مقالات

قراءة في الموازنة العامة (2018)

كما في كل عام سنكون مضطرين لتحليل الموازنة العامة للدولة على أرضية النظام الحاكم، باعتباره يمثل تحالفاً من الطبقات التي تدعي أنها تعمل لصالح الوطن والمواطن والاقتصاد الوطني، وليس على أرضية تقف عليها الجماهير الشعبية وقواها السياسية.

لأننا بصراحة لو ناقشنا المشكلة مع الحكومة على أرضية الجماهير الشعبية، لكنا استبعدنا الحديث عن قانون الموازنة الذي تضعه قوى طبقية تبحث قبل كل شيء عن مصالحها الطبقية على حساب الفئات الشعبية وهم الفقراء والمعدمين إلى جانب الطبقة العاملة، إذ كيف يطلب من أرباب العمل أن يضعوا قانوناً للعمل ينصفون فيه الطبقة العاملة أو الشغيلة العاملين لديهم؟؟

فالموازنة كما هو معروف هي أهم أداة سياسية اقتصادية اجتماعية، تعكس توجهات وأهداف الطبقة المهنية، من حيث توزيع الثروة ومستوى معيشة المواطنين وتطوير البناء الإقتصادي، وغير ذلك.

كما تدلنا الموازنة العامة على الأهداف الحقيقة للقوى مالكة وسائل الإنتاج، وكيف تبقي على تحكمها بمفاصل الإقتصاد وتسخره لتحقيق مصالحها قبل التفكير بمصالح الفئات الشعبية.

ولذلك، فإن إعادة هيكلية الموازنة سنوياً من حيث طبيعة كل من النفقات العامة والإيرادات العامة، وطبقة العجز (في الموازنة والحساب الجاري)، وطرق تمويل هذا العجز إنما تكشف عن طبيعة ومضمون هذه الأهداف، أهداف القوى الإجتماعية المهيمنة.

يقال على لسان بعض المسؤولين إن المباشرة بوضع قانون الموازنة العامة، بدأ قبل شهرين لكي تكون الموازنة جاهزة مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي وعرضها على البعثة، وبالفعل كانت الموازنة جاهزة في يوم (19/11) مع موازنات الوحدات الحكومية المستقلة.

يبلغ حجم الموازنة العامة لعام (2018) حوالي (9.39) مليار دينار أي أن الزيادة عن موازنة (2017) ضئيلة للغاية، إذ بلغت موازنة العام الماضي (8.9) مليار دينار، هذا يعني أن معدل النمو الإقتصادي يكاد لا يذكر، وحسب وزير المالية يتوقع أن ينمو الاقتصاد إلى (2.5%) مع أنه كان وصل إلى (2.3%) عام (2017) ولم يتحقق طبعاً، والذي تحقق (2.1%) ونتج عن ذلك ارتفاع نسبة البطالة إلى (18.1%) حسب اعتراف الحكومة مع أن جهات محايدة تشير إلى أن نسبة البطالة الحقيقية هي (24%)، وحسب الوزير أن النمو المتوقع لا يساعد في الحد من ارتفاع البطالة، أي أن معدل البطالة سيرتفع حتماً.

إذن النفقات العامة بلغت (9.39) مليار دينار إن الإيرادات العامة فتقدر بـــــ(8496) مليون دينار موزعة بواقع (7796) مليون دينار إيرادات محلية و(700) مليون دينار للمنح الخارجية، في حين بلغت إيرادات عام (2017) ما مقداره (8.1) مليار دينار.

والنفقات العامة موزعة كالتالي:

نفقات جارية تشغيلية (7886) مليون دينار.

نفقات رأسمالية استثمارية (1153) مليون دينار من ضمنها خطة التحفيز (426) مليون دينار.

وهكذا يكون العجز الكلي (831) مليون دينار مقارنة مع (1035) مليون دينار.

طبعاً نحن نتحدث عن عجز حسابي كما يسمى في الاقتصاد أي الفرق بين حجم النفقات وحجم الإيرادات، ولا نجادل الحكومة بالأهداف التي يتضمنها قانون الموازنة والأهداف المتحققة فعلاً وهو ما يسمى بالعجز الاقتصادي لأننا نعرف حجم الموارد المتوفرة بعد الخصخصة.

ومع ذلك، هذا العجز المتوقع من أين يتم تغطيته؟ طبعاً كما في كل عام من جيوب المواطنين، وها هي الأسعار بدأت ترتفع، ورفع الدعم عن بعض السلع الأسياسية قد تم رفعها في قانون الموازنة الجديدة، بالإضافة إلى التوجه نحو الإقتراض، لكي تتضخم المديونية العامة، التي تسبب صداعاً مستمراً للحكومة وللشعب.

النفقات الجارية بلغت في الموازنة الجديدة (7886) مليون دينار مقابل (7062) مليون دينار العام (2017) بزيادة قدرها (824) مليون وهذه زيادة كبيرة، لأن القاعدة تقول إذا تضخمت النفقات الجارية التشغيلية فالنتيجة ارتفاع معدل التضخم، وهذا مؤشر على أن الأردن ينتظر موجات جديدة من ارتفاع الأسعار، كما وأن أي ارتفاع على النفقات التشغيلية يجب أن لا يكون على حساب النفقات الرأسمالية (1.1) مليار دينار، كذلك فإن رفع حجم النفقات الجارية معناه زيادة حجم العجز في الموزانة والصورة إلى بداية المشكلة.

بالنسبة للتضخم، يبلغ المستوى الحالي (3.3%) ويقدر قانون الموازنة العامة إنه سينخفض (1.5%) فعلى ماذا استند الوزير في هذا التقدير ما دام هناك ارتفاع مشهود في الإنفاق الحكومي، والنفقات الجارية التي تعتبر السبب الرئيسي لزيادة نسب التضخم وبالتالي انخفاض قيمة الدينار وتهاوي قوته الشرائية، وهنا مكمن الخوف من أن يتعرض الأردن إلى أزمة مالية تطيح بالدينار خاصة إذا تفاقمت المديونية التي بلغ حجمها حتى اكتوبر الماضي (27.1) مليار دينار وتمثل حوالي (96%) من الناتج المحلي الإجمالي، ولعل القلق الذي عبر عنه الوزير ناتج عن التوجه للاقتراض من جديد ويتوقع المراقبون أن تصل نسبة الدين العام (98%) من الناتج المحلي الإجمالي، ما يؤثر على التصنيف الائتماني، ويرفع مستوى المخاطر المالية، حيث يؤدي إلى ارتفاع كلفة الإقتراض، إذ يبلغ حجم الأموال المرصودة لسداد فوائد الدين العام (1020) مليون دينار، ولقد تم بالفعل تخفيض التصنيف الائتماني للأردن من (BB_) إلى (B+) واعترف الوزير بأن هذا التصنيف عرضه للمزيد من التخفيض في حال ارتفع حجم الدين العام.

الأسوأ من ذلك هو أن على الأردن في حال ارتفع حجم الدين العام أن يتم تخصيص كافة الموارد المحلية وهي قليلة جداً للوفاء بتسديد اعباء الدين العام الأمر الذي لا يبقى شيء للإستثمار وهنا تبدأ مشكلتي البطالة والأسعار بالتفاقم، وهنا نتذكر ما قاله الوزير حول تخفيض نسبة التضخم، كيف؟

بالنسبة للتجارة الخارجية، تشير أرقام الموازنة العامة إلى أن العجز في الميزان التجاري تبلغ (6.1) مليار دينار أي (10.5%) كإعادة تقدير بعد أن كان (9.9%). أما الحساب الجاري لميزان المدفوعات فقد سجل عجزاً بمقدار (1716) مليون (12.9%) من الناتج المحلي الإجمالي، والعجز التجاري يقرأ عادة كدليل على ضعف في اقتصاديات الدول، و……. نسبة أمام المنتجات الأجنبية، ويؤدي تفاقم العجز التجاري إلى الاقتراض من الخارج، ومن المعروف أن البلدان التي تعاني عجزاً تجارياً هيكلياً إلى تخفيض قيمة عملتها المحلية.

لكن بالنسبة للأردن فإن كل الأسباب التي تؤدي إلى العجز التجاري متوفرة وأولها طبيعة الظروف المحيطة وانغلاق الحدود مع العراق وسوريا، وتراجع أسواق التصدير، وهذا يشبه الحصار،لأنه يدفع إلى الدخول في ركود تضخمي ويشهد ارتفاعاً في الأسعار مصحوباً بركود في الإنتاج مع معدلات بطالة مرتفعة، ولعل هذا ما يحدث في الأردن وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى تفاؤل الوزير حول انخفاض معدل التضخم، لأن كل الأسباب متوفرة لحدوث ذلك.

ونأتي إلى بند الضريبة، وخاصة ضريبة المبيعات، فقد ارتفعت هذه الضريبة بنسبة (8.2%) والإيرادات الجمركية (6.1%) والإيرادات غير الضريبية (19.2%) وبند الضرائب الأخرى (450) مليون دينار، (لنتصور حجم الضرائب على المواطن الأردني)، وضريبة المبيعات كما يراها الإقتصاديون غالباً ما تكون غطاء للخلل في تحصيل ضريبة الدخل، وهي في الأردن تبلغ نسبتها (16%) وعبئها الأكبر يقع على محدودي الدخل الذين لا يزيد دخلهم عن (500) دينار وهو خط الفقر. وإذا كانت الحكومة جادة في تقليص أو سد العجز في الموازنة فعليها أن تعالج الخلل في قانون ضريبة الدخل والعمل حتى على إلغاء ضريبة المبيعات بشكل تام، هذا إذا كانت الحكومة تسعى إلى رفع جزء من الضغوط على المواطنين وتحقيق شيء من العدالة في توزيع الثروة وانصاف الفقرة، ولعل قانون ضريبة الدخل يكشف لنا أن قانون الموازنة إنما يوضع لتحقيق مصالح فئات اجتماعية ضيقة وتوفير الحماية لثروات الأثرياء.

النفقات العامة والإيرادات العامة، وهو ما يطلق عليه العجز الحسابي، وتغفل الحكومة الحديث عن العجز الإقتصادي والذي يمثل الفرق بين الأهداف الاقتصادية والإجتماعية التي يفترض أن تتضمنها الموازنة العامة وبين الأهداف الفعلية الممكنة التحقيق مترجمة بتخصيصات مالية في الموازنة.

والعجز في الموازنة وفي الحساب الجاري واحد من التحديات الدائمة والمتكررة إلى جانب المديونية العامة، ومعدلات الفقر والبطالة والتضخم وهي كلها تحديات لم يتم إيجاد الحلولل لها على مدى عقود.

والموازنة العامة للسنة المالية (2018) اعتبرها الكثير من الإقتصادين من أقسى الموازنات على الإقتصاد وعلى الغالبية الساحقة من الشعب الأردني.

بالأرقام يبلغ حجم الموازنة العامة حوالي (9) مليار دينار والإيرادات (8496) مليون دينار منها (7188) نفقات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق