قرأت لك: رواية “أولاد الغيتو- اسمي آدم” / إلياس خوري

لا يوجد بديل عن قراءة هذه الرواية سوى قراءة كل الحكايا التي تتناسل من رحم الحكايا فيها فهي حكاية داخل حكاية تروي تفاصيل حياة الناس بعد اجتياح مدينة اللد عام 1948. تلك التفاصيل غير القابلة للاجتزاء أو التلخيص.تقوم الرواية على دفاتر تركها آدم دنون، بائع الفلافل في نيويورك، والتي سلّمتها سارانغ الفتاة الكورية إلى أستاذها الياس خوري بعد موت آدم منتحرًا في شقته. لم يكن النص في هذه الدفاتر مكتملاً، ولكنه كان عبارة عن صفحات مكتوبة على دفاتر جامعية عادية احتار إلياس خوري أمام هذه الدفاتر ماذا يفعل بها؟ وقرر في النهاية أن ينشرها كما هي.
فصاحب هذه الدفاتر(آدم دنون) كان يعتزم كتابة رواية موضوعها حياة الشاعر الأموي وضاح اليمن، الذي انتهى ميّتًا في أحد صناديق ثياب زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك، بعد اكتشاف الخليفة لوجوده هناك، فيأمر بدفن الصندوق وهو داخله وما تحمله هذه الحكاية من معان رمزية، أرّخ لها الشهيد غسان كنفاني في روايته “رجال تحت الشمس”.
يترك آدم دنون وضاح اليمن وينتقل إلى محاولة كتابة رواية أخري عن حياته، يسطرها من أفواه الناس وذاكرتهم مدركا أن “الذاكرة مرآة مهشمة مبعثرة وعلينا أن نلملم الشظايا ونعيد رأبها حتى نستطيع أن نرى صورة الماضي. فذاكرة كل منا ما هي في واقع الأمر إلا محصلة الحكايات التي استمعنا إليها خلال حيواتنا”.
وتتوالى الحكايات : آدم الرضيع الذي وجده مأمون الأعمى ملتصقاً بجسد أمه الميتة تحت شجرة الزيتون إبان النكبة، وإعطاه لمنال زوجة الشهيد حسن لتربيه على أنه ابن الشهيد. وقصة (اجتياح) مدينة اللد كما ترويها أمه ومأمون وأهالي الغيتو. حكاية من نجا من المجزرة الرهيبة مجزرة “مسجد دهمش” التي حدثت في مدينه اللد بعد (اجتياحها) و تراجع الثوار وقد انتهى بهم الحال إلى الإقامة في ” الغيتو” الذي لا “تعرف منال معنى كلمة “غيتو”، أو من أين أتت. كلّ ما تعرفه أنّ سكّان اللدّ، المدينة المسيَّجة بالأسلاك، سمعوا الكلمة من الجنود الإسرائيليين، فاعتقدوا أنّ كلمة “غيتو” تعني حي الفلسطينيين، أو حي العرب، كما قرَّر الإسرائيليُّون تسميةَ سكّان البلاد الأصليين. وحده مأمون كان يعرف: “الغيتو هو اسم أحياء اليهود في أوروبا”
هي حكاية مفيد شحادة، الفتى الذي مات مصلوبًا كالعصفور على الأسلاك الشائكة التي تسيّج الغيتو، بعد أن صدّق إنسانية الصهاينة. هي حكاية معسكرات الاعتقال وأخذ الشباب إليها وتصفيتهم أو اختفائهم ونهب البيوت والجثث المرمية بالشوارع وتفرق العائلات وتشتتها وإجبار الكثير من شباب الغيتو على لم جثث أهلهم المنتفخة في بيوت اللد وفي الشوارع وحفر خنادق لتكون مقابر جماعية أو حرقها وتنظيف الشوارع وإجبارهم على نهب بيوت مدينتهم ووضعها في شاحنات جيش الاحتلال، وكيف أصبحت البيارات والأراضي أملاك غائبين للدولة. وكل حكاية تؤدي إلى حكاية أخرى. في بعض الأحيان يتابع سرد الحكاية وفي البعض الآخر يتركها معلقة ليعود مرة أخرى إلى ملء ثقوبها.
وفي النهاية هي روايه ممتعة بكل ما تحمل من ألم وقسوة ولحظات ضعف وتداعي حر للكلمات.

مازن عليان