مؤنس الرزاز.. ضمير حالم ينوء بالواقع

يدلف الشاب الثلاثيني إلى بيته العابق بالتاريخ، بيت أبيه، على سفح «اللويبدة»، هنا مراتع الصبا، وهناك على التلة الجبل المقابل تربض «مدرسة المطران» معقل طفولته ومجمع أقرانه العمّانيين..

أخيرا أخيرا يعود إلى عمّان، تتناوشه مشاعر لا يستطيع ترتيبها أو فهمها.. غربة لاجىء ملّ اللجوء، ولكن كيف يحس بالغربة وهو هنا الآن بين أصدقاء الطفولة والشباب؟.. بين الرفاق، رفاقه ورفاق أبيه؟ إذن أي غربة هذه التي تغزوه؟ وأي اغتراب؟ بعد أن لفظته عواصم «بلاد العُرْبِ أوطاني» وغلّقت من دونه الأبواب.. بيروت.. بغداد.. دمشق.. اللائي في كلٍّ منها ترك قطعة من قلبه وحزما من الأوجاع التي تأبى التئاما.

تمزِّعه الذكريات التي لم يسطِع منها انفكاكا.. وينهشه الشوق إلى بغداد وساكنها الباسق «المنيف» رغم الإقامة القسرية. يتحسس قلبه ليعينه على تحمل ما لم يحتمله عقل.. هو الآخر متخم بالتعب. فقط «عمان في القلب» التي تسنده وتحنو عليه.. يهبط صوب «وسط البلد».. يعرج على مقاهيها.. يستحضر عمّان القديمة، عمّانه.

مجلة «الأفق» تمد له آفاقها، فصحيفة الدستور التي تفتح ذراعيها وصفحاتها له.. وكيف لا؟ إن لم يكن لقلمه؛ فلِاسمه الذي زيّن صفحات «السفير» و«النهار» البيروتيتين بقصص عدة، ومجلة «شؤون فلسطينية»، والملاحق الثقافية لصحيفة «الثورة» أيام كانت ثورة وحلما كاد يتحقق.

روح «مؤنس» تنسكب في مقالاته.. سخرية لاذعة.. كوميديا ضاحكة مضحكة، موغلة في القتامة.. سطور من الضحك والتهكم يختمها بكلمتين أو ثلاث مجبولة بالفلسفة تقدّ الصخر وتصفع الوعي الغائب المغيّب.

في مقالاته، يهرب مؤنس من أوجاعه وآلامه الجوّانية ليفرغها بقلمه، تماما كما ينفث مع سجائره البادية آثارها بقوة على أصبعيه الشاهد والأوسط، وعلى قمصانه، قهرا يهدّ الجبال.

تنحاز به كتاباته نحو الحلم.. الأحلام التي عاشها وتشرّبها منذ يفاعته، الوحدة والحرية، الديمقراطية التي تلمسها في بريطانيا والولايات المتحدة وافتقدها في بلاده.

أيقن أن شعار «لا صوت يعلو فوق صوت البندقية» اتخذه الرفاق حجة ليقصوا الديمقراطية ويصادروا الحرية ويخنقوا الوحدة.. فكرس قلمه للدفاع عنها.. جعل قلمه دبوسا يخِزُ به الواقع المرير.

عمّان، التي يعشق، لم تتخلّ عنه، رغم أنها آلمته في صغره، حين كان الوالد يغيب عنها وعنهم، إما إلى الجفر أو إلى دمشق أو بغداد منفيا يحمل فِكرَهُ بين جوانحه.

في فترة قصيرة، يستوعب مؤنس عمان «الكبرى» الجديدة، يهضمها ويتأقلم مع متغيراتها، لكنه يبقى مشدودا إلى عمّانه القديمة، فمن مكتبة أمانة العاصمة يذرع شارع طلال ليعرج إلى مقاهي «الجامعة العربية» و«القاهرة» و«الأوبرج» و«بلاط الرشيد»، حيث متنفسه صحبة الكتاب والمثقفين والصحفيين، يجعل «كشك أبو علي» محطة دائمة يتزود منها ما يستجد فيها من كتب وروايات.

حتى وهو في مؤسسة شومان، لا ينقطع أبدا عن سبيل الحوريات ولا يستغني عن مناكفات أصدقائه الخُلّص كمحمد خروب وسعود قبيلات وهاشم غرايبة والكنعاني عز الدين المناصرة ورفاق الثورة «الفلسطينية» العائدين من بيروت. أو المكوث لساعات من المثاقفة مع محمد المشايخ في مبنى الرابطة العتيد. لينثر وإياهم جميعا في عمّان روحا جديدة وفضاءات تبلسم أوجاعه.

يسحبه «خالد الكركي» إلى فضاء جديد، وزارة الثقافة، التي أريد لها بعد هبة نيسان 1989 أن تؤسس لـ«سلطة الثقافة» بدل )ثقافة السلطة.(

يتسلم دفة مجلة «أفكار» ليشرِع ما بين دفتيها ويحيلها مجلة عربية بامتياز، يصير مكتبه في الطابق الثاني بمبنى الوزارة ملتقى أدبيا وفكريا. اللويبدة لا تفارقه ولا يفارقها.

ثمّ يتلقفه محمود الكايد عميد «الرأي» بعد عناء ويوسع له «الدار» ليكتب فيها كما يشاء. فيوسع فضاءها كما وسعت له صفحاتها.

يجتمع المثقفون عليه، يضغطون بثقلهم على امرىءٍ ينوء بالأثقال.. ليتسلم رئاسة رابطة الكتاب ويحافظ عليها وعلى إرثها.. حجتهم أن الرابطة تحتاج رمزا ومثقفا حقيقيا ليبقيها منارة مضيئة. لكن الرافض الساكن في صدره لكل أشكال الانغلاق والجمود وإلغاء إرادة الآخر والفئوية والقطرية الضيقة، جعله لا يستطيع البقاء أكثر من سنة، فانسحب لئلا يخسر نفسه.

وكذا فعل عندما وجد أن «الحزب العربي الديمقراطي الأردني» الذي ضغط عليه الرفاق القدامى ليكون على رأسه، ذاهب إلى نفس العلل والأدواء التي يعانيها سائر الأحزاب في  الأردن وفي (بلاد العرب) .

ملجأ مؤنس كان القلم والورق، وكذلك الريشة، ويُغرِق أكثر في الفرار من الواقع المؤلم، ليغوص بآلة البيانو في عالم الموسيقى.. هذه الأدوات الثلاث كانت تحميه، إلى حدود، من العدمية والكآبة التي تلاحقه أينما حلّ، وتطارده كلما أفلت منها.

في الرواية، يختطف مؤنس نفسه من نفسه، أو يرجع إليها. يودع رواياته كل همه وشجنه وذاكرته، ويعلق فيها كل أحلامه وآماله العريضات، وآلامه العميقات، مستنجدا بروحه الوثابة وشخصيته الجادة الخفيفة المرحة ولغته الشفيفة.

يبحث عن ذاته المتشظية، يجهد في أن يلملمها.. يشفيها من أوجاعها.. يودعها مكنوناته، يفرغ في شخوصها كل ما يعتلج في تلافيف دماغه وحجيرات قلبه، يحكّيها، ويشهدها على عصره وأمته وعلى خطايا الرفاق. يستأمنها على إرثه وإرث والده وأحلامهما المهدورة. يسرُّ إليها بما لا يقدر أن يكاشف نفسه ومجتمعه فيه. يحلم ويحلم.

أرادوه «قامة روائية أردنية كبيرة ومؤسسا بارزا للرواية الأردنية ومثبّتا لها على خريطة الرواية العربية».. وأرادها حِرزا مكينا يقيه من لعنات عشق العروبة والحرية والديمقراطية التي أجهدته أكلافها الباهظة.

بحث فيها عن الإنسان الذي كانَهُ أزمان الحلم، قبل أن تغدر السلطة بهذا الحلم وتغتاله. وكان يحتال على اللغة ويغازلها، ويرفض ما استطاع القوالب الأدبية ويكسرها وهو يجرب، لعله يفلح في الرواية فيما أفشلته القوالب السياسية الأنوية والذاتوية العليا والصنمية والقطرية.

مؤنس، بسنوات عمره الإحدى والخمسين، بحساسيته المفرطة حيال القيم العليا للإنسان وحيال نفسه، بكل ما تحويه هذه السنوات من تجارب وعرة وإحباطات، نجا بنفسه من منزلقات السلطة والتسلط.. غير أن بدنه لم يسطِع عليه صبرا.. فغادره وتخلى عنه!!!

  • يصادف اليوم الثامن من شباط الذكرى السادسة عشرة لوفاة الراحل الكبير مؤنس الرزاز الكاتب والروائي والسياسي الأردني.

نقلا عن الرأي 

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.