وقفة مع التحديات الاجتماعية المقبلة / ماجد توبة

ترك تكرار وتزايد حوادث السطو على بنوك ومحال تجارية خلال الأسابيع القليلة الماضية قلقا وشعورا سلبيا عاما في المجتمع. ولا تغرنك بعض التعليقات والسخرية التي تترافق أحيانا ووقوع هذه الجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهي لا تعكس النزوع الطبيعي للناس برفض الجريمة والعنف والفوضى وعدم قبول الخروج على القانون الذي يمكن أن يحوّل الحياة إلى غابة وضياع للحقوق والأمن.
وبعيدا عن نظرية المؤامرة التي تروج أحيانا في بعض الأوساط لتفسير تزايد وتكرار جرائم السطو الصادمة الأخيرة، التي تم ضبط أغلب مرتكبيها سريعا بحمد الله، فلا شك أن هذا التزايد في هذا النوع من الجرائم، يقرأ ضمن سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحاصلة في المجتمع، والضغوط المعيشية جراء القرارات الاقتصادية والغلاء واتساع شرائح الفقر والبطالة، ناهيك عن انتشار ثقافة الثراء السريع ومحاكاة الأفلام ونماذج عالم الجريمة في الغرب لدى شرائح شبابية يائسة ولديها نزوع جرمي.
لأسباب موضوعية كثيرة، أعتقد أن لا مستقبل لمثل هذا النوع من الجرائم في الأردن، وقد لا تتعدى بعد أشهر قليلة أن تكون زوبعة في فنجان، يمكن محاصرتها والحد من انتشارها عبر اجراءات أمنية وقانونية على مستوى الاجهزة الرسمية، وتنظيمية ووقائية على مستوى المؤسسات والمحال. إلا أن ذلك يجب أن لا يغرقنا في الطمأنينة والعسل فالأخطر من شكل الجريمة المتمثلة بالسطو المسلح هو توطن البيئة الاقتصادية والاجتماعية المناسبة والمهيئة لانتشار الجريمة والانحراف والخروج على القانون!
لا شك أن حجم الضغط والعبء على مديرية الأمن العام والأجهزة الأمنية قد تضاعف، بل وسيزداد أكثر لمواجهة التحديات والتداعيات التي تتسبب بها السياسات والقرارات الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية، سواء أكان ذلك على مستوى مكافحة الجريمة أو على مستوى محاولة احتواء الاحتجاجات والتعبيرات الشعبية والقطاعية ضد تلك السياسات والقرارات، خاصة في ظل تراجع دور السياسيين وتهرب العديد منهم من المسؤولية بعد اتخاذ القرارات والسياسات التي تجلب وراءها تداعيات أمنية وسياسية واجتماعية عديدة.
ما يجب أن يقلق اليوم هو أن ثمة بلا شك تداعيات سلبية للسياسات الاقتصادية والتردي المعيشي على المستوى الاجتماعي لشرائح واسعة، ما ينذر باتساع مشاكل وانحرافات اجتماعية وأخلاقية وانواع معينة من الجريمة، ستحتاج لما هو أوسع وأعمق من الاجراءات الأمنية والشرطية لاحتوائها ومواجهتها، سواء من قبل الدولة ومؤسساتها أو من قبل المجتمع ومؤسساته الاجتماعية والأهلية ومن قبل ميسوريه الماليين.
على مستوى الحكومة والدولة فقد قيل الكثير في سياساتها الاقتصادية والمطلوب منها لمواجهة الاثار السلبية معيشيا واجتماعيا على الشرائح الفقيرة والمتوسطة في المجتمع، لكن ذلك لا يعني أن نهمل اهمية الدور المجتمعي والخيري، وأيضا المسؤولية المجتمعية للمؤسسات الاقتصادية والطبقات الميسورة، بمواجهة الآثار السلبية والاعباء الكبيرة التي ستلقى على كاهل الطبقات الفقيرة والمحتاجة، لتحصينها من الوقوع في براثن الانحراف وما لا تحمد عقباه، وبما ينخر اساسات المجتمع ويفسخه.
الجميع يقر بحجم الأعباء والتحديات التي لم توفر حتى المؤسسات الاقتصادية الكبيرة في القطاع الخاص وشرائح اجتماعية واسعة كانت ظروفها الاقتصادية سابقا تمكنها من ممارسة دور اجتماعي وخيري مناسب، وربما لم تعد في ظل الظروف الحالية قادرة على ممارسة ذات الدور، لكن مع ذلك فإن المجتمع والعديد من مؤسساته الخاصة والاهلية قادرة على الإبداع بالبحث عن تعزيز دورها المجتمعي والاستمرار بالعطاء والاسهام قدر الامكان بالحد من غلواء وآثار السياسات والقرارات الاقتصادية العامة.

نقلا عن الغد