أخبار دولية

قراءة في قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتداعياته على المنطقة العربية

لم يكن الشعب الفلسطيني يحتاج أكثر من هذا القرار، ليعلن بدء التحضير لانتفاضة فلسطينية ثالثة، وليكفر في مفاوضات “سلام” قادتها ورعتها الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من خمسة وعشرين عاماً ولم تؤد إلا إلى المزيد من التوسع الاستيطاني الصهيوني، والمزيد من التنكيل والحصار لشعبنا في غزة، و”تنسيق أمني” عمل على قتل أي محاولة لمقاومة حقيقية للمحتل.

قرار ترامب والتمهيد لـ”صفقة القرن”

قرار ترامب  الذي أعلنه يوم السادس من كانون أول، ما هو سوى قانون القدس الأمريكي الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 1995، وينص على وجوب نقل الولايات المتحدة سفارتها من تل أبيب، إلى القدس بحلول شهر أيار 1999 واعتبارها عاصمة موحدة لـ”إسرائيل”. هذا القرار قام بتأجيل المصادقة عليها كافة رؤساء الولايات المتحدة اللاحقين ابتداءً من بيل كينتون مروراً ببوش الابن فأوباما، وحتى ترامب نفسه، قام بتوقيع تأجيل المصادقة على القرار. وجاء هذا التأجيل كون هذا القرار “قد يؤجج حالة العداء للولايات المتحدة ويهدد أمنها القومي ويدمر السعي لإنجاز حل الدولتين”، وذلك وفق ما ذكر الصحفي في قناة BBC والمقيم في الولايات المتحدة الأمريكية عماد الرواشدة في مدونة له على موقع “حبر”.

ما يلفت الانتباه أن ترامب في خطابه لتبرير قراره ركز على نقطتين: الأولى تحدث فيها عن الحق التاريخي للكيان الصهيوني في القدس وأنها عاصمتهم منذ آلاف السنين، في محاولة منه لاستمالة عواطف المواطن الأمريكي وتسويق قراره وإظهاره بمظهر “القانوني والأخلاقي”.

النقطة الثانية التي ركز عليها ترامب في قراره، تتمثل في تأكيده أن تأجيل الرؤساء الأمريكيين السابقين للقرار بذريعة “إفساح المجال للعملية السلمية” لم تؤد إلى إنجاز حقيقي في عملية السلام، لذلك قرر أخذ الخطوة بنفسه لدفع عملية السلام. ما طرحه ترامب هنا يؤكد أنه يريد أن “يفرض” رؤية للحل النهائي للقضية الفلسطينية على كافة الأطراف. وبما أن هذه الرؤية مطابقة للرؤية الصهيونية، فإن من سيُفرض عليه هذه الرؤية هو الجانب الفلسطيني بشكل خاص والعربي بشكل عام. ومن الواضح أن رؤية ترامب ما هي إلا ما اصطلح على تسويقه بـ”صفقة القرن” التي ترتكز بشكل أساسي على شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والتخلي عن القدس والاستعاضة عنها بـ”أبوديس” المجاورة. إضافة إلى إبقاء المستوطنات في الضفة الغربية على حالها. وهي الصفقة التي تم تكليف السعودية بتسويقها في المنطقة.

حماقة القرار وتداعياته

الرئيس ترامب وإدارته كانوا يدركون جيداً أن هذا القرار لن يمر مرور الكرام، فمهدوا له أولاً من خلال اتصالات أجراها الرئيس الأمريكي مع عدد من القادة العرب، وتبع القرار توضيحات من البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية تؤكد على أن القرار لن يمس المفاوضات النهائية المتعلقة بالقدس!! إضافة إلى رسالة وجهتها الإدارة الأمريكية للكيان الصهيوني تطلب منه عدم إظهار ردود فعل على القرار “تستفز” الفلسطينيين.

ورغم كل ذلك، جاءت ردود الفعل الرافضة للقرار قوية ودولية، ابتداءً من حلفاء أمريكا في أوروبا حيث رفض الاتحاد الأوروبي هذا القرار بالمطلق، كما رفته ألمانيا وفرنسا، مروراً بتركيا وانتهاءً بالأردن الذي أبدى رفضاً مطلقاً للقرار.

ويبدو أن القرار أسهم في تأجيل طرح “صفقة القرن” نظراً لحجم ردة الفعل عليه. فالسعودية التي قامت بطرح الصفقة على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لم تستطع إلا أن تظهر رفضها للقرار الأمريكي، فيما لن يجرؤ عباس على القبول بهذه الصفقة أو حتى طرحها للنقاش في ظل هذه الأجواء المشحونة.

وأعاد القرار الموقف الشعبي العربي من أمريكا إلى مربعه الأول. فبعد “الربيع العربي” بدأ الإعلام بتسويق الخطر الشيعي على حساب الخطر الصهيو-أمريكي، بل وصل الأمر ببعض “الثوار” في عدد من الدول العربية التباهي بعلاقتهم بالولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن قرار ترامب أعاد الأمور إلى نصابها، وكشف لمن يشكك أو يستغل الأحداث، أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الراعي الأول للإرهاب الصهيوني، وعادت حناجر المتظاهرين الذين خرجوا بمئات الآلاف في كافة المدن العربية منددين بالقرار، عادوا للهتاف “أمريكا راس الإرهاب”.

الموقف الفسطيني الحاسم

اندلاع الانتفاضة الفلسطينية رداً على قرار ترامب، هو السيناريو الأسوأ بالنسبة للإدارة الأمريكية والكيان  الصهيوني. وهي بمثابة ضرب في الحائط لأكثر من عشرين عاماً من التنسيق الأمني والعمل على “ضبط” الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية.

هذا السيناريو “الأسوأ” أمريكياً، يبدو أنه الأقرب إلى الواقعية، في ظل تعالي أصوات قيادات الفصائل الفلسطينية المطالبة والمنادية بإطلاق هذه الانتفاضة، وفي ظل حالة من الغضب العارم لدى الشعب الفلسطيني خاصة وأن ملف القدس له خصوصية كبيرة لدى الفلسطينيين والعرب، إضافة إلى أن محور المقاومة العربي لن يقف متفرجاً إزاء هذا القرار، وسيدفع بهذا الاتجاه، خاصة وأن الرد الحاسم والأهم على قرار ترامب لا يمكن إلا أن يكون من الداخل  الفلسطيني.

في ذات السياق، فإن الضغوط على القيادة الفلسطينية سيكون كبيراً من كافة الاتجاهات. فالسعودية ستمارس ضغوطاً مضاعفة على عباس لمنعه اتخاذ أية قرارات تقطع مع الأمريكان، في مقابل ضغط شعبي وفصائلي ومن داخل حركة فتح التي يرأسها، لإعلان فشل المفاوضات وأن الولايات  المتحدة لم تعد راعياً للعملية السلمية وإلغاء اتفاق أوسلو بالتزامن مع دعم انتفاضة شعبية في عموم فلسطين.

الكرة الآن في ملعب السلطة الفلسطينية التي عليها أن تعي أن التاريخ لن يرحم، وأن الشعب لن يغفر وأن القدس أكبر بكثير من إغراء هنا أو تنازل هناك. فهل ستنحاز هذه السلطة في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة لشعبها أم سيسجل التاريخ أنها أول من قام بالتنازل عن القدس، مع يقيننا أن لا أحد لديه القدرة أو الجرأة على تقديم هذا التنازل؟! تبقى الأيام القادمة حاسمة وحبلى بالكثير.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق