“وجهة نظر” انتخابات بلديّات الاحتلال، بين الخصوصيّة والهويّة / وسام الخطيب

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“الجولان سورية.. مش ناقصها هوية”، كان هذا أحد الهتافات التي هتفها أهل الجولان أثناء تظاهرهم أمام صناديق الاقتراع الصهيونية، على أراضيهم المحتلة، يوم أمس، 30 تشرين ثاني.. بعيدًا عن البرامج الانتخابية والسياسية، قدّم لنا الجولان السوري المحتل برنامجًا كفاحيًا تحرريًا مُتجّذرًا يتربّع على رأس “الخصوصيات” بين أراضينا المحتلة عام 1948 وعام 1967؛ برنامجًا أولى صفحاته الصمود على الأرض، وآخرها المواجهة.

في اليوم ذاته، وفي الوقت الذي أدى تظاهر أهالي الجولان المحتل ضد الانتخابات الصهيونية إلى إلغاء الانتخابات في قريتيّ بقعاثا ومسعدة في الجولان المحتل، وإصابات نتيجة قمع الأهالي وفضّ تظاهرهم بالقوة في قرية مجدل شمس، كان المقدسيّون يُعبّرون عن رفض تلك الانتخابات بالتحريض لمقاطعتها (انتخابًا وترشّحًا)، لكن لم يُفضي هذا الرفض إلى تحرّك في الشارع المقدسي على غرار الشارع الجولانيّ، بينما أهلنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 فكان لهم “اجتهاد” مُغاير ومتباين على حد سواء.

يتباين الموقف الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 48، بين رفض – أشبه برفض المقدسيين -، وبين قبول ولكن، أو ما أصفه هنا بـ”لعم”، وهو موقف يقول “لا” لوجود الاحتلال على أرضه، ويقول “نعم” للمشاركة في انتخابات ما يسمى بالمجالس المحلية، من على قاعدة تقديم خدمات أفضل للمجتمع الفلسطيني الذي يعيش في المدن الفلسطينية المحتلة، على اعتبار أن المجالس المحلية والبلدية “خدماتية” تختلف عن “الكنيست الصهيوني”.

لست هنا بصدد تقييم موقف الأهل في الأراضي الفلسطينية المحتلة 48، ولا لصرف صكوك كفاحية، فليس لديّ “كفاحوميتر” أقيس به المواقف، بل لأني شعرت أنه من واجبي الوطني الكفاحي أن أُفرغ ما بجعبتي، وأقول ذلك وفي ذهني كل ما قيل – وما سيقال – عن “خصوصية” للوضع الذي يعيشه الفلسطينيون في أراضيهم المحتلة عام 48.

هنالك نصفان للكأس في هذه الحالة؛ كلاهما فارغ؛ نصف سياسيّ ونصف خدماتيّ.

في النصف السياسي، سأضع بين أيديكم مقاربة قد يراها البعض بعيدة، لكنها ترتبط بشكل أو بآخر بـ”اجتهاد” المشاركة في الانتخابات الصهيونية اليوم، وهنا سأقتبس ما نشرته مجلة الهدف (11/1998)، عن ندوة للدكتور جمال زحالقة، بعنوان (أوهام الثقافة في اليسار الإسرائيلي).

“نشأ اليسار الصهيوني كتيار في الصهيونية، في أحشاء الحركة الصهيونية، وشارك في إنجاح وإنشاء المشروع الصهيوني في فلسطين. وحتى العام 1967 استعمل تعبير اليسار الصهيوني للتدليل على ذلك التيار في الصهيونية الذي تبنى الاشتراكية والماركسية، وما ميّزه هو محاولاته للتوفيق بين الفكر الصهيوني والفكر الاشتراكي، حتى يضيع في الناتج، الطابع الكولونيالي للصهيونية. وبهذا المعنى يمكن القول أنها اشتراكية استيطانية، ولعبت دورًا وظيفيًا في تثبيت الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ونشرت في الفترة الأخيرة أبحاثًا تؤكد على أن القيم الاشتراكية التي تبناها هذا التيار كانت بممارسات، أي على أرض الواقع – التعاونيات والكيبوتسات – أنجع الطرق لمواجهة المقاومة العربية، بمعنى أنها اشتراكية وظيفية آلية، قبل أن تكون قيمية… أما الحلم السياسي لليسار الصهيوني فهو دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية علمانية، غربية الثقافة.”

“…إذا أردنا أن نأخذ مجمل مواقف اليسار الصهيوني من الحل الدائم نرى أن الحقوق اليهودية شيء مطلق بالنسبة له كحق الوجود والسيادة، فيما الحقوق الفلسطينية فهي شيء نسبي، فمن حقهم إحضار كافة يهود العالم فتلك مسائل لا يمكن مناقشتها، وعلى الحقوق الفلسطينية أن تلائم نفسها بعد أن تشبع الدولة اليهودية رغباتها وطموحاتها.” انتهى الاقتباس.

بمقاربة الاقتباس أعلاه، نصل إلى أن “النضال السياسي الفلسطيني” داخل تلك المجالس لتعزيز الوجود الفلسطيني ونيل المزيد من الحقوق، مع التنويه على أننا نتحدث هنا عن أبسط الحقوق الإنسانية المعيشية / الخدماتية، هو نضال في أحسن أحواله مراوحة في المكان بالنسبة للنضال التحرري، وبعيدًا عن الفعل التراكمي الذي سيؤدي بالضرورة إلى التغيير المنشود (التحرر).

بالعودة إلى الجولان، نجد أن أهالي الجولان اليوم أعادونا لمربع الصراع الأول؛ الحارس للهوية الوطنية، مربع التحرر الوطني، فلو وضعنا برنامج الجولان الوطني، المتمثّل في التحرّك على الأرض اليوم، في كفّة، والبرامج الانتخابية الفلسطينية في الكفّة الأخرى، لرجحت كفّة الجولان بلا شك.

في خضم كل تلك “الخصوصيات” والتناقضات، وفي واقع مُعاش محكوم بقانون وحدة وصراع الأضداد، فإن هذا النضال “الخدماتي” يضيع في المحصلة “الطابع الكولونيالي” للاحتلال، ويُقزّم النضال الوطني التحرري لأصحاب الأرض في مواجهة المستعمر الصهيوني إلى نضال حقوقي خدماتي، ناهيك عن إضفاء الشرعية للاحتلال فالمجالس البلدية بنهاية المطاف هي مؤسسات للاحتلال تخدم مسرحيّته الديمقراطية.

أما فيما يتعلق بالنصف الخدماتي، فسأستعين بمادة الباحثة الفلسطينية يارا سعدي، بعنوان (يوتوبيا “اختلاف حيفا” ومحاولة ترويض الجسد الفلسطيني)، التي نشرها موقع جدلية ضمن ملف خاص بالتعاون مع مؤسسة “القوس” الفلسطينية.

“تعتبر مشاريع “التجديد الحضري” على أشكالها من أبرز الظواهر النيوليبراليّة في تخطيط المدن، إذ تهدف علنًا إلى تحسين أوضاع حارات “فقيرة” ذات ميزات خاصة (أي صفات قد تجعلها “جذابة” في السوق مثل الهندسة المعمارية للبنايات أو الموقع الجغرافي للحي) بواسطة شركات من القطاع الخاص، وذلك بهدف رفع أسعار العقارات فيها. إلا أن النتائج المباشِرة المضمرة، هي عملية الاستطباق (السراوة أو التطهير الطبقي Gentrification)  – تغيير الطابع السكاني للحي وذلك من خلال إدخال مشاريع ثقافيّة وترفيهيّة، تطوير البنية التحتيّة وجذب المستثمرين والسماسرة، مما يرفع أسعار العقارات وبالتالي يؤدي الى ترحيل سكانه المُهمَّشين. فبينما يُعرض التجديد الحضري كمشروع لا سياسي، تكنقراطي، فهو يوفّر في الواقع امتيازات للطبقة العليا على نحو بنيوي ويعمق الفجوة بين فئات المجتمع. أما عمليّة تهجير الطبقة الفقيرة فتحدث من خلال ممارسات قمع مختلفة، من رفع أسعار الإيجار وحتى تجريم أفرادها من أجل دفعهم إلى الخروج من “النظام الحضري” وذلك من خلال تكثيف المراقبة عليهم وتواجد الشرطة.”

“الشظايا المتبقية من شارع يافا “القديم” تشي أولا بالعنف المجدول في “يوتيوبيّة” المكان. فبعد العنف المباشر لأهالي الحي من خلال عمليّة الاستطباق، توفّر البلديّة حيّزا عاما وحضريا يرحب بالشباب العرب، إلّا أنّه مصمّم وفق الأهداف النيوليبراليّة ويرتكز على الأيديولوجية الصهيونية. فالحيّز الجديد مشروط بتلبية حاجاته – أن يكون رواده مستهلكين جيدين، وأن تبقى الهوية سطحيّة وفرديّة تُمارس فقط في السياق الاستهلاكي. وأن يتمّ الفصل بين ماضيه الفلسطيني ومعانيه في الحاضر الجديد “الإسرائيلي”. كما ويتم إعادة تعريف “العربي” المسموح والمشرّع به في الحيّز “المتحضر” من أشخاص وثقافة، ويتحول “العربي” من كونه لبّ هوية المكان إلى صفة تٌستخدم لإنجاح المشروع الاستهلاكي المسمى بـ”البلدة التحتى”. هذه من ناحية ومن ناحية أخرى، فرغم “إعجابهم” بالمكان، يعبرّ رواده عن شعورهم بالاغتراب فيه. كما تصبّ محدودية الممارسات في إطار الـ”وجع” وضمن “المستحيل” والمشاعر التي “نرغب بنسيانها” حسب تعبير الرواد. أما قدرة الرواد أو الزبائن على التأثير على الحيّز فتصبح مصطنعة. إذ كيف يحدث تغيير أو “مقاومة ثقافية” في إطار وعي مبني على “النسيان” وممارسة محدودة بالاستهلاك وهوية مشروطة بالفردانيّة؟”. انتهى الاقتباس.

تشرح سعدي مما لا يدع مجالًا للشك – أو الاجتهاد – أن الفلسطينيين بالنسبة للاحتلال مستهلكون في أفضل حالاتهم (هذا من ناحية الخدمات). ومن جهة أخرى، مع أخذ قانون “القومية” بعين الاعتبار، من المعروف أن هذه البلديّات والمجالس المحلية بصلاحيات تمنحها سلطات الاحتلال، ومنها صلاحيات التخطيط العمراني والميزانيات وإدارة الموارد، تلك الصلاحيات المحكومة بطبيعة الحال لعملية الاستطباق.

شخصيًا، لا أملك اليوم إجابة أكثر تفصيلًا ووضوحًا عن البديل “الخدماتي” لشعبنا في الجولان المحتل، والقدس المحتلة، والأراضي المحتلة عام 48، لكن من الممكن – مثلًا – أن تقوم اللجان الشعبية ببعض هذا الدور، قدر المستطاع والمتاح، ولا يغيب عن بالي هنا كل ما يقال، ويُعاش، من اختلاف في الظروف الذاتية والموضوعية، وإن كنت أرى أنه لا اختلاف بالظروف الموضوعية، فهو احتلال واحد.

ما حصل يضعنا أمام حاجة وطنية مُلحّة للجلوس معًا، والتعلم من تجاربنا وخصوصياتنا المختلفة، بذلك نصل إلى الحل الأنجع الذي يخدم أبناء شعبنا بعيدًا عن الحاجة للوجود في مؤسسات الاحتلال.

في النهاية، يجدر التنويه أنه لم يُسجّل التاريخ أن شعبًا يقبع تحت الاحتلال نال حقوقه التحررية بالنضال السياسي “الديمقراطي” تبعًا لمسطرة الاحتلال.. بالنسبة لي، في هذه الحالة، وفي كل الحالات، القاعدة رقم 1 تقول: استفت الوطن ولو أفتوك.. ولتحيا “الخصوصية” الوطنية، لأن القدس وحيفا ويافا وعكا وأم الفحم فلسطينية مش ناقصها هوية!

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.