بورتريه

رمضان عبد الله شلح.. أمين الجهاد

ودعنا في مطلع الشهر، المناضل الكبير، رمضان عبد الله شلح، قائداً فذا كبيرا بحجم القضية، استطاع أن يتقدم بمنظمته رغم الضربات الصهيونية المتوالية، ليثبت بأن فلسطين ولادة.. يسقط قائد، فيأتي آخر يرفع الراية ويكمل المسيرة.
عقيدة لا تتزحزح وإيمان راسخ بتحرير فلسطين. لم يضيع الوقت بالبحث عن مسارب خارج الهدف الرئيسي، فعملية التحرير بالنسبة إليه؛ «تنطلق من الاشتباك المتواصل مع العدو الصهيوني ومقارعته المفتوحة.. هكذا يتم تراكم القوة وانضاج التجربة»، وسط إيمان ثابت بإرادة الشعب الفلسطيني، وقدراته غير المحدودة على التضحية والصمود، وثقة بصلابة الحلفاء الحقيقيين الأوفياء لفلسطين، في إيران وحزب الله.. وكان يكرر معركة واحدة.. عدو واحد.

قائد سياسي وفكري وميداني، يشرف بنفسه على التدريب والتجهيز في المعارك المفصلية، يكون حاضرا ليل نهار وفي تواصل مستمر مع الميدان بأدق التفاصيل، يمتاز بفكر إداري متقدم، وفهم تكتيكي عالٍ، وتنسيق دقيق مع الحلفاء، يصل إلى حد تشكيل غرف عمليات مشتركة.
وصف بالتزمت، ولكنه كان عمليا براغماتيا، بمعنى القدرة على قراءة خريطة الصراع وأطرافه وموازينه وراهنيته وآفاقه، ثم يعمل على وضع البرامج للتأثير بها وتغيير معطياتها. جمع بين الخط الوطني المقاوم الصلب، وبين الإستراتيجية العالية والعقل التحليلي.. بين التواضع الجم، وبين الكاريزما العالية والثبات.
ولد القائد المقاوم رمضان عبد الله شلح، في مخيم الشجاعية في غزة في العام 1958،
ينتمى الفقيد لأسرة محافظة مكونة من ١١ شخصا، وتزوج عام 1990 في دولة الكويت، وله من الأبناء أربعة.
تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في قطاع غزة، وبعد حصوله على الثانوية العامة انتقل إلى مصر ودرس الاقتصاد وحصل على البكالوريوس بجامعة الزقازيق عام 1981.
دخل د. رمضان شلح مجال العمل السياسي والحركي من البوابة الجامعية عندما التقى أثناء دراستة الجامعية في مصر، بالدكتور فتحي الشقاقي الذي أهداه كتب لقادة الاخوان المسلمين كالبنا وسيد قطب، ودعاه للدخول في الجماعة ضمن مجموعة صغيرة تسمى الطلائع الإسلامية. إنضم رمضان لهذا التنظيم، ثم أقنع صديقة بمغادرة التنظيم؛ وشكلا الجهاد الإسلامي في العام 1978: «تحرير فلسطين يتطلب الإستقلالية، وعدم الإرتباط بتنظيم ذي مرجعيات عابرة للأوطان».
عاد إلى قطاع غزة وعمل أستاذا للإقتصاد في الجامعة الإسلامية مطلع الثمانينات، وعرف هناك بخطبه الحماسية، ودعوته للكفاح المسلح ضد الإحتلال، مما جعل سلطات الإحتلال تمنعه من العمل وتفرض عليه الإقامة الجبرية عام 1983.
سافر إلى بريطانيا لإكمال دراساته العليا في لندن حيث نشط دعويا هناك، وحصل عام 1990 على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة درم. إنتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تولى إدارة مركز دراسات الإسلام والعالم، في ولاية فلوريدا، وعمل أستاذا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة جنوبي فلوريدا في الفترة 1993-1995.
تولى عدة مهام داخل حركة الجهاد، وانتخب أمينا عاماً للحركة بعد إستشهاد قائدها ومؤسسها فتحي الشقاقي عام 1995، واستمر كذلك حتى مرضه عام 2018، عندما خلفه في المنصب زياد النخالة.
عام 2003 أدرجته الإدارة الأميركية ضمن قائمة من تعدهم «إرهابيين» بموجب القانون الأميركي، وصدرت في حقه لائحة تضم 53 تهمة من المحكمة الفدرالية الأميركية الإقليمية، كما وضعته عام 2007 في قائمة برنامج «مكافآت من أجل العدالة» الذي يعرض مكافآت لمن يساعد على اعتقال مطلوبين، وعرضت مبلغ خمسة ملايين دولار لاعتقاله. وبرز اسم الدكتور رمضان شلح بعد توليه قيادة الحركة كواحد من أهم المطلوبين «لاسرائيل».
رأى بأن فلسطين هي الهدف، وأن المفاوضات والمهادنة والتقرب إلى الغرب لن يحرر شبراً واحداً، وأن المقاومة هي الطريق الأكيد إلى التحرير، وأن الإنتماء إلى محور المقاومة هو الخيار الاستراتيجي الوحيد.
كان يفتخر بشباب الجهاد الاسلامي، وقدرتهم على تطوير ثقافة مقاومة جسورة.
نأى بنفسه كليا عن سير المفاوضات واتفاقية أوسلو وتبعاتها واستحقاقاتها، ورغم تمسكه بشعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، إلا أنه يحسب له حرصه على الوحدة الوطنية الفلسطينية وتقديم مبادرات لتحقيق ذلك، واحتفاظه بعلاقات وثيقة مع الجميع. لم يتوقف عن تقديم انتقاداته للسلطة والحالة الفلسطينية بأدب سياسي ملتزم، وشكل علمي وموضوعي. ورغم وجود خلافات مع حركة حماس، وخاصة فيما يتعلق بترتيبات الهدن، والحلول المرحلية، إلا أنه كان يعزز علاقاته مع الحركة في ميدان استمرار المقاومة وتطوير فعاليتها.
إمتلك موهبة واهتمام أدبي، وأتقن الجملة المكثفة المعبرة، ويقول المقربون إليه، بأنه كان من اقترح على حزب الله، إطلاق تسمية «الوعد الصادق» على عملية أسر جنديين اسرائيليين لمبادلتهما بأسرى الحزب، وأسرى عرب.
من وحي تجربة عيشه في الولايات المتحدة الأمريكية، كان يكرر: بأن المجتمع الأمريكي يعيش تناقضات داخلية عميقة، وأن ما تقرره أمريكا ليس قدرا. ويدرك بأن مصير القضية الفلسطينية لا تعتمد على انتظار تناقض يظهر بين «اسرائيل» وأمريكا، «فلن يزحزح اسرائيل عن موقفها وتحرير فلسطين إلا الكفاح المسلح والقوة».
في مساء يوم السبت الموافق 6 حزيران 2020، رحل الدكتور رمضان شلح، بعد صراع مع مرض عضال، ليترك خلفه تاريخا ممتدا من النضال لأجل فلسطين، ووسط حضور فلسطيني وعربي مقاوم، وأممي حليف، شيع جثمان الفقيد الراحل إلى مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك في دمشق، حيث ووري التراب باحتفال جماهيري ورسمي كبير، وهتافات رفاقه، بالوفاء للمسيرة المظفرة للقائد، حتى التحرير والعودة.

بواسطة
بقلم د. موسى العزب
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق