فكر

مئوية ماركس الثانية، وأحزاب التغيير، ونقاش لم يحسم بعدُ

في الذكرى المئوية الثانية على ولادة كارل ماركس، يقال الكثير عنه وعن إنتاجه النظري السياسي، من أعدائه أو من مؤيدي أفكاره على السواء، ومع كل مرحلة تاريخية تحتد فيها التناقضات الاجتماعية يعود ماركس دائما،حيث يكون هو نفسه جزءا من الصراع الفكري في تلك المرحلة، أي موضوعا للصراع لا طرفا فيه فقط.

مع لينين وظروف احتدام التناقضات في النظام الرأسمالي وقتها عاد ماركس ليكون محل صراع فكري بين مكونات القوى “الثورية”، حيث استنادا الى الماركسية يتم انتاج رؤى وتصورات متناقضة. حيث أن لينين كان نظّر إلى ان الرأسمالية دخلت المرحلة الامبريالية كأعلى مرحلة منها، وعليه تمكن من التنظير لثورات اشتراكية بناء على التفارق في البنية الرأسمالية، وعليه أثبت نظريا امكانية قيام الثورة في روسيا.وكان هناك طبعا من كان معارضا للينين في ذلك، وعليه تم قيام تيارات سياسية متعارضة تعادت لاحقا بسبب منطلقها الفكري، كالمناشفة والتروسكيين والبوخارينيين مثلا من جهة، والبلاشفة(وضمنا لينين) من جهة اخرى.

واليوم وعلى اثر احتدام التناقض في الامبريالية عالميا، يعود ماركس مجددا، ولكن هذه المرة معه لينين أيضا،

ليكونا في صلب النقاش عن أي نتايج يمكن ان تتمخض عنها المرحلة وعن مواقع القوى ومصيرها، ومصير

العالم بشكل عام، وبالتالي ما يعني بناء الموقف السياسي لقوى التغيير على أساسه، وبرنامجها.وكما في كل

مرحلة صراعية، تنفرز القوى على أساس الرؤية لما يجري في العالم،وهي كذلك اليوم.

هذا ليس بالجديد، ولكنه حسمها لا زال المسألة الملحة اليوم، حيث أن الصراع العالمي لا زال قائما، ولم يستقر

التوازن العالمي الجديد، ويتثبت بالملموس طبيعته، لا بل أن حسم النقاش والمشاركة بالفعل السياسي سيكون

جزءا من اساء التوازن الجديد وتحقيق الضرورة الكامنة في المرحلة التاريخية الراهنة.

عودة إلى ماركس ولينين

الرأسمالية بالنسبة للماركسية هي مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري، ودخولها في أزمة موضوعية هي

عندما تصبح علاقات الانتاج(هنا الرأسمالية) معيقة لقوى الانتاج المادي، تصبح دخول النظام الاقتصادي

الاجتماعي في حالة أزمة  مطروحا على جدول أعمال القوى المتضررة. هل الامبريالية اليوم كذلك؟ إن عمق

واتساع سيطرة علاقات السوق الرأسمالية واستفحال اشكال الربح المالي وانتزاع فائض القيمة بأشكال مباشرة

أقرب إلى النهب المافيوي من قبل قوى المال المحتكرة، ادى الى الازمة الكبرى عام 2008، وثم الى الازمات

السياسية والهبات الشعبية اللاحقة، والازمات والتدخلات الامبريالية فيها، كل ذلك يقول أن الرأسمالية وصلت في استغلال الطبيعة والانسان الى حدود قصوى تصل إلى حدود التدمير لهما، حيث ان الانسان اليوم وبعد تجدد

اشكال الاستغلال الى اكثر عمقا نحو تعظيم الأزمة المعنوية التي يعيشها الانسان في كون تهميشه لا يتم ماديا فقط بل في تهميشه معنويا والغاء قيمته، ما يحول من قوته المنتجة الذاتية الى حالة من التدمير الذاتي تحطم حاملها،

امراضا واضطرابات نفسية وعقلية ووجودية، ما يعني بشكل ملموس أن الرأسمالية أصبحت مدمرة ومعيقة

لوجود الانسان والبشرية بشكل عام. إذا الرأسمالية اليوم مطروح تجوزها اليوم على جدول الاعمال كما عبر     ماركس. وكما عبر أيضا لينين بكون الامبريالية اعلى مراحل الرأسمالية، يعني أننا اما ننحدر نحو الهمجية والفوضى واما نحو الاشتراكية.

التوصيفات المتصارعة

على هذا الاساس نرى أن العديد من القوى الثورية وفي عدم تطرقها بشكل مباشر لهذا النقاش، او في انها لم تقدر على حسم هذا النقاش، يضعها في موقع المتفرج احيانا، او موقع المنزلق الى مواقع معادية لقضية التغيير احيانا

أخرى. فالقول اليوم بالامبريالية يعني تلك القوى التي صارت امبريالية منذ بداية القرن الماضي، وان النادي

الامبريالي اغلق قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها تحديدا، حيث تربعت الولايات المتحدة على عرشه.اما القوى كروسيا والصين اليوم هي كونها خرج وقتها عن حدود الرأسمالية نحو الاشتراكية ولو لبضع زمن كان ذلك،

فهي تمكنت وقتها وتتمكن اليوم من البناء على ذلك التقدم الثوري لكي تبني لنفسها موقعا قادرا على المواجهة،

أقله من حيث هي كيانات سياسية موحدة كبيرة لها دولتها وقواها الاجتماعية وجيشها.

إذا ان اعتبار ان الرأسمالية اليوم هي في مرحلة ضرورة تجاوزها يتطلب تقديم برنامج يتلاقى مع السياق العالمي

في مواجهة الامبريالية اقتصاديا وسياسية وعسكريا وعلميا وثقافيا، واكثر من ذلك، هو يعني وخصوصا في

بنيات مجتمعاتنا التابعة التي وصلت حد الازمة العميقة- فكما عبر ماركس ان التاريخ يسير دائما من جانبه

المتعفن- يعني أن تصورا لنمط حياة جديد اصبح مطروحا، على اساس ان الانسان الفرد يطرح قضية وجوده     الشامل كله،أي ان نمط العلاقات الرأسمالية وخصوصا دور الفرد و شكل وجوده الانتاجي صار مطلوب طرحه  بشكل صريح من قبل القوى الثورية. فلا يكفي فقط ان نعلن أي اقتصاد نريد، بل أي تنظيم اجتماعي شامل نريد، حيث ان قيمة الفرد التي قضت عليها الرأسمالية يمكن تحقيقها، وما هو دور الفرد في المجتمع الجديد. فكما يتم

القول دائما، على القوى الثورية ان تطرح الحلم البديل عن الكابوس الرأسمالية الحاضر في كل تفاصيل الحياة

اليومية.

هكذا يمكن الانخراط في الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لولادة ماركس، من خلال استعادة قوله ان التاريخ

البشري لم يبتدأ بعد، بل ما نحن فيه هو ما قبل التاريخ، وان البداية تكون مع التحرر من المجتمع الطبقي.

كتبه: محمد المعوش / كاتب لبناني

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.