ماذا تخفي الحكومة خلف عدائها للأحزاب؟!

في واقعة تشي بقتامة المشهد السياسي وانسداد مسار إصلاح الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وأصبحت فيه الحكومات البرلمانية بعيدة المنال، يلقي حزب “التيار الوطني” قفازاته ويعلن عن حل نفسه ومغادرتة لساحة العمل الحزبي، دون أن يدخل في حوار تشاوري مع شركائه في العمل الوطني، أو يقدم بديلا مقنعا للجمهور.تأسس الحزب قبل سبع سنوات كوريث طبيعي للحزب الوطني الدستوري، وضم عند تأسيسه عدداً كبيراً من الشخصيات السياسية المحسوبة على “الوسط” و”يمين الوسط” ممن اعتبروا في حينه من صف “الموالاة”، وقيل في حينه بأنه سيكون حزب الدولة وأداتها المنظمة في مواجهة المعارضة السياسية العقائدية على تنوعاتها. وفي واقع الامر، فإن الحزب قد جمع في صفوفه نخب البيروقراط من كبار الموظفين السابقين في الدولة.. رؤساء وزارات ووزراء، والكمبرادور، ووجهاء المدن، وكأن حزبا برجوازيا قد فرض نفسه على خريطة الحياة السياسية في البلد.
ربما أراد مؤسس الحزب من خلال مؤتمره الصحفي وتحميله الحكومة مسؤولية التراجع الحاد في الحياة الحزبية، أن يحدث الصدمة الكافية عند النظام في محاولة لرد الاعتبار لوجوده ومسيرته، ولكن لم تبدي الحكومة أي رد فعل ذي بال، باستثناء كلام وزير الشؤون السياسية في ندوة عامة، تندر فيها على “الحرد السياسي والحزبي”! وباستثناء ردود بعض الاحزاب والنخب السياسية، فإن معظم المواطنين لم يكترثوا للواقعة، في مشهد مأساوي يظهر المدى الذي بلغه تردي صورة الاحزاب في ساحة الفعل السياسي، وضعف استجابة مؤسسات الدولة والجمهور على السواء للعمل الحزبي، في ظل غياب الارادة الرسمية بالكامل في تطوير الحياة الحزبية.
منذ عودة الحياة الحزبية، تأسست عشرات الاحزاب، والارقام تقول بأن هناك ما يزيد عن خمسين حزبا مرخصا، وقد ساهمت الحكومات والاجهزة في إغراق الحياة السياسية بهذا العدد الكبير على حساب المشروع الفكري والبرنامج السياسي لهذه الاحزاب، ما يكشف بأن هناك قصوراً فاضحا في إدراك النظام والنخب على السواء للمسار السياسي الذي يجب أن نحدد قواعده ونرسم معالمه للمستقبل!
إعلان أكبر أحزاب ما يسمى بالوسط حل نفسه، بينما تعلن خمسة أحزاب أخرى عن نيتها بالسير خلفه، يفضح في الواقع مدى تردي الحالة السياسية ودرجة التجريف السياسي الذي تمارسه الحكومات المتوالية بشكل متدرج وممنهج.
النظام الذي يُحمل الاحزاب كامل المسؤولية عن هذا التردي، لا يريد في الواقع أي أحزاب تمثل هوية ومضموناً، هو يريدها أحزاباً شكلية.. “بترينة” للزينة يبرزها أمام متطلبات ومواصفات “المراقب” الغربي، أو تجمعات عصبوية دينية وجهوية معزولة عن المشاركة العامة، وأضعف من أن تؤثر في مؤسسات المجتمع المدني وأطر الخدمات الاجتماعية والنقابية، وعاجزة عن تقديم قيادات اجتماعية واعية في مجالات الفعل السياسي.
هذا التجريف المغرض لم يلحق الاذى بالاحزاب فحسب، فلدينا اليوم مجلس نواب يفتقد لحياة برلمانية فاعلة، ولدينا مؤسسات ولكننا نفتقر للمؤسسية، ونحظى بحكومات ولكنها قاصرة فاقدة للرؤية وعاجزة عن الانجاز.
حكومات التبعية لا ترغب بالتعامل مع قوى منظمة ومسيسة، ولا سياسيين راكموا خبراتهم ووعيهم في فضاء العمل العام. هي تستقطب “أفرادا” لتسلمهم سلطات تنفيذية، يُقولبونهم ويعيدون تشكيلهم ضمن قيود المعاهدات المشؤومة والاملاءات المفروضة على البلد من قبل الراعي الأجنبي. قد يدخل بعضهم في مساومات مضنية في حدود صلاحياته لتحسين شروط واجباته، ولكن في الغالب يتحولون إلى “سياسيين” زبائنيين برتبة “دولة أو معالي”، إما حبيسي الوظيفة العامة، أو جالسين على دكة الاحتياط بانتظار دور في لعبة تدوير الكراسي.
ربما رغب حزب التيار الوطني أن ينعى العمل الحزبي الاردني بشكل درامي، وهذا مفهوم في إطار قصر النفس الطبقي والفكري، ولكن الموضوع ليس إعلان وفاة حزب أو احزاب فحسب، بل يجب أن يُقرع جرس الانذار لحالة المجتمع والمواطنين والبنى المدنية من نقابات وجمعيات، والخدمات المقدمة للمجتمع في مجال التعليم والصحة والاتصالات والمياه والطاقة، التي تحولت ” بفضل” الخصخصة الممنهجة إلى ملكية وهيمنة الشركات التجارية والمؤسسات المصرفية والنقدية وشركات التأمين والشريك الاستراتيجي، لنعيش عملية انزياح متدرجة من ولاية السلطة التنفيذية والتشريعية، نحو سلطة مراكز رأس المال والمؤسسات المالية الدولية، في حالة يراد لها أن تفقد الاحزاب دورها كما تفقد السلطة التنفيذية والتشريعية ولايتها.
ندرك جميعاً الضرورة الموضوعية للتعددية، وأهمية أن يشكل الحزب السياسي المحرك المنظم لقوى المجتمع الفاعلة والشكل الأرقى من التنظيم السياسي الذي يتوقف عليه تفعيل واسناد القوى الاخرى المتمثلة بالنقابات المهنية والعمالية والتنظيمات والشبابية والفلاحية والنسوية، كما يقع على عاتق الاحزاب تنظيم العملية السياسية والتفاعل الديموقراطي الذي يسهم في تطور المجتمع والارتقاء بالعملية السياسية والمشاركة.
نقر بوجود أزمة حزبية، وتتحمل الاحزاب بالمعنى العام جزءا من المسؤولية عن تعثرها وتراجع حضورها، في ظل غياب قدر كاف من الديموقراطية في حياتها الداخلية، وإحجام عدد كبير منها عن طرح برامج عملية تلتصق بالهم الشعبي، وسط ازمات مالية تحد من نشاطها، إلا أن مشكلتنا دوما كانت مع القوى التقليدية والشد العكسي وتحالف طبقي يريد تأبيد احتكار الثروة والسلطة، حيث تتكشف عداوة هذا التحالف تجاه الاحزاب مع تفاقم أزمته الاقتصادية وتوجهه لفرض سياسات اجتماعية معادية للطبقات الشعبية، فيتعامل مع الحزبية كـ “وصمة” تستوجب الملاحقات الرسمية، وتستهدف الشباب بشكل خاص، تهدد حياتهم الاجتماعية وأمنهم التعليمي والوظيفي.
الخروج من هذه الازمة يستوجب الانطلاق إلى حوار وطني تقوده الاحزاب، لا يدعو إلى حل الاحزاب، بل إلى توافق وطني، يُفعل روح ونص الميثاق الوطني، ويشرع لقانون انتخاب معزز للحياة الحزبية والقائمة الوطنية، مع إعادة النظر في التشريعات الناظمة للحياة السياسية تفضي إلى تكريس المسار الديموقراطي وتوسيع قواعد المشاركة الشعبية.