ثقافة وأدب

قراءة في رواية كتيبة سوداء

“هذا البلد أكثر ثراءً مما يظنه الجميع، ولكن اللصوص والفاسدين فيه أكثر مما ينبغي، وأقوى مما يجب”

كتيبة من الجنود السود ترحل إلى أرض غريبة لا تعرف لغتها ولا أهلها ولا تضاريس أرضها، وعليها أن تخوض حرباً لا تهدأ ضد عدو مجهول، بلا تردد ولا تراجع وإلا كان الموت مصيرهم “كنا مجرد بيادق صغيرة فوق رقعة واسعة من الشطرنج، لم نصل أبدًا للمربع الأخير”,حكاية كتيبة من السود لازمهم حظهم السئ فجعلهم يقعون في الأسر ليصبحوا عبيداً، ومن ثم جنودا في الجيش ويتم إرسالهم لحرب بكلمة من حاكم مستبد. هي ببساطة حكاية بشر أخذوا عنوة من بيوتهم وأهاليهم وأرسلوا ليحاربوا أناس لا يعرفوهم في أرض لم يسمعوا عنها من قبل.

وعبر صفحاتها التي تجاوزت 470 صفحة تدور احداث ملحمية في أمكنة برع الكاتب في تحديد جغرافيتها، فأجاد وصف تضاريسها، فأصبح السرد بمثابة تصوير سينمائي للأحداث فكانت الحروب والالم والقهر والاستعباد والملوك والاباطرة والاميرات تجري في نسيج ملحمي متكامل مجرى الدماء الغزيرة التي سالت لتذكر دوما ببشاعة استعباد الانسان وتغول نخاسة وإقطاعيون قادهم طموحهم وطمعهم للجنون والفتك بالبشر البسطاء، وكيف يمكن للثورة ووليدها الشرعي “الحب” وسط الحرب أن تزرع مسمارا في نعش الاستبداد. هي رواية حافلة بالمواقف تسير في خطين متوازيين في البداية سرعان ما التقيا عبر سيمفونية الأحداث.

حيث تتحدث الرواية عن حدث تاريخي تمثل بارسال كتيبة مصرية سودانية الى المكسيك لمساعدة الفرنسيين فى حماية ملك امبراطور المكسيك ماكس شقيق امبراطور النمسا الذى تنازل عن حقوقه في عرش النمسا ليذهب طامحا فى المكسيك بدعوة من نابليون الثالث.

فكان الخط الاول تشكل افراد الكتيبة السوداء ومسيرتهم منذ بداية وقوعهم في الأسر مرورا بإبحارهم الى المكسيك وانتهاءً بالالتقاء والتشابك مع الخط الثاني خط القائد النمساوي وزوجته الأميرة الفاتنة ومسيرتهما لينصبا امبراطورين على المكسيك. وتفرع من هذين الخطين تفاصيل وحكايا يمكن لأي منها أن يشكل رواية قائمة بذاتها أو نسيج قصة متكاملة الأركان تدفع القارىء للوقوف أو التوقف عند الإسهاب الذي شاب بعض أجزاء الرواية ليتذكر أن الظلم الذي تعرض له هؤلاء البشر يفوق حد الوصف وأن هذه الرواية هي عن حياتهم بكل ما فيها من ألم وشغف وحياة يتوقون لعيشها. وما قراءتها سوى إبحار في تعرجات التاريخ لاكتشاف حجم الألم والموت والدم والرصاص -وربما الجمال- الذي ينبت من كل هذا الشقاء.

بواسطة
مازن عليان
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.