من يختطف ليبيا!؟

اغتيال القذافي وسقوط الدولة الليبية في الفوضى

تتفاعل الأزمة الليبية منذ بداية شباط 2011، مترافقة مع بدايات الحراكات الجماهيرية فيما أطلق عليه الربيع العربي، ومع تحرك الشارع في بنغازي ضد النظام على شكل مسيرات، توجهت إحداها إلى مقر الكتيبة الأمنية وسط المدينة التي كان يتخذها القائد القذافي مقرا له أثناء تواجده في المنطقة الشرقية.

خرج الموضوع عن السيطرة مع أولى الرصاصات التي أطلقت لتفريق المتظاهرين الذين حاولوا اقتحام بوابة الكتيبة تبع ذلك عملية انتحارية بسيارة مفخخة، لتسقط الكتيبة في أيدي الشباب الغاضب، ثم تطورت الأحداث بتدخل الجامعة العربية وحلف الناتو بطائراته ومواكبة طيران إماراتي – قطري، وشملت الضربات جميع الأراضي الليبية مستهدفة وحدات الجيش الليبي، حيث نجح التحالف بإسقاط النظام واغتيال القذافي بصورة بشعة في 20 أكتوبر من نفس العام، فيما تحولت ليبيا إلى قاعدة ” للمجاهدين” وساحة مرعبة للفوضى والحرب الأهلية، ووقفت الدول الغربية تأجج الصراع، وتعيد ترتيب الحالة الليبية بما يوائم مصالحها، رغم تراجع التواجد المباشر للغرب ظاهرياً إثر اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي 2012.

د. موسى العزب

تتمتع ليبيا بموقع جغرافي مميز، وتتشارك بحدودها مع أربعة دول عربية مؤثرة في الخريطة الجيوسياسية للصراعات في الشرق الأوسط وهي مصر والسودان وتونس والجزائر، ولا تبتعد شواطئ ليبيا عن أوروبا بأكثر من 200 ميلا بحريا.

وتعد ليبيا من بين إحدى أغنى دول النفط في الإقليم، إذ تقدر احتياطاتها النفطية المؤكدة بـ46.6 مليار برميل، فجذبت أطماع الغرب والجماعات الإرهابية التي وسعت من نفوذها وصولا لتمدد “داعش” والقاعدة.. تعمق الإنقسام، ونشأ فراغ أمني، شكل تهديداً لدول الجوار، ومنصة للهجرة غير الشرعية، وقطع التواصل الطبيعي بين دول شرق وغرب الشمال الإفريقي.

  أسهمت الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي بضرب آمال بناء المجتمع المدني الموحد، وأطلقت يد القبيلة لتلعب دورا رئيسيا في تشكيل خارطة الانتماءات والولاءات، مما عزز من مشاعر معاداة الليبيين للعمل الحزبي والمدني المنظم، وقد أدى تقويض النظام وغياب الدولة إلى تشظي المجتمع وتحول المجاميع الاجتماعية المسلحة إلى صراع محموم على السلطة والنفوذ، يتداخل فيه الأيدلوجي الديني مع القبائلي العصبوي مع التدخل الأجنبي!

التقسيمات الفصائلية في الداخل الليبي

في إطلالة على الوضع الليبي حاليا، نلحظ انعدام وجود “كيان عسكري” مركزي موحد، أو كيانات إقليمية أو جهوية تسيطر على مناطق نفوذها بالكامل، وهناك تداخل كبير بين القوى المسيطرة وتبادل مواقع.

هناك حكومة طبرق “المعترف بها دولياً” ومجلس نوابها المنتخب عام 2014، والذي يترأسه عقيلة العبيدي، وتسيطر هذه الحكومة على معظم الشرق الليبي وجزء من الوسط والجنوب عقب تبنيها للجيش الوطني الليبي، بقيادة اللواء حفتر، والذي نجح تحت مسمى “كرامة ليبيا”، بتحقيق انتصارات هامة في معظم معارك محيط بنغازي والهلال النفطي، وتتحالف معه كتائب الزندان التي تتمركز في جبل الزاوية جنوب غرب طرابلس، بينما يتنازع الجيش حول بنغازي ودرنة، مع ميليشيات إسلامية اخوانية، “مجلس الشورى” وقوى سلفية، والقاعدة تحت مسمى “أنصار الشريعة” والتي حلت نفسها مؤخرا بصورة تكتيكية.

في الغرب، تبرز حكومة طرابلس الانتقالية، التي تقوم على صيغة تحالف يضم القوى السياسية والميليشياوية ذات التوجهات الإسلامية التي خسرت انتخابات 2014، حيث شكلوا مجتمعين ما أطلقوا عليه؛ المؤتمر الوطني العام وذراعه الضارب ” فجر ليبيا”، وتشكل جماعة الإخوان وتشكيلها حزب العدالة والبناء، عمودها الفقري، مدعومة من قبل كتائب غرفة عمليات ليبيا، ودرع ليبيا، كما وتقيم صيغة مقاولات عملياتية مع كتائب مصراته القوية في وسط البلاد، وتبرز هنا أيضا   الجماعة الإسلامية وزعيمها عبد الكريم بلحاج نزيل غوانتنامو السابق، وكل هذه القوى لا يعترف بها دولياً.

كتائب مصراته أو ما تسمى بالقوة الثالثة، عززت من وجودها مؤخرا بعد تحالفها مع القاعدة لطرد “داعش” من مدينة سرت بدعم عسكري أمريكي بريطاني، توظفها أمريكا في استدامة الفوضى والعمل على منع عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة والجنوب.

بالإضافة للصراع الدائر على الخريطة الليبية، تبرز الخلافات داخل التشكيلات الكبرى نفسها، فبين أطراف حكومة طبرق برزت تجاذبات حول أهلية تسمية اللواء حفتر قائدا للجيش الوطني الليبي وأحقية تحالفاته، كما ظهرت خلافات جدية حول توزيع الحقائب على الأقاليم الإدارية والسياسية وتمويلها وشغر مناصبها؟

وفي طرابلس، اندلعت خلافات حادة داخل صفوف المؤتمر الوطني وأطراف حكومة السراج حيال مجريات عملية الحوار السياسي وجدواه وتحديد مساراته، وتتأجج الخلافات بين التشكيلات العسكرية، وتتحول إلى اشتباكات مسلحة، وحملات اعتقالات وتنازع للسيطرة على المقار والمراكز والمطار الدولي.

بموازاة هذا الصراع والانسداد السياسي، تجري على الجغرافيا والمقدرات الليبية حربا شرسة بالوكالة، حيث يبرز تكتلا متماسكا يتشكل من تركيا وقطر والسودان، يدعم “طرابلس” وتشكيلاتها العسكرية، بالمال والسلاح والإعلام، ويتم استخدام حدود السودان مع ليبيا وبعض الموانئ والمطارات لإدخال الأسلحة وعناصر” داعش” الأجنبية والليبية الفارة من سورية والعراق إلى المدن الليبية الساحلية للتصدي للجيش  هناك.

أما تركيا الحاضرة منذ البدايات، فقد ازاداد حضورها بعد انهيار النظام، ودعمت حزب العدالة والبناء الليبي، ثم عينت مبعوثا خاصا لها لدى مجلس طرابلس منذ أيلول 2014، وشكلت الخطوط الجوية التركية “شريان الحياة”، كجسر جوي باتجاه مصراته.

في المقابل تقدم السعودية والإمارات ومصر، دعما لوجستيا واستخباراتيا لحكومة طبرق وللجيش الليبي، كما يقوم الطيران المصري بطلعات لضرب التجمعات الإرهابية بين الحين والآخر، فيما نقلت الأركان المصرية إلى الحدود طائرات استطلاع وإنذار مبكر ووحدات مدرعات ومدفعية.

خارطة الدول المنخرطة في الأزمة اليبية

تمارس كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا تدخلا متشعبا في الوضع الليبي، يتجلى بشكل خاص في الجانب الاستخباراتي والسيطرة النفطية، ويتواجد لها قوات خاصة تحت ذريعة مقاتلة تنظيم “داعش”.

وتلتحق بها شركات التأمين الخاصة وأعداد كبيرة من مرتزقة بلاك ووتر وتانجو سبيشال في شركات الحماية، اللتان تعملان على تأمين منشآت النفط وتجارة الأسلحة وتهريبها، وتتزايد حاليا احتمالات تدخل القوات الغربية العسكرية بشكل مباشر وقوي في محاولة لحسم الصراع باتجاه تأمين منابع النفط وخطوطه وموانئ تسويقه.

في حين أن الجار العربي المصري التونسي الجزائري، المتضرر من المشهد الليبي المأزوم، يرفض بشدة أي تدخل غربي  بالشأن الليبي، وقد أقامت تونس ساترا أمنيا على طول حدودها مع ليبيا، بينما أقامت القيادة العسكرية الجزائرية قاعدة عسكرية هامة في منطقتها الحدودية ونشرت فيها تجهيزات مراقبة ورصد ووحدات مدرعة وصاروخية.

مؤخرا، لوحظ وجود تغير في موازين القوى يميل لمصلحة الحكومة المنتخبة ودخول روسيا على خط تقديم الدعم للجيش الليبي، مما سيدفع مزيدا من الدول إلى الاعتراف بهذا الجيش واعتباره عاملا أساسيا في ضبط الأمن والحل السياسي.

في حل الأزمة الليبية، لا بديل عن التصدي للإرهاب وإبعاد المجاميع الأجنبية عن  الحالة الداخلية، وإطلاق مسار سياسي تفاوضي بين المكونات المجتمعية الليبية، يعزز من وحدة الدولة ودور مؤسساتها، ويبدأ بسحب المسلحين إلى مناطقهم وتسليم أسلحتهم ودمجهم في الحياة العامة ومؤسسات الدولة بصورة قانونية سلمية.