مقالات

قراءة في مقاومة الشعب العربي الفلسطيني لوعد بلفور والاحتلال

تالياً نص الورقة التي قدمها الدكتور سعيد ذياب أمين عام حزب الوحدة الشعبية، في ورشة العمل التي نظمتها لجنة “مئوية وعد بلفور”، وألقاها بالنيابة عنه الرفيق عبدالمجيد دنديس عضو المكتب السياسي للحزب:

في ذكرى مرور مئة عام على وعد بلفور نطرح سؤال: ترى هل كان بإمكان الكيان الصهيوني أن يرى النور بدون هذا الوعد وبدون الالتزام والإحتضان الاستعماري البريطاني للكيان؟

أعتقد أن كل الدلائل تقود إلى الاستنتاج بمركزية الوعد في تحديد السياسات اللاحقة للامبريالية البريطانية وقيام الكيان اللصهيوني.

إن هذه المسألة تقودنا إلى :

1_ قراءة السياقات التاريخية لظهور وعد بلفور.

2_ دور التنافس الاستعماري البريطاني الفرنسي في إعلان وعد بلفور.

السياق التاريخي لوعد بلفور:

من الملاحظ أن وعد بلفور ليس معزولاً عن سياقات تاريخية كانت تتبلور داخل المجتمعات الأوروبية، حيث نجح اليهود في تسريب اساطيرهم (الشعب المختار) الميثاق *1 (أي الميثاق بين ابراهيم ويهوه) والوعد بأن الارض التي يقف عليها له ولنسله فيما بعد.

لهذه الاسباب فإننا نعتقد أن هذه الأساطير غرست جذورها في حركات الإصلاح الديني في أوروبا، وتحديداً في الحركة البروتستانتية.

وفي ظل سيطرة المذهب البروتستانتي والبيوريتاني ذو النزعة المتشددة، وتأثر هذا المذهب في العهد القديم (التوراة).

لقد أعطيت المسيحية الصهيونية بعدها السياسي للمرة الأولى في بريطانيا عام (1655) عندما دعى أوليفر كرومويل في مؤتمر (بالسماح بعودة اليهود إلى المملكة المتحدة، بعدما تم نفيهم بقرار من الملك ادوارد عام (1290). وفي هذا المؤتمر كذلك حاول اولفير كرومويل خلق صلة بين أفكار الصهيونية المسيحية والمصالح الإستراتيجية لبريطانيا، وذلك حينما طالب بتوطين اليهود في فلسطين)، وبما يحقق المصالح البريطانية.

_ كذلك دعا اللورد شافتسبري عام (1885) من أجل عودة اليهود إلى فلسطين.

 التنافس الاستعماري البريطاني الفرنسي:

_ بعد تفكك النظام الإقطاعي وظهور الرأسمالية وبفعل الثورة الصناعية كان التنافس الاستعماري على أشده وخاصة بين فرنسا وبريطانيا، ولعل النداء الذي وجهه نابليون أثناء حصاره لمدينة عكا عام (1799)، حيث دعى إلى عودة اليهود إلى مدينة القدس كل ذلك أكبر دليل على الأطماع الاستعمارية الفرنسية، وأن بريطانيا حين أصدرت وعد بلفور أخذت في اعتبارها استخدام الصهيونية في مواجهة حركة التحرر القومي العربي التي كانت قد بدأت تتبلور في وضوح وتتحول إلى حركة ذات جذور بين الجماهير العربية في سوريا الطبيعية والعراق *2.

النضال الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني:

لم يقف الشعب الفلسطيني موقف المتفرج أمام ما يخطط له وضده من قبل الامبريالية البريطانية والحركة الصهيونية، بل أن الفلسطينين ادركوا مبكرا طبيعة المخاطر التي يمثلها هذا الوعد على قضيتهم الوطنية لذلك عملوا على توحيد صفوفهم ومن خلال سلسلة من المؤتمرات بين عامي (1919 _ 1928) كانت تلك المؤتمرات بمثابة البرلمان الشعبي الفلسطيني حتى تلك المؤتمرات *3 المبادئ الاساسية للحركة الوطنية الفلسطينية المتمثلة بـــــ:

_ رفض وعد بلفور.

