مقالات

هوشي منّه

يعد هوشيه منه “المستنير باللغة الفيتنامية”، مثالاً حياً على قدرة فرد بسيط قادم من أصول متواضعة على تغيير الهوية الثقافية لبلد كامل؛ ذلك أنه يعد أول شيوعي فيتنامي.
نشر هوشيه منه فكره التنويري بين أبناء جلدته واستخدمه كسلاح لدحر الامبريالية عن بلاده.
ولد هوشي منه في قرية بسيطة من قرى فيتنام، تلك الدولة التي رزحت تحت نير الاستعمار الغربي الهمجي الذي امتص خيراتها، وجوّع شعبها البسيط الباسل. ولد في عائلة فقيرة لأب معلم ترقى بعد فترة ليكون قاضٍ في المقاطعة، وذاق مرارة اليتم صغيرا، ليشب عن الطرق بدون أم.درس تعاليم كونفوشيوس واللغة الصينية ولكن رفض استكمال دراسته في المدارس الفرنسية، وعلى الرغم من فساد أبيه الذي أساء استخدام منصبه كقاضٍ الذي تم على أثره فصله ومعاقبته، فإن هذا لم يفقد الصغير هوشي وجدانه المتيقظ ووعيه السياسي منذ نعومة أظفاره، ليشارك في سن العاشرة في تظاهرة ضد الضرائب المجحفة التي فرضتها الحكومة الفرنسية على الفلاحين.
بعد فصله من المدرسة المحلية بسبب نشاطاته النضالية، ورفض كل طلبات استكمال دراسته في وطنه الأم، سافر إلى فرنسا ليعمل طباخاً على الباخرة التي أقلته أملا في إكمال دراسته هناك، ولكن عندما قوبل طلبه بالرفض ذهب على نفس الباخرة إلى الولايات المتحدة الامريكية ليستقر في نيويورك، ثم بوسطن مدة سنتين متنقلا بين مختلف أنواع المهن البسيطة، قام خلالها بالاتصال بالمغتربين الفيتناميين ومشاركتهم همومهم النضالية الثورية أملا في تحرير بلادهم وتخليصها من الظلم.
ولكن لم يستمر به الحال طويلاً، فقد انتقل مرة ثانية إلى فرنسا البلد التي كان لها أكبر أثر في اعتناقه الفكر الشيوعي على يد رفيق فرنسي اسمه مارسيل كاتشين الذي ساعده على الانضمام إلى الحزب الاشتراكي.
وجوده في هذا الحزب أدى إلى بلورة اعتقاده بأن السبيل الوحيد إلى تحرير شعبه من السطوة الإمبريالية هي الشيوعية، فدرس مؤلفات لينين وكل ما له علاقة بالشيوعية، وشارك بتأسيس الحزب الشيوعي الفرنسي ليكون أول شيوعي فيتنامي في بلاده.
بدأ نضاله في سبيل تحرير بلاده عن طريق تمثيله فيتنام في مؤتمرات الحزب الشيوعي الفرنسي مستخدما كل ما يستطيع من وسائل لتوجيه الرأي العام نحو قضيته، فأنشأ صحيفة ناطقة بالفرنسية، لاقت رواجاً بين أفراد الشعب الفرنسي والشعوب المحتلة في الهند الصينية، وانتهاء بتأليف كتاب بعنوان “الاستعمار الفرنسي تحت المجهر”.
ثم غادر إلى روسيا طالباً المزيد من العلم والثقافة والنضال الثوري، من خلال المشاركة في مؤتمر الكومنترن في موسكو ممثلاً للحزب الشيوعي الفرنسي، حصل هناك على شهادته العليا وبقي حتى وفاة لينين ثم غادر متجهاً إلى الصين ليبدأ بالتحضير للحركات الثورية التي ستخوض الحرب ضد كل الاطراف الاستعمارية المتكالبة على فيتنام بدءاً من الاستعمار الفرنسي وانتهاءً بالاميركي إلى أن تقودها للاستقلال التام.
ولكن بعد انتشار صيته الثوري في الصين قام الإمبراطور المعروف بكرهه للفكر الشيوعي بملاحقته، حتى طرده إلى الاتحاد السوفييتي ولكن عاد الى الصين على إثر التحالف الذي حصل بين الشيوعيين والامبراطور لمواجهة الغزو الياباني للصين ليعمل مستشاراً عسكرياً في القوات الشيوعية الصينية ويبدأ ثورة شاملة على شكل حرب عصابات ضد الاحتلال الفرنسي–الياباني مع بدء الحرب العالمية الثانية.
لم يعد هناك أي مجال إلاّ أن يتحول النضال الفكري السياسي إلى حرب شرسة قوامها الآلاف من المقاتلين الشيوعيين الفيتناميين ضد الاستعمار الفرنسي–الياباني وتكبيدهم أفدح الخسائر رغم ضعف الامكانيات التسليحية.
تمكن هوشي منّه من إعلان الاستقلال من الاحتلال الفرنسي عام 1945 وإعلان ولادة جمهورية فيتنام الديموقراطية، الأمر الذي أغضب فرنسا ودفعها إلى فرض الأحكام العرفية والتي أدت إلى حالة من الفوضى عمت البلاد، ودفعت امبراطور الصين إلى الانقلاب على حلفائه الشيوعيين، مما حدا بهوشي منّه إلى إجراء معاهدات مع فرنسا أبقت فيها الاخيرة، فيتنام تحت سيطرة الجيش الفرنسي.
وبعد فترة وجيزة أعلن هوشي منه الحرب الشاملة على فرنسا باستخدام كل الإمكانيات البسيطة للشعب الفيتنامي بشتى أنواع الاسلحة، وطالت الحرب كل شبر من فيتنام لتستمر مدة 8 سنوات ونظراً لضعف التسليح استعان هوشي منه بالاتحاد السوفييتي والزعيم الشيوعي الصيني ماوتسي تونغ الذين وفرا الدعم اللوجستي، والقوات المقاتلة الصينية التي ساعدت في حسم الحرب ضد فرنسا إلى حين تأسيس جمهوريتين فيتناميتين، رأسمالية تحت اشراف الولايات المتحدة الامريكية وجنوبية تحت قيادة هوشي منه، لتقوم الولايات المتحدة الامريكية باغتيال بطلنا الثوري المناضل عن عمر يناهز 72 عاما قضى جلها في مكافحة الاستعمار والسعي نحو رفعة بلاده بشتى الطرق.
اغتيال القائد الثوري جاء رداً على إصلاحاته الكثيرة في المناطق الواقعة تحت قيادته وسعيه نحو توحيد دولة فيتنام الأمر الذي يتعارض مع الأطماع الاستعمارية للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن البذرة التي زرعها هوشي منه في مجتمعه أدت إلى استمرار النضال ضد الأطماع الأمريكية لغاية تحرير كل شبر من فيتنام، انتهى بتحرير مدينة سايغون التي أطلق عليها الشيوعيون مدينة هوشي منه تخليدا لذكرى زعيمهم الراحل.

كتبه: بيسان موسى العزب
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق