هل نحن بحاجة الى فلسفة نقدية – فكر نقدي – موقف سياسي نقدي ؟

كتبه: وائل حمدي أبو صالحة

للاجابة على هذا السؤال نحن بحاجة الى توطئة فلسفية مفادها – أن الفلاسفة والمفكرين، الذين ساهموا في بناء صرح الفكر النقدي الاوروبي، من طراز كانت, وماركس, ونيتشة , وهايدغر, وادورنو, وهابرماس, وفوكو , ودريدا ….الخ , من إنتاج فهم عميق للمسؤولية التاريخية للسؤال والنقد المرتبطين بالزمن الحديث.

وكيفما كانت الفروق الموجودة بين نصوص هؤلاء واختلاف مرجعياتهم المعرفية , وانتماءاتهم الايديولوجية والسياسية, فقد أكدوا جميعا, اعتمادا على الأسلوب المميز، أن النقد – بكل اشكاله ومستوياته ودلالاته – يمثل , بصيغ بالغة التنوع والتعقيد , كتابة للتاريخ ومساءلة له. ومهما بلغت تجريدية الفكر النقدي الحديث والمعاصر ونزوعاته الايديلوجية, أو تلك التي قد تبدو كذلك, فانه يسكنة قلق التاريخ, كما يجد المفكر والفيلسوف نفسه محاصرا بأسئلة الزمان والمكان, والانسان, والسلطة.

لذلك لم يسلم الفكر النقدي من النقد, فهو متورط في مستويات الفلسفة الحديثة كلها, بل ويمثل أساسا من أسس الفكر العصري. تعرض للتشكيك وللطعن, واقيمت له مناسبات لنزع المشروعية عن مناهجه, واساليبه.

ووجهت له تهم الاستقالة والاستكانة , والاقتصار على ادوار التوسط , او على شرح اعمال الفلاسفة والكتاب والفنانين وتفسيرها .

ولعل كثيرا من هذة المواقف والاحكام , ازاء النقد , تجد عناصر تبريرها في ما ينتج من الخطابات النقدية ذاتها , نظرا الى ما يقتضيه نمط التبادل الرمزي في السوق الفكري والثقافة لمجتمع ما , من مصالح معلنة او مستترة للفاعلين في عملية التبادل , ومنهم المفكر او الفاعل النقدي .

ويبدو ان النقد موجود , بشكل اصلي , في لعبة اللغة , وفي حركات ونظرات واعمال ناتجة من مسافة مولدة للاختلاف .

فكل نشاط يمكن ان يكون نقدا كلما برز معنى جديد , قادر على تغيير – او تعديل – منطوق نص او معنى او علاقات ما .

يستمد الفكر النقدي جدارتة , ويكتسب وظيفتة , ويستحق تسميتة كلما انتزع لذاتة فضاءا مناسبا في الانتاج الفكري والنظري والثقافي .

وذلك ما لايمكن الوصول الية من دون تفكير منتبة الى العمل الفلسفي والفكري , باعتبارة تفكيرا مجادلا , مساجلا , برهانيا , باحثا عن المعنى . فالنقد مثل اساسا مكونا لفكر الانوار الى جانب العقل , حيث تم توظيفة , في سياق الصراع بين القديم والجديد , والتمييز بين الصواب والخطا الى درجة تحول فيها الى محكمة , كما سماها كانت , او الى نقد مراقب , فان الفكر الحديث والمعاصر حول النقد الى نمط من الفكر , الى سلوك , بل الى علاقة اجتماعية يكسب فيها صفة التخصص المنتج لمعرفة يقظة .

لذا لقد اسهمت الفلسفة والعلوم الانسانية والفن في التاسيس المتجدد للسؤال , وفي بلورة تصورات نقدية للذات , والعالم , والمجتمع , والسياسة , ومنحت الفكر النقدي حضورا دائما من حيث هو يقترح على الفكر الانساني انفتاحات في منتهى الكثافة والغنى .

الخلاصة . لا يزال البحث الفلسفي والسياسي يستدعي نصوص كانت وماركس , والنظرية النقدية , ويستلهم فلاسفة وعلماء اجتماع معاصرين تركوا اثار لا حدود لها , من طراز – ميشال فوكو – وجيل دولوز – وبيير بورديو .

كما لا يتوقف التراث النقدي عن انتاج مفكرين نقديين من امثال – ايريك هوبزباوم , امارتيا سين , زيكمونت بومان – ريجيس دوبري , وكتاب وفنانين , وباحثين يساهمون , كل من زاوية نظرة وتخصصة ومجال عمله, في تعميق السؤال والحس النقدي, والحث على الكشف عن مفارقات وأوهام زمن العالم الذي تهيمن عليه الحسابات الجارفة للنيوليبرالية .