ما بعد القرارات الاقتصادية

حالة من القلق والتوتر والاحتقان تسود الشارع الأردني على إثرالقرارات الإقتصادية الأخيرة، المتمثلة بفرض ضرائب جديدة على العشرات من السلع الأساسية، ورفع سعر الخبز. هذه القرارات من شانها أن تؤدي إلى المزيد من الفقر والحرمان وتآكل الأجور.

لم تقف الأمور عند حالة القلق والتوتر، بل سرعان ما انعكس ذلك بالعشرات من الاعتصامات والمسيرات التي عمت مختلف مدن المملكة.

لقد تنامت المطالب برحيل الحكومة وحل البرلمان الذي أخفق في الوفاء بأن يكون ممثلاً حقيقياً للشعب، وتحول إلى أداة طيعة بيد السلطة التنفيذية وصّوت بالموافقة على قانون الموازنة.

لقد بدا واضحا للجماهير الشعبية الأردنية، أن تلك القرارات لم تكن ممراً إجباريا بقدر ما كانت انحيازا طبقياً لصالح الأغنياء على حساب الفقراء. وأن ما نعانيه من أزمة هو في حقيقته ليس إلا نتاج التخبط في القرار، وفي الإدارة، وبشكل خاص منذ أن دخلنا مرحلة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة، وما رافق تلك العملية من علامات استفهام لا تزال تفعل فعلها، ولا يزال أثرها حتى هذه اللحظة، بحيث فقدت الدولة بسبب تلك السياسات المليارات من الدنانير وتفشى الفساد وانتعش الطفيليون. كل هذا في ظل حكومات منزوعة الولاية والدسم.

إن ما يميز الأزمة الحالية التي تعيشها البلاد، عن أزمة عام 89 ، أننا في أزمة ال89، شهدنا انفراجاً سياسياً ملحوظاً، الأمر الذي قاد إلى تخفيف حدة تلك الأزمة، ووفر فرصة معقولة لتجاوزها. إلا أن حكومتنا الحالية وبدلاً من المبادرة بالإصلاح السياسي الشامل وتوسيع مستوى الحريات العامة، فإنها لجأت الى سياسة تكميم الأفواه، والتضييق على الحريات العامة، والانخراط في سياسات تتناقض بالكامل مع المصلحة الوطنية الأردنية والأمن القومي العربي من خلال الإمعان بالسير بمشاريع ذات طابع استراتيجي مع الكيان الصهيوني.

وبدلاً من البحث عن مخارج لهذه الأزمة، مما يخفف من معاناة الناس فالحكومة وامعاناً في خيار الجباية الذي اعتمدت عليه، منذ مجيئها حتى الآن، راحت تشرع في الإعداد لقانون جديد لضريبة الدخل، بما يقود إلى توسيع دائرة المستهدفين، الأمر الذي يعتبر مساساً مباشراً بالطبقة الوسطى، وتجاهلاً بالكامل لتداعيات تلك القرارات على البنية الاجتماعية. حيث تنامت عمليات السطو المسلح على البنوك والمحلات التجارية والحكومية، وتنامى الإحساس لدى المواطنين بالغبن، وعدم الاهتمام بحاجاتهم من قبل الحكومة.

نحن نعيش في لحظة فارقة وعلى كل الصعد، والضغوط علينا من كل الاتجاهات عربياً ودولياً، ونحن نشهد ما تواجهه منطقتنا العربية من مخاطر التقسيم، واستهداف القضية الفلسطينية، التي تعيش مخاطر التصفية الأمر الذي يضعنا أمام خيارين، إما الاستمرار على ذات النهج الذي قادنا إلى الفقر، وضياع مؤسساتنا الوطنية، التي شكلت عماد ثروتنا وصمودنا الاقتصادي، أو التوجه بثبات نحو المستقبل من خلال نهج جديد، نهج ديموقراطي يقوم على المشاركة، وتمكين الشعب، وتعزيز دور الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، والسير في درب الشفافية، والمساءلة ، والتصدي الشجاع والجاد للفساد، وسوء الإدارة .. نهج يرفع من مستوى الحريات العامة وحرية الصحافة .. نهج يقوم على الاعتماد على الذات المنتجة، ومغادرة ثقافة الاستهلاك، وسياسة البذخ والهدر المالي. هذا النهج لا يقوى عليه إلا حكومة إنقاذ وطني تحظى بثقة الشعب وتملك رؤية الإبحار في ذلك الاتجاه.