مقالات

لماذا لا نفعلها؟!

لم يعد مجديا اليوم تكرار التوصيف لأزمات المرور الخانقة بشوارع عمان وباقي المدن، فكل الكلمات والجمل بتوصيفها هي واقع معاش لكل المواطنين يوميا وعلى مدار الساعة، بعد أن تحولت الشوارع والأزقة والساحات لكتل حديدية متراصة تضغط صباح مساء على الأعصاب والأنفس، وهي اختناقات يكاد لا ينجو منها شارع رئيسي أو فرعي حيث باتت معلما رئيسيا لعمان تفوق بشهرتها ورسوخها المدرج الروماني!1.5 مليون سيارة تقطع على مدار الساعة شوارع لا تحتمل حركة نصفها، يضاف إليها بالصيف مئات آلاف المركبات لوافدين وسياح ومغتربين، طبعا؛ أغلب أكوام الحديد هذه تتجمع في عمان لتنفجر الأزمة بكل ضغوطاتها وتأثيراتها النفسية والبيئية والصحية والإنتاجية وتدور دائرة المعاناة اليومية التي لا ينجو منها أحد، حتى المرضى والحالات الصحية الطارئة بسيارات الإسعاف.

أسباب الأزمة؛ طبعا، واضحة وأشبعت بحثا، فإضافة لتردي البنى التحتية وعدم قدرتها على مجاراة الانفجار السكاني وتراكم سوء التنظيم وغياب التخطيط الاستراتيجي، يقف ضعف وتراجع النقل العام على رأس الأسباب المباشرة لتعاظم الأزمة يوما بعد آخر، وهو ضعف دفع ويدفع للجوء أغلب الناس لاقتناء سيارة خاصة والاعتماد عليها بالتنقل لكل شيء، بل وباتت الأسر حتى متوسطة الحال تملك أكثر من سيارة لتستطيع قضاء حوائجها اليومية رغم ما يحملّها ذلك من كلف باهظة.

اليوم؛ تحاول الحكومة وأمانة عمان اجتراح حلول للأزمة عبر تطوير النقل العام ومشاريع الباص السريع وغيره، وهي حلول ايجابية تعكس حرصا رسميا على حل مشكلة مستعصية ومتفاقمة، لكنها بلا شك حلول متوسطة وبعيدة المدى، أي أن أكثر نتائجها المرجوة تحتاج لوقت طويل نسبيا لتؤتي أكلها، فيما المشكلة على الأرض تضغط بكل قوة وتتجلّى بأعباء نفسية واجتماعية ومالية وبيئية لا تطاق ويصطدم بها المواطن كل يوم وكل ساعة وهو يتنقل لعمله أو دراسته أو لقضاء حوائجه اليومية.

ترسخ هذه الأزمة وضغوطها اليومية يحتاج لاجتراح حلول ومقاربات ما لمواجهتها والتخفيف من غلوائها، ونقصد هنا على المدى القصير لا أن ننتظر حتى اكتمال الحلول والمعالجات على المديين المتوسط والبعيد. لا أزعم أني امتلك مثل هذه الحلول لكنها فرصة للبحث عن حلول واقتراحات تشتبك مباشرة مع الأزمة التي لم تعد تطاق والتي بات الوعي بها وبآثارها الضاغطة عاما لدى الجميع.

لماذا لا نفكر باللجوء إلى نظام الفردي والزوجي بتنظيم حركة السيارات الخاصة على الأقل في العاصمة عمان ومراكز المحافظات؟ بمعنى السماح للسيارات ذوات الأرقام الفردية للتحرك والاستعمال الشخصي بيوم وذوات الأرقام الزوجية باليوم التالي وهكذا. هي فكرة تلجأ لها بعض الدول بحالات غير عادية كالحروب وأزمات نقص المحروقات مثلا وربما تطبق في ظروف اخرى، أفلا تستحق أزمة مرور خانقة على مدار الساعة بكل آثارها النفسية والصحية والبيئية والانتاجية.. وحتى المالية على الأسر وعلى الدولة، أن يكون أحد حلولها اللجوء لمثل هذا النظام؟!

أعلم أن تطبيق هذا النظام أمر صعب لكنه ليس مستحيلا، ونعم هو نظام لن يكون شعبيا عند الانطباع الأول لكن دراسته والتفكير به وإثارة نقاش عام حوله قد تفتح بابا واسعا له لإيجاد المؤيدين. تخيّلوا أن شوارع عمان تفقد نصف عدد السيارات التي تجوبها يوميا.. كم سنوفر في حركة المرور والوصول إلى الأعمال والجامعات والمؤسسات، وكم ستوفر الأسر من موازناتها ماليا عند اعتمادها بالتنقل بنصف أيام الأسبوع على النقل العام؟ ألا يمكن أن يؤدي ذلك إلى اجتراح الجيران والزملاء بالعمل والدراسة لوسيلة تعاون تبادلية في التنقل؟

يمكن أن يكون اعتماد هذا النظام لفترة الصيف فقط مثلا، وأن تستثنى منه سيارات السياح والوافدين تشجيعا للسياحة. أيضا أن يكون الخيار هو بتطبيق النظام جزئيا في اليوم، بمعنى من السادسة صباحا إلى العاشرة ليلا مثلا.

هي مجرد فكرة قابلة للنقاش والدراسة.

المصدر
الغد
الوسوم
اظهر المزيد

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق