات واضحة، مؤكدة أن الأمر محسوم فلا يمكن قبول راسب باللغة العربية أو الإنجليزية مثلا عندما يتوجه الطالب لدراسة أي تخصص بالجامعة.

كما أكدت ذات المصادر أن فتح المجال لقبول طلبة من سنوات سابقة للتقدم للامتحان سيوصل عدد المتقدمين الإجمالي الى حوالي 200 الف طالب سنويا وهو امر لا بد من الوقوف عنده بشكل اكبر ، مع العلم ان رفع العدد سيغير نسبة الـ 5% الذين يقبلون سنويا بالجامعات ليؤول الى رفع النسبة بما يتواءم مع العدد المضاف تحقيقا للعدالة .

وأوضحت ذات المصادر أن اللجنة ستدرس كل التفاصيل وستوجه كافة الاستفسارات لوزارة التربية حول العلامة والفرق بينها وبين المجاميع ، وقضية السماح لحاملي الثانوية العامة لسنوات سابقة بالتقدم ، وقضية الرسوب او النجاح والدرجة المئينية قبل اتخاذ اية قرارات تتعلق بالقبول الجامعي واحداث اية تغييرات حول ذات القضية.

وبعد أقل من 48 ساعة على هذه التصريحات لمصدر مسؤول في وزارة التعليم العالي، نشرت جريدة الدستور وفي صدر صفحتها الأولى، نفي مصدر مسؤول في وزارة التربية والتعليم أن يكون هناك خلاف حول الغاء «راسب ناجح» في امتحان الثانوية العامة بين وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، وأن “ما يتردد عار عن الصحة”!!

وأكد المصدر ذاته أن اللجنة المشكلة لدراسة المشروع من قبل التعليم العالي والتربية لم تنه أعمالها بعد ولم يتم البت في أي من قراراتها.

ورغم مضي أكثر من شهر ونصف الشهر على تشكيل اللجنة المشتركة بين وزارة التربية ووزارة التعليم العالي، إلا أن أية توصيات أو قرارات لم تصدر عن هذه اللجنة، بل لم نعرف حتى اللحظة هل لا تزال قائمة أم تم إلغاؤها، أم أن لجنة تطوير التوجيهي التي قام وزير التربية بتشكيلها لاحقاً قد ألغت اللجنة السابقة!!