_ رفض الهجرة الصهيونية.

_ رفض الانتداب البريطاني.

_ المطالبة بالاستقلال التام ضمن الوحدة العربية.

كما قامت الجماهير الفلسطينية بالتظاهر وممارسة كل أشكال الاحتجاج ضد السياسة البريطانية، وكانت باكورة تلك الاحتجاجات الانتفاضة الاولى عام (1920) التي رفعت شعارها:  “لا لوعد بلفور ونعم للاستقلال”.

ثورة البراق:

كانت بمثابة الرد على أن أساليب الحركة الوطنية الفلسطينية السياسية قد فشلت في منع المشروع الصهيوني من الإستيلاء على الأرض والتمدد من خلال التظاهر والبيانات والمؤتمرات وبالتالي يمكن اعتبارها أنها الثورة الأولى التي فتحت الباب لولوج الشعب الفلسطيني مرحلة جديدة من النضال لممارسة الكفاح المسلح *4.

_ ودللت هذه الثورة على مركزية الأقصى والقدس لدى الشعب الفلسطيني حيث كانت المحاولات الصهيونية الاستيلاء على حائط البراق بمثابة الشرارة التي بدأت في القدس في شهر آب لكن سرعان ما امتدت إلى القرى الفلسطينية.

اعتقلت سلطات الاحتلال البريطاني حوالي (1000) مناضل وأصدرت أحكام بالإعدام (25) حكم تم تخفيض تلك الأحكام إلى المؤبد باستثناء الشهداء: (عطا الزير، محمد جمجوم، وفؤاد حجازي)، حيث تم تنفيذ الإعدام بتاريخ (17/6/1930) خلدهم الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان بقصيدته المشهورة (الثلاثاء الحمراء).

الثورة الكبرى (1936 _ 1939):

بعد ثورة البراق راحت الأوضاع الفلسطينية تزداد سوء وتصاعد التعسف البريطاني ومصادرة الأراضي وفتح الأبواب للمهاجرين اليهود، والأخطر من كل ذلك تسليح سكان المستوطنات

في ظل هذه الأوضاع تفاقمت الأحوال الاقتصادية والبطالة يقول جورج منصور سكرتير عمال العرب في يافا: (إن البطالة وصلت إلى (2270) عاطل عن العمل في مدينة يافا والتي تعداد سكانها (70) الف) *5.

لم يصمت الشعب الفلسطيني في مواجهة هذه الظروف حيث راحت تظهر أطر جديدة تمثلت في تشكيل احزاب سياسية الأبرز منها حزب الاستقلال الذي دعى إلى الكفاح المسلح ومن أبرز رموزه: (عوني عبدالهادي، وأكرم زعيتر)، لكنني أعتقد أن التحول الأبرز تمثل بظهور تنظيم ثوري على يد الشيخ عزالدين القسام الذي كان يعمل وبشكل مستقل عن القيادة التقليدية، وقد استشهد الشيخ شهر (11/1935)، وكان ذلك مقدمات الانفجار الكبير.

اندلعت الشرارة الأولى عندما قامت مجموعة قسامية بقيادة الشيخ فرحان السعدي في (15/ نيسان 1936) بقتل (2) من اليهود رد اليهود على ذلك باغتيال (2) من العرب حصلت صدامات واسعة بعد ذلك حيث قتل (9) من اليهود واستشهد (2) من العرب على أثر ذلك أعلنت الإدارة البريطانية المحتلة الطوارئ في عموم فلسطين، ونشطت بعد ذلك العديد من الحراكات الشعبية في مواجهة ذلك التطور.

* المرحلة الاولى في (20 نيسان 1936) انطلق أكبر اضراب في التاريخ دام (178) يوماً بمبادرة من الشباب المثقف، بالمقدمة منهم أكرم زعيتر في (25 نيسان) اتخذت الأحزاب قراراً بدعم وتبني الإضراب. إلا أن الإضراب توقف بتدخل رسمي عربي، يقول غسان كنفاني: (كانت البلاد العربية تلعب دورين متعاكسين ففي حين كانت حركة الجماهير العربية تدفع النفس الثوري للجماهير الفلسطينية وتبني مع حركتها علاقة جدلية متبادلة التأثير كانت الانظمة العربية المهيمنة في هذه البلدان تبذل كل ما في وسعها لكبح حركة الجماهير الفلسطينية وإجهاضها).

* المرحلة الثانية هي مرحلة التوقف المؤقت الذي امتد من (اكتوبر 1936) حتى (سبتمبر 1937).

* المرحلة الثالثة التي تمتد من (ايلول 1937) إلى (ايلول (1939) كانت الثورة الشاملة أصبح قادة الثوار هم الحكام الاداريين في مناطقهم وتوالى دعم الثورة من الخارج ومتطوعين من الاردن ولبنان وسوريا، وقوى بقيادة فوزي القاوقجي الذي تولى جيش الانقاذ عام (1947) بالاضافة إلى قوى من الحزب القومي السوري، وشكلت لجان لنصرة الثورة في سوريا ولبنان والاردن.

لكن بريطانيا نجحت وبسبب الفارق الكبير في ميزان القوى في القضاء على تلك الثورة، بالاضافة إلى افتقار تلك الثورة لقيادة قادرة على إعادة نفسها من خلال استقطاب عناصر جديدة والحفاظ على ديمومتها.

ما بعد الثورة الكبرى:

عاش الشعب الفلسطيني حالة من الضعف والارتباك بعد تلك الهزيمة ، ومما فاقم ذلك أن قيادته باغلبها كانت خارج الوطن، هذه الحالة للشعب الفلسطيني دفعت بعض المؤلفين إلى الاعتقاد أن النكبة بدأت من هناك. حيث راحت التحولات الدولية وبعد انتهاء الحرب الثانية لصالح الصهيونية، وتبدى ذلك بالدعم والاسناد الأمريكي وفرضها قرار التقسيم عام (29 نوفمبر 1947).

أدرك الفلسطينيون أن المؤامرة راحت تحكم قبضتها عليهم الأمر الذي دفعهم للاستعداد للقتال حيث تم تشكيل (الهيئة العربية العليا) كما قررت الدول العربية التدخل.

النتيجة كانت (النكبة) فقد الفلسطينيون (78%) من أرضهم، وتم تشريد أكثر من (750) ألف اصبحوا لاجئين.

أفرزت النكبة قيام كيان غاصب على ارض فلسطين يسعى للتمدد ويقوم بدور المغفر الامبريالي المتقدم ضد شعوبنا العربية.

 أثبتت النكبة حجم الخلل في ميزان القوى بيننا وبين العدو، ولكنها كذلك دللت أن القيادات الفلسطينية لم تكن بمستوى طبيعة الصراع، وأن الانظمة العربية كشفت عن عمق تبعيتها وارتهانها للاجنبي.

ارتكب الكيان الصهيوني مئات المجازر بحق شعبنا الفلسطيني، وتشرد الفلسطينيون في اربع ارجاء الأرض وعاش الشعب بما يشبه الغيبوبة الوطنية لبضع سنوات لكن الشعب سرعان ما استرد وعيه ومسك بناصية قضيته عبر عن ذلك من خلال مشاركة طلائعه في الاحزاب القومية واليسارية، ثم بعد ذلك بانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة عام (1965) وانطلاقتها الثانية عام (1967).

بعد احتلال الضفة الغربية تسيدت ظاهرة الكفاح المسلح من الداخل ومن كل الحدود مع فلسطين عاشت هذه الظاهرة ما يشبه المد والجزر حققت انجازات واصابها اخفاقات لكن الضربة الأعنف التي وجهت لها هو الاجتياح وحصار بيروت عام (1982) وخروج المقاومة بعد صمود بطولي دام (80) يوم.

أيها الرفاق والرفيقات…

لم يكن مسار الثورة منحنى صاعد بل كان يشهد هبوط وصعود مارس الشعب كل اشكال النضال، ولعل انتفاضة الحجارة عام (1987) كانت الابرز والاكثر تمييز سواء لطولها أو انتشارها وما خلقته من قيم التكامل والتعاضد الاجتماعي وما جسدته أمام الرأي العام العالمي من عدالة القضية الفلسطينية إلا أن القيادة اليمينة وبسبب قصر نفسها واستعجالها لقطف الثمار لم تتعامل وفق ما يفرضة النفس الثوري الطويل، بل دفعها إلى الدخول في مفاوضات سرية مع ممثلين للكيان الصهيوني في (أوسلو) والتوقيع على اتفاق معهم ذلك الاتفاق الذي اعتبر منعطفاً خطيراً ادخل الشعب الفلسطيني في مسار جديد لا يزال يعيش تبعاته وتداعياته.

لقد عكس ذلك القرار:

_ حالة واضحة من التفرد والابتعاد عن روحية العمل المشترك، لأن ذلك القرار لم يراعي برامج وقرارات المجالس الوطنية الفلسطينية ولم يحترم المؤسسات.

_ دلل بوضوح على عدم وعي تلك القيادة بطبيعة العدو الاستعمارية واهدافه حيث وقعت اسيرة الرهان على امكانية الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام (1967) وصنع السلام معه.

_ ومما فاقم الحالة الفلسطينية عجز القوى الفلسطينية الرافضة لاتفاقية اوسلو من أن تشكل بديل سياسي ونضالي في مواجهة الفريق المستسلم.

_ لقد عزز الانحراف الفلسطيني حالة الرعب والارتهان الرسمي العربي الذي تكرس بعد العدوان الامريكي على العراق وفرض مؤتمر مدريد عام (1990).

_ لقد تفاقم الاستيطان وتنامت الغطرسة الصهيونية واصبح الكيان الصهيوني أكثر تمكراً للحكومة الفلسطينية أكثر من أي مرحلة سابقة.

_ عاش الشعب الفلسطيني انقساماً منذ تلك الاتفاقية على مستوى المؤسسات والجغرافيا تعزز ذلك الانقسام عام (2007) الامر الذي ادى إلى اضعاف قدرة العشب الفلسطيني على الصمود ومواجهة العدو.

ايها الحضور الكريم…

يحاول الكيان الصهيوني وبدعم امريكي استغلال هذا الوضع لتصفية القضية الوطنية من خلال العديد من المشاريع المشبوهة ولعل الحديث المتكرر عن (صفقة القرن) الذي تتحدث عنه الادارة الامريكية هي الاكثر وضوحاً وخطورة فهي تنطلق من مبدأ رفض الدولة الفلسطينية المستقلة وتنطلق من الالتفاف على كل ذلك بالسعي نحو حلول مؤقتة تحت مسميات من نوع (كونفدرالية) مع الاردن أو مع مصر.

إن ما يشجع الادارة الامريكية والكيان الصهيوني على السعي في مخططهما هو حالة التفكك العربي، والتهافت الرسمي تحت شعار (أولوية مواجهة ايران على حساب مواجهة العدو الحقيقي للامة) وهذا ما يفسر الاندفاع الرسمي غير المسبوق التي نشهدها في دول الخليج والمغرب لتطبيع مع الكيان الصهيوني.

ولكن برغم ما يبدو تسارع في عملية الاستهداف فإن ما يجري في فلسطين سواء في مناطق (48) أو الضفة أو الصمود البطولي لغزة وانتفاضة الاقصى والقدس دللت على ما يكتنزه الشباب الفلسطيني من ايمان وعزيمة وارادة نضالية لا يمكن أن تخبو جدوتها إلا بهزيمة العدو الصهيوني.

إنما يعزز قناعتنا كذلك هو الصمود البطولي التي تبديه قوى المقاومة والممانعة والانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري في مواجهات المجموعات الارهابية في سياق الدفاع عن وحدة وسلامة الدولة السورية، فقط في هذا نحرر الاوطان ونهزم المشروع الصهيوني.

الهوامش:

1_ (ابراهيم الشهابي) في الصراع العربي الصهيوني.

2_ (ايميل توما) جذور القضية الفلسطينية.

3_ الخليل بين الصراع والتهويد (عبدالعزيز السيد ونواف الزرو).

4_ الخليل بين الصراع والتهويد (عبدالعزيز السيد ونواف الزرو).

5_ (غسان كنفاني) ثورة الـــ36.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق