أخبار فلسطين

وداد عاروري.. نساء مناضلات صنعن التاريخ ونسيهن الزمن

حاورتها: مداليا العفوري

قصتها والحكاية… تشكلت ملامحها منذ البداية.. ولدت من رحم الثورة والإصرار .. إنها المناضلة وداد عاروري التي التقيناها في منزلها المتواضع في عمان لتروي لنا قصة امرأة تلخص حكاية شعب وثورة.

النشأة والطفولة…

ولدت وداد عاروري في مدينة القدس عام (1938م)، ودرست الابتدائية في المدرسة الاسلامية فيها.

من بيت الطفولة هناك مرّ الشهيد القائد عبدالقادر الحسيني، حيث تمت مساعدته للفرار من الجيش البريطاني المحتل من داخل أسوار القدس القديمة إلى خارجها. فكانت هذه الحادثة بمثابة الدرس الأول في النضال..

عند حدوث مجزرة دير ياسين القريبة من بلدتها، اضطرت عائلتها للرحيل إلى قرية ” بيت دقو “، وفي بداية الخمسينيات من القرن الماضي هاجرت العائلة ثانية إلى الأردن تاركة قبلها مع وطن عشقته.

كانت وهي في المدرسة الابتدائية تقود المظاهرات المنددة بالمجازر الصهيونية وهي لم تتجاوز الثالثة عشر عاماً، وتم طردها من المدرسة أكثر من مرة لمواقفها السياسية، ورغم تفوقها الدراسي إلا أنه تم ترسيبها بامتحانات المترك آنذاك.

العمل…

بعد تخرجها من المدرسة، رفض وزير التربية تعيينها في البداية، ثم حاولت جاهدة لانتزاع حقها في العمل، فتم تعيينها بمدينة الكرك بقرية الجوزة لدون درجة عاشرة وبراتب (18) دينار و (5) دنانير بدل غربة.

بعد ذلك تم نقلها إلى بيت عور ( التحتا) برام الله كمديرة مدرسة وتحقق حلم حياتها بالعودة إلى (البلاد).

برزت وداد كناشطة، فشكلت المرشدات للفتيات، والتدريب بالدفاع المدني استعداداً للحرب المتوقعة، وعندما بدأت حرب حزيران 67 بدخول ” الإسرائيليين ” بالحطّات الحُمر لإيهام المواطنين أنهم من الجيش الأردني، قامت العاروري بتشكيل لجان خاصة بالدفاع المدني لتنظيف المغر بالكاز وفرشها بالحصر.

عملت وداد على مداواة الجرحى باستخدام أدوات بدائية والمساعدة في توليد الحوامل، وكانت عنصراً أساسياً لتهريب الجنود حيث قامت بتهريب (81) جندي من قرية بيت دقو مع العائلات النازحة حتى وصلوا إلى القيادة في عمّان.

الجندي بخيت قبلان…

الجندي الأردني بخيت قبلان الذي كان قد أصيب في المعارك وعهدت وداد لمداوته والاهتمام به ومراعاته حتى يستطيع أن يقف على رجليه ويشفى.

بقي قبلان فترة من الزمن يتلقى العلاج بأبسط الأدوات المتاحة، وخوفاً من معرفة مكانه عندها، أعلنت وداد موته وقامت بتهريبه إلى مغارة في عين جنة غرب البلد، وظلت وداد (16) يوم تذهب إليه لمداواته وتغيير الجرح وتنظيفه وبعدها تم تهريب قبلان إلى الاردن.

العودة إلى الأردن…

جاء والد وداد مشياً على الأقدام من منطقة الخان الأحمر ما بين أريحا والقدس إلى الضفة الغربية لرؤية ابنته وداد وقد اصطحبها رغماً عنها لتعود إلى العائلة في الأردن، وعند قطع الجسر لعبور النهر إلى ضفته الشرقيه جلست على صخرة تتأمل وتملي عينها بنظرات أخيرة للوطن، وتصف وداد العاروري تلك اللحظة بأصعب لحظات حياتها، لحظة مفارقة الأرض والوطن…

رجعت للعمل في التربية كمديرة مدرسة في وادي السير وظلت تمارس نشاطها السياسي والوطني ومحاولة اقناع المعلمات للانضمام للعمل الوطني.

لقاء جمع بين وداد ومحمد عبداللطيف كراجه…

التقت وداد بزوجها محمد عبداللطيف لأول مرة في رام الله واتفقا على العمل الوطني سوياً، وقد كانت اللقاءات تتم في بيت فايز ابن خالة محمد عبداللطيف، وكانا يجلسان معاً للحديث وتبادل الآراء وقد أعطاها كتاب ” الثورة الفيتنامية وتجارب الشعوب ” ومن ثم توالت اللقاءات لأكثر من مرة لمناقشة الكتب عن الماركسية والبيان الشيوعي مع مجموعة من الشخصيات كمسلم بسيسو وعبداللطيف جبارة وعبدالعزيز الوجيه ( قائد كتيبة اليرموك) وسمير الخطيب (قيادي في جيش التحرير) وشوكت الهندي إلى جانب محمد عبداللطيف (مسؤول سياسي بكتيبة اليرموك)، حيث كانت وداد عاروري الفتاة الوحيدة بينهم. 

عملت وداد معهم كعنصر نسوي فاعل في البناء الفكري والتأثير على الإطار الصديق والتوعية بأهمية العمل الوطني لتحرير الأرض والانسان.

وتشكلت المنظمة الشعبية لتحرير فلسطين وكانت وداد أول فتاة بالعمل الفدائي والتدريب على السلاح.

 ولادة هيثم وأحداث أيلول (1970)….

رغم انجابها طفلها الوحيد هيثم إلا أنها لم تنقطع عن العمل من أجل القضية الفلسطينية فكانت ترضع ابنها وتتركه وتذهب للنضال لمداواة الجرحى في حي المصاروة مع زميلاتها يسرى الكردي وأمل الكرمي التي استشهدت في تلك الأحداث.

في عام (1970) جاء قرار عزل وداد عاروري عن العمل وإعتقال محمد عبداللطيف وصدور قرار بالإعدام…. وبعد محاولات ووساطات للعدول عن القرار، تدخل ذوقان الهنداوي (سفير الأردن) في الكويت آنذاك للمطالبة بعدم إعدامه، وتم تحويل القرار إلى الإبعاد.

الإبعاد إلى فنزويلا

في 18/3/1975 وصلت وداد إلى فنزويلا بعد أن كان محمد عبداللطيف قد سبقها إلى هناك، لم تيأس وداد وظلت تحيا لأجل القضية حتى وهي بعيدة، فاستعادت قواها من جديد وعملت على تدريب الطلاب العرب المقيمين في فنزويلا اللغة العربية والتاريخ.

شاركت المدرسة التي أسستها وداد في يوم الطفل العالمي باسم طلاب فلسطين، وفي تلك الاثناء عملت وداد جاهدة لتشكيل أول إتحاد للمرأة العربية في فنزويلا وأمريكا اللاتينية، وانتخبت لدورتين متتاليتين كرئيسة لجمعية النجدة الفلسطينية في فنزويلا بمشاركة بعض النساء العربيات.

في تلك الأثناء تم تشكيل أول خلية للجبهة الديمقراطية في فنزويلا وكانت تشارك التنظيمات الفلسطينية والعربية في العمل الوطني الفلسطيني وإحياء جميع المناسبات الوطنية الفنزويلية والفلسطينية والعربية. ومن أجل القضية الفلسطينية ساهمت وداد في إنشاء لجنة التضامن الفنزويلية مع الشعب الفلسطيني.

العودة إلى الأردن… 

” جاء قرار وداد للعودة إلى عمان كونها الاقرب إلى هواء يافا الذي نتنفسه على حد تعبيرها ” وعينت عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني عام (1985)، ولكن نتيجة للمضايقات عليها قررت الرجوع إلى فنزويلا.

لقاء تشافيز ومانديلا                                                                                                                                                                                                        

عندما قامت ثورة تشافيز واعتقاله عام (1992) كانت وداد ومحمد عبداللطيف من أشد المعجبين بارائه ومن متابعيه، وعند خروج تشافيز في جولة توعوية ووصوله إلى محافظة “كرابوبو” كانت وداد ومحمد من أوائل الناس الذين وقفوا لسماع خطاب تشافيز.

ومن يومها تعرفت وداد ومحمد عبداللطيف على تشافيز واصبحا يستضيفانه في بيتهما وتم تشكيل لجنة لمتابعة دعم تشافيز.

عينت وداد عام (2006) كمستشارة لسفيرة فنزويلا في سوريا وانتقلت للإقامة هناك.

وأثناء خطاب تشافيز في مؤتمر حضرته وداد، خاطبته وداد قائلة:” يا ولدي لست وحدك فالعرب كلهم معك”

فردت رئيسة إتحاد المرأة الفنزويلية (بناءً على كلمة وداد فإن تشافيز هو ابن لكل امرأة مناضلة).

عام (2007) التقت وداد مرة أخرى تشافيز في سوريا بحضور الرئيس بشار الأسد وعدد من السفراء وقتها، حيث قال تشافيز (أنا تعلمت القضية الفلسطينية في بيت فلسطيني) في إشارة إلى بيت وداد ومحمد عبداللطيف.

كما قامت وداد وأثناء إلقاء نيلسون مانديلا خطابه في مؤتمر لجنة التضامن الأمريكيه اللاتينيه- والتي كانت وداد عضو فيها – بالصعود على المنصة وألبسته الحطة الفلسطينية فهتف مانديلا قائلاً: “تعيش فلسطين”.

المحطة الأخيرة…

استقرت وداد في عمّان وهي لا تزال تمارس نشاطها الوطني من خلال عملها في إتحاد المرأة الأردنية في دار الضيافة ومسؤولة لجنة حق العودة إلى جانب مشاركتها في كافة الفعاليات الوطنية.

سافرت مؤخراً إلى فنزويلا في زيارة لولدها هيثم، وذلك بعد وفاة زوجها محمد عبداللطيف. وكعادتها لم تنقطع عن العمل من أجل القضية الفلسطينية فشاركت في رسم جدارية الإنتفاضة في فالنسيا تضامناً مع انتفاضة السكاكين الفلسطينية. ودعت وداد فنزويلا بكلمات أخيرة من قائد في الجيش الفنزويلي قائلاً (سيدتي … فنزويلا بلدك الثاني وفلسطين بلدنا الثانية، أنتم تناضلون من أجل تحرير فلسطين ونحن نناضل من أجل إلغاء أكذوبة فلسطين أرض بلا شعب فأنتم الفلسطينيون أصحاب الأرض).  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق