هل يمكننا كسب هذه الجولة من النضال الوطني !؟

في النضال الشعبي، لا مكان للإحباط أو اليأس..

لا نتائج سريعة، وخطوط السير ليست سهلة مستقيمة.

 قد نتقدم بسرعة أحيانا، وأحيان أخرى قد نحتاج لإبطاء الحركة قليلا والبحث عن حلول وبدائل.

خصمنا الطبقي شرس، ويتحكم بأدوات القوة، بداية بالإعلام وصولاً إلى الهراوة وقنابل الغاز والإعتقال، ولكن كل ذلك يهون أمام تحقيق أهدافنا بمحاربة الفساد والظلم، وإسترداد حقوقنا وكرامتنا.

مجلس النقابات قام بخطوة جريئة بكل المقاييس، ودعا لإضراب عام وإعتصامات، لاقى كل ذلك تجاوبا كبيرا، كل ذلك وفر منصة وطنية يجري عليها حراك وطني متعدد يتعمق ويتسع أفقه من الرمثا إلى العقبة.

سؤالنا ماذا بعد!؟

ليس أمامنا من خيار آخر سوى التصدي بشجاعة وإقتدار ومسؤولية لمهامنا الوطنية.

صحيح بأن مجلس النقباء قد قام بالخطوة الأولى مشكورا، ولكننا ندرك طبيعة بنية هذا المجلس، وحدود إنسجام أعضائة، وتفاوت الخبرة والإلتزام النضالي بين نقيب وآخر، لذلك قلنا شكراً للمجلس، ووضعنا أنفسنا جنودا لحراكه، وكنا ندرك بأن هذا يصلح للمرحلة الأولى، مرحلة الإنطلاق، ويجب أن يتبع ذلك شكلا أعلى من التنظيم، وأكثر إتساعا في المشاركة وتوفير عوامل الإستمرارية.

أمس أراد النواب جر النقباء إلى مستنقع المساومات وحرف النضال المطلبي الوطني ومتاهات التشكيك والتبديد بإقتراحات تسويفية، وسط رفض الحكومة التجاوب مع مطالبات سحب مشروع قانون الضريبة من مجلس النواب.

تم الإتفاق بين الأطراف على آلية لتعديل نظام الخدمة المدنية، ولكن مجلس النقباء بـ”المجمل”، بقي متمسكا بشرط رد مشروع”الضريبة”.

هذا جيد، ويبقي منطلقات الحراك قائمة..

التعمية، وعدم التواصل الدائم بين مجلس النقباء والشارع المحتج، أشاعت أجواء من التشكيك وإهتزاز الثقة بين الشارع ومجلس النقباء، وقد غذى هذه الأجواء، عدد من التصريحات والمواقف المتفاوتة، داخل المجلس وبين أعضائه، وحملة إعلامية مغرضة جائرة.

يتوجب علينا الآن، وبعد مرور خمسة أيام على الإضراب الكبير، وأربعة ليالي على الحراك الشعبي المتواصل، أن نقف.. نقيم المشهد والإنجاز، وننطلق في تحرك واضح المعالم ومدروس وهادف.

أولاً: من الواضح بأن حكومة “التبعية” لا تقبل أن تتراجع، لا عن مشروع قانونها، ولا عن مجمل سياساتها التدميرية بالحوار.

ثانياً: مجلس النواب قاصر وملحق بالكامل بالحكومة، وإذا تحرك فهو لإجهاض حركة الجماهير وبث الفرقة بين مكونات الشعب.

ثالثا:  مجلس النقباء ورغم بعض النواقص والهنات، ما يزال “بمجمله” في موقع الإنتماء للحراك وقيادته، وموضع ثقة وقادر على الإستمرار في تحمل مسؤولياته، ولكنه أيضا متمسك بشعارات “الإنطلاقة”، ولن يستطيع مغادرتها أو رفع سقفه ليتجاوب مع مطالب الشارع.. وهذا يمكن فهمه في إطار أجواء نقابية، تريد أن تحافظ على وحدتها، وتعتقد بأن هذين الشعارين ( ضريبة الدخل ونظام الخدمة المدنية) يندمجان بالكامل وبشكل مباشر مع مهام النقابات المهنية والدفاع عن مصالح أعضائها والدفاع عن مكتسباتهم، وفي هذه المرحلة ليس أكثر من ذلك.

رابعا: حركة شارع متصاعدة، بعد أن أدى إضراب الأربعاء، إلى إعادة الثقة بنفسها وقدراتها، وإسترجاع كرامتها، وهي محقة في أن لا ترى في مطالب النقابات المهنية إلا جزء من مطالب أعلى سقفا وإتساعا، تتناول النهح والسياسات الإقتصادية والإجتماعية، والفساد وهدر المال العام وقمع الحريات والنقوص عن الإصلاح السياسي.

أعتقد بأن المعضلة الرئيسية تقع هنا، مع التأكيد بأننا لا يجب ولا نستطيع أن نهبط بسقف المطالب الجماهيرية.

والسؤال الملح الآن: كيف يمكننا أن نجسر بين حرارة حركة الشارع، وبين حسابات النقابات المهنية وسياسات الباب الموارب!؟

كيف نوائم بين طرفي الحراك، مع الحفاظ على وحدته، وتعزيز الثقة بين أطرافه مع تطويره والإرتقاء بسقفه!؟

لا أحد هنا يمتلك وصفة كاملة، فحل المعضلة يحتاج إلى جهد وطني متكامل، يحتاج إلى عقد مؤتمر وطني واسع، تبادر لدعوته النقابات المهنية صاحبة المبادرة والسبق.. مؤتمر يشارك فيه الأحزاب والقوى ومؤسسات المجتمع المدني التي تتوافق بالأساس على الحد الأدنى المطروح من قبل النقابات، مؤتمر يعد برنامج متصاعد للحراك بتحشيد الطاقات الممكنه بإتجاه أهداف معينة مرسومة تتسع للتطوير!

نحن بحاجه إلى قيادة واعية صلبة نشيطة مشتبكة، تنبثق عن “المؤتمر”.. تعكس طبيعة الحراك ومكوناته، وتقيم أفضل تواصل إعلامي وتوعوي وتحريضي يومي، تصدر بيانها اليومي ونشرتها الدورية، وتتواجد في الميدان وتتصدر الصفوف..