مقالات

الدولة القومية في ظل العولمة/ بقلم: مداليا العفوري

العولمة بما تضفيه من صفة العالمية وتوسيع دائرته لتشمل العالم، تأتي تعبيراً عن النزعة الإنسانية نحو التعارف أو التفاعل، وتعكس كذلك إرادة القوي في توجيه الاستفادة من هذه التفعالات لصالحه على مستوى العلاقات الدولية.

شهد العالم مع سقوط الاتحاد السوفيتي تحولاً كميّاً وجذرياً في أنماط النظم التي تحكم العلاقات بين الدول والتي لا تقتصر على زيادة كثافة التفاعلات وتسارعها فحسب، وإنما أصبحت تؤثر في نوعية هذه التفاعلات.

نظام عالمي … ومفاهيم جديدة

إن نظام الدولة الحديثة يقوم على أساس الاعتراف، على أن كل دولة هي المرجع السياسي الوحيد، وحدها تملك رقعة محددة جغرافياً، تعتبر الدولة الإطار المهيمن للحكومة وأن من أهم شروط قيام الدولة هو اعتراف الدول المتبادل بسيادتها.

دخل العالم مرحلة جديدة آلت إلى نظام ينفصل فيه التحكم عن رقعة الأرض، حيث أصبح هنالك هيئات مختلفة تسيطر على مختلف أوجه التحكم، والبعض منها خارج عن السيطرة.

إن إبرام الاتفاقيات على المستوى الدولي والدخول في تحالفات أدى إلى تراجع مفهوم السيادة الذي لم تعد فيه الدولة تفرض سيطرتها وتحكمها داخلياً، وإنما بسط سيادتها جاء من:

1_ بعد مؤتمر وست فاليا (1648م) أصبحت الدولة صاحبة السيادة التي لا تعلوها سيادة، وتعتبر السيادة السيد القانوني الذي تستند إليه الدولة في مباشرة صلاحياتها الداخلية والخارجية وممارسة وظائفها داخل مجالها الجغرافي.

2_ خارج الدولة، من جانب آخر فإن اعتماد الاتفاقيات العالمية متمثلاً في القانون الدولي الجديد خلق علاقة جديدة بين السلطة ورقعة الأرض، باعتبار الدولة جماعة سياسية ذات القدرة على ضبط أي نشاط تقع ضمن نظام السلطة الشرعية بمفهومها المعاصر.

3_ إن تأثير العولمة على سيادة الدولة يجعل منها كياناً هامشياً ليس له القدرة على السيطرة والتحكم في ضبط عمليات تدفق السلع والأموال والأفراد والمعلومات عبر حدودها، إضافة إلى تراجع دور الدولة في ضبط الجرائم المالية والاقتصادية التي تنتج.

اقتصاد كوني جديد… وتدهور السياسة لصالح الاقتصاد

إن الثورة التكنولوجية وما رافقها من تطور في مجالات عدا (الاتصالات، المواصلات، اقتصادية، عسكرية، ثقافية….) أـدى إلى تغيير في مفهوم الدولة القومية، حيث عملت العولمة على تذويب الحدود الجغرافية، وسهولة في حركة الأفراد والسلع والأفكار والقيم عبر الحدود القومية، وربطت بين الاقتصاديات والثقافات بروابط تتجاوز سيطرة الدولة على مجالها الوطني.

إن بروز قوى وتكتلات إقليمية وعالمية أخذت تنافس الدولة في مجالها السياسي كمنظمة التجارة العالمية التي حلّت محل أنظمة الإنتاج الوطنية وتشرف على النشاط التجاري العالمي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات وعابرة القارات.

أصبحت هذه المؤسسات الاقتصادية قوة قادرة على إعادة رسم الخارطة الاقتصادية والتحكم بالأسواق العالمية وتوجيه السياسات والقرارات على كل دول العالم.

إن القوة الاقتصادية العالمية المتمثلة بالشركات المتعددة الجنسيات تمارس ضعفاً على الحكومات خاصة في دول العالم الثالث، حيث يفوق رأس مال شركة واحدة إجمالي الدخل القومي لأكثر من دولة مجتمعة.

حلّت الجغرافيا الاقتصادية محل الجغرافيا السياسية، وأصبح لها اليد العليا في رسم السياسات الخارجية للدول وتحديد مصالحها القومية وصياغة برامج أمنها القومي، محكومةً بأساس المنافسة الحرة في الأسواق التي تقضي الشرعية على نتائج الأسواق خارج نطاق حدود الدولة القومية بمفهومها التقليدي وفي ظل تغول الاقتصاد وتحكمه بالعالم على حساب السياسات القومية.

“العولمحلي” وثقافة العولمة…

أحدثت العولمة تغييراً في مفاهيم القومية التي تعتبر الجسر الذي يربط بين الثقافة والسلطة وتضفي على هويته السمات المميزة التي تربط الأمة كوحدة ثقافية.

إن ثورة المعلومات وسرعة التواصل مع الآخر، جعل من الأقليات داخل الدولة تعرّف بأنفسها بالداخل وتتواصل مع الخارج مطالبة بحقوقها للوصول إلى أهدافها، وأصبح فيها الفرد “المواطن” ينتمي إلى أكثر من ثقافة، فيكون عضواً في أكثر من هيئة أو منظمة دولية نتيجة الانفتاح الكبير الذي قرّب المسافة بين ثقافات العالم المختلفة وما رافق هذا الانفتاح سرعة انتشار الأفكار والمعتقدات والصور والجريمة والمخدرات والتلوث.

لم يعد المجتمع ذلك الإطار الاجتماعي الذي يقوم على عادات وتقاليد وقيم وتراث ذات خصوصية، وإنما سيطرت الثقافة الجديدة وحلّت محل الثقافة القديمة بكل ما تحمله من تغيير في أفكار وسلوكيات الأفراد.

تعتبر الثقافة المعولمة من أكبر التحديات التي تهدد وجود الدولة بمفهومها التقليدي والتي تعتبر ثقافته المكون الأساسي لهوية وانتماء الأفراد لدولتهم القومية، وبدوره فإن ذوبان الحدود الجغرافية جعل من السهل انتقال خصوصية المجتمعات من قيم وأزياء وتراث وطعام وجعل المحلي عالمي “عولمحلي” وانتقاله من موطنه الأصلي إلى مناطق مختلفة من العالم.

تشهد الدولة القومية تراجعاً ملحوظاً فأصبحت أقل استغلالاً وأقل سيطرة على حدودها الجغرافية، وأقل قدرة على ضمان حماية وصون التجانس الثقافي المكون الأساسي لتماسك الدولة.

أضحت الدولة القومية في العولمة شبيهة ” البلدية ” التي تقدم الخدمات والتسهيلات العامة التي يحتاجها النظام الاقتصادي العالمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق