فكر

بين تانيا والثورة طلقة من سلاح

للوهلةِ الأولى، يُخيل لك أنه اسم إحدى الأساطير اللواتي رصّعن التاريخ بلجين انتصاراتهن التي تغنّت بها القصص والروايات الملحميّة، كانت أسطورة من نوعٍ آخر، بأسمائها وشخصياتها المتعدّدة. لكن هايدي تامارا بونكيه (Haydee Tamara Bunke)، مارتا أو لاورا، أتقنت دورها حد البطولة، ولدرجة جعلتها متخفية لفترة طويلة خلف تلك الأسماء فيتتوريا (Vittoria)، هايدي، تمارا أو تانيا (Tania) دون أن يعرف أحد بالأمر، لكن الاسم الأكثر شهرة والذي لحق ارنستو “تشي” غيفارا إلى بوليفيا هو تانيا المُحاربة (Tania la guerrillera).
بدأت القصة في أوائل الستينات بعد انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو مؤسس حركة 26 يوليو، وذلك عندما ارتأت الحركة والحزب الشيوعي الكوبي ومن منظور أممي واستكمالًا لما ارتآه رسول الاستقلال خوسيه مارتيه*1 والذي جاء متوافقًا مع بيان الحزب الشيوعي الكوبي وتوصيات القائد الأممي ارنستو تشي غيفارا بنشر تجربة الثورة الكوبية في أرجاء أمريكا اللاتينية والعالم عن طريق تجهيز الميدان في عدد من الدول من خلال عدة عمليات استخباراتية (نذكر منها عملية الشبح وعملية الظل)، الأولى كانت لمساعدة تدريب وتسليح اليسار المقاتل في بوليفيا، جيش التحرير الوطني (ELN)*2 والثانية لدعم فرقة التشي الثانية في الأرجنتين بقيادة القائد خورخي ماسيتتي*3 وجمع المعلومات الاستخبارتية في كولومبيا، البيرو والأروغواي، بهدف حماية المصالح الكوبية ومنع أي أعمال إرهابية ضد الحكومة الثورية حديثة العهد. في بادئ الأمر كان العمل استخباراتيًا بحتًا، حيث قامت الاستخبارات الكوبية بتجنيد مواطنين لاتنيين مقيمين في هافانا تحت قيادة وإشراف القائد مانويل بينيرو (Manuel Peñero) المشهور باسم اللحية الحمراء، المسؤول الثاني للاستخبارات العسكرية MM، القطاع M، وتم تكليف الرفيق أوليسس استرادا (Ulises Estrada)*3 فيما بعد بتجنيد تانيا.
وُلدت تانيا في الأرجنتين لأب ألماني وأم بولندية في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1937، والداها كانا عضوين في الحزب الشيوعي الألماني إلى أن وصل الحزب النازي إلى الحكم، ومن ثم انتقلاه إلى العاصمة الأرجنتينية نتيجة الملاحقات الأمنية وكَون والدتها يهودية الديانة. فيما بعد انضما إلى الحزب الشيوعي الأرجنتيني وهذا ما هيأ لتانيا أو تمارا في حينها الظروف الموضوعية المناسبة ومن خلال الجو العائلي لتكوين الأيدولوجيا السياسية الصلبة. كانت تمارا رياضية عالية الأداء، وطالبة نجيبة، واهتمت منذ الصغر بتاريخ أمريكا اللاتينية والموسيقى الفلوكلورية اللاتينية. في أوائل الخمسينات عادت العائلة إلى ألمانيا، وبدأت حينها تمارا في صقل لغتها الألمانية. وفي عام 1953 بدأت دراسة العلوم السياسية في جامعة هومبولت في برلين الشرقية وشاركت في العديد من الهيئات والأطر الحزبية والجماهيرية*4 وكانت من المنظمين للمهرجان العالمي للشباب والطلاب في فيينا وبراغ وموسكو وأخيرًا هافانا، كوبا. لقد مكّنها اتقانها لعدة لغات، إذ كانت تتحدث اللغات الروسية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية بطلاقة فضّلًا عن سرعة تعلّمها، من إنجاز المهمات بسهولة وإيجاد مكان لها في قسم العلاقات الخارجية في منظمة الشباب الألماني الحر، حيث كانت تستمتع بالترجمة للوفود التي كانت تصل من هافانا وخصوصًا بعد انتصار ثورة 1959 الكوبية.
التقت تمارا التشي في ألمانيا الشرقية، في عام 1960، عندما كان مقاتل حرب العصابات الشهير (التشي-CHÉ) مسؤولًا عن وفد تجاري يمثل الحكومة الكوبية. كانت تمارا في الثالثة والعشرين من عمرها وكانت مترجمته الخاصة.
في مايو 1961، وصلت تمارا إلى الجزيرة الكاريبية بدعوة من الباليه الوطني الكوبي. بعد ذلك تقدمت لدراسة الصحافة وعملت في وزارة التربية والتعليم وفي المعهد الكوبي للصداقة مع الشعوب، وفي المديرية الوطنية لاتحاد النساء الكوبيات. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى انضمت تانيا للميليشيات، وارتدت ملابس ميدانية (الأخضر الزيتوني) وشاركت في الأعمل التطوعية للثورة الكوبية.
تم على مدار عاميين (من عام 1961 إلى العام 1963) من التحقق من هوية تمارا ومرشحات أخريات للانضمام للعمل السري، على الرغم من وجود دلائل وبراهين ودوافع أخلاقية وسياسية واستعداد تانيا التام للتضحية من أجل حرية أمريكا اللاتينية. بعد أن وصلت التقارير لبينيرو ومن ثم للتشي وفي ليلة الأول من مارس/ آذار 1963، أخذت حياتها منعطفًا أقفل بقية أيامها، حيث استدعاها رئيس المخابرات العسكرية بينيرو وطلب منها التخلي عن العمل العام والاستعداد للحياة السرية، وتم تكليف أوليسيس استرادا (Ulises Estrada) بتجهيزها وعندها تحولت إلى لاورا غوتيريز. هذا الجزء من القصة قرر مسيرتها السرية القصيرة المكتظة في نفس الوقت والمرتبطة بالكفاح المسلح من أجل تحرير الشعوب. في نفس العام بدأت تدريبها في مهام المخابرات في أجهزة الاستخبارات الكوبية وتبنت اسم الحرب تانيا، تكريمًا لسوجا أناتولجوانا، الروسية البالغة من العمر 18 عامًا والتي حاربت بنفس الاسم المستعار ضد النازيين.
في عام 1964 وصلت إلى لاباز(العاصمة البوليفية) سرًا باسم لاورا غوتيريز باور. كانت المهمة السرية التي عهدت بها حكومة كوبا، وخاصة التشي، هي إقامة علاقات مع الطبقة الحاكمة والجيش البوليفي لتهيئة ظروف الانفتاح لصالح جبهة حرب العصابات. صفاتها كعميلة سرية، وذكاؤها، وجاذبيتها، وقدرتها على التحدث بأربع لغات، والعديد من المواهب الفنية (كالعزف على الجيتار والأكورديون) والرياضة، بالإضافة إلى شخصيتها المميزة، وقدرتها على التمويه والقدرة على تفسير أغانيها، جعلت تانيا تخترق الدوائر السياسية. والجيش البوليفي دون صعوبات.
فعلى سبيل المثال، ارتبط اسم لاورا بشخصيات فنية بارزة، أحدها الرسام مويسيس تشاير(Moisés Chire Barrientos)، أحد أقارب بارينتوس اورتونيو (Barrientos Ortuño). كان على صلة بجونزالو لوبيز مونيوز(Gonzalo López Muñoz)، رئيس مكتب الإعلام الوطني في الرئاسة.
كانت قدرتها على التسلل لا حدود لها، فقد كونت صداقات مع ألفريدو أوفاندو كانديا (Alfredo Ovando Candia)، وزير الدفاع في ذلك الوقت. واقتربت من دوائر السلطة من خلال إعطاء دروس خاصة باللغة الألمانية لأطفال النخبة الوطنية، مما سمح لها بالحصول على معلومات مفيدة لحركة حرب العصابات بقيادة التشي في بوليفيا.
كانت منضبطة في المهام السياسية التي تُطلب منها، لدرجة أنها تزوجت من مهندس بوليفي للحصول على الجنسية. على الرغم من أن حب حياتها، أوليسيس استرادا، كان في كوبا. في عام 1966 تم قبولها كمقاتلة في الحزب الشيوعي الكوبي، ولكن طموحها كان أن تصبح مقاتلة في الميدان مع التشي.
في مارس/آذار 1967 ، تحققت أحلام تانيا. تحت قيادة القائد خوان فيتاليو أكونيا نونيز (juan Vitalio Acuña Núñez)/ “هواكين”، وانضمت لحرب العصابات في بوليفيا لتصبح المرأة الوحيدة في الحملة الثورية.
تشير القصة إلى أنه في أبريل/نيسان 67، قُطعت الاتصالات مع الجبهة الخلفية لفرقة هواكين، باءت بالفشل كل المحاولات لاعادة الاتصال بهم ولم يستطع الفصيل الالتقاء بفرقة التشي.
في 31 أغسطس/آب، تعرضت مجموعة هواكين، التي كانت تانيا فيها، لكمين من قبل دورية عسكرية كانت تعسكر في الأحراج بالقرب من النهر، بعد أن قدم اثنان من المنشقين عن حرب العصابات معلومات عن موقع هذه المجموعة للجيش.
عندما عبر المقاتلون الثوريون نهر ماسيكوري، بدأ إطلاق النار. -حسب شهادة أحد الجنود البوليفيين- كانت تانيا قبل الأخيرة في العمود المتقدم عبر النهر، وفور خروجها من الأحراج تفاجأ الجنود بها، امرأة شقراء، جميلة ترتدي زيًا عسكريًا مموهًا بعتاد عسكري كامل وبملامح غاضبة. فور سماع العيارات النارية قام أحد الجنود بإطلاق النار عليها، ويقول لا أعلم إن كانت قد استطاعت إطلاق النار نحونا أو لا، فسرعان ما عانق جسدها المياه المتدفقة عبر النهر عندما عبرت رصاصة رئتيها بالقرب من قلبها الخافق واختفى جسدها بالنهر نتيجة تدفق المياه. تم العثور عليها بعد ستة أيام –حسب الرواية البوليفية الرسمية-. عشقت تانيا السلاح فبندقيتها لم تُفارق ظهرها يومًا، لكنها استشهدت قبل أن تتمكن من إطلاق رصاصتها الأولى. المأساوي في القصة أن تانيا ورفاقها سقطوا شُهداء على بُعد كيلومتر واحد من مجموعة التشي.
أعلنت السلطات الرسمية البوليفية رسميًا عن خبر استشهاد تانيا في السابع من سبتمبر /حزيران عام 1967 فيما بعد تم نقل جثامين الشهداء، تشويهها وإخفائها في منطقة فايي غراندي (Vallegrande).
لم يكن وجود تانيا في حرب العصابات عرضيًا، فهي كانت ممن أحب التشي واعتنق أفكاره كجميع الذين رافقوا حركة حرب العصابات وأن التغيير كان ممكنًا في بوليفيا: تغيير اقتصاد التبعية، وسياسة الخضوع، والظلم الاجتماعي، ونظام صحي محتكر على النخبة. القناعة العميقة فقط هي التي يمكن لها أن تدفع الناس إلى بذل أنفسهم جسدًا وروحًا في سبيل قضية ما. الآن، اليوم في بوليفيا (بفضل إيفو موراليس) وكنوع من الوفاء وحفاظًا على هذا الإرث الثوري، تقوم وزارة الصحة بواجباتها، حيث تقدم الصحة المجانية في جميع أنحاء البلاد.
على الرغم من مرور السنوات، يحتفظ السكان المحليون من فايي غراندي (Vallegrande) بصورة صوفية للمرأة الوحيدة في مجموعة حرب العصابات تحت قيادة التشي. بين الأسطورة والواقع تبقى تانيا أسطورة حية. حيث تتناقل رواية بين السكان المحليين أن العصابات الثورية تغادر النهر عندما يكون هناك ضباب بسلة كبيرة من الزهور والفواكه.
بعد ما يقارب الأربعين عامًا تم استرداد رفات الشهداء، الرفاق الذين سقطوا في بوليفيا وتم إخفاء جثثهم بطلب من وكالة الاستخبارات الأمريكية وبعد عملية بحث دامت تقريبًا ثلاث سنوات وتم دفنهم إلى جانب شهداء الثورة الكوبية في ضريح يُحاكي مكان استشهادهم الثورة في مدينة سنتا كلارا في عام 1998 ضمن حفل استقبال يليق بالشهداء.
*1 خوسيه مارتيه: كان شاعرًا وفيلسوفًا وكاتبًا وكاتبًا وصحفيًا ومترجمًا وأستاذًا وناشرًا كوبيًا ، يعتبر بطلًا قوميًا كوبيًا، وأحد رموز الاستقلال الذي كان له دور في تحرير بلاده، وكان شخصية مهمة في أدب أمريكا اللاتينية. استشهد في حرب الاستقلال الثانية عام 1895.
*2 جيش التحرير الوطني (ELN): أو عصابات نياكاهوازو Ñancahuazú نسبة إلى النهر الأمازوني المار من المنطقة، كانت مجموعة رجال العصابات البوليفيين والكوبيين بشكل رئيسي بقيادة تشي غيفارا والتي كانت نشطة في مقاطعة كورديليرا في بوليفيا من 1966 إلى 1967.
*3 أوليسس استرادا (Ulises Estrada): داماسو خوسيه تاباريس Dámaso José Lescaille Tabares ، المعروف باسم Ulises Estrada Lescaille وُلد في سانتياغو دي كوبا، 11 ديسمبر 1934 وتوفي في هافانا، 26 يناير 2014، كان ثوريًا وكوبيًا استخباريًا ودبلوماسيًا وصحفيًا.
*4 اكتسبت تانيا الخبرة التظيمية و العملية من خلال انضمامها للحركة الطلابية من خلال صفوف الحزب الاشتراكي الألماني الموحد/ المنظمات الشبابية ومنظمة الشباب الألماني الحر (FGY)، والتحقت فيما بعد بالاتحاد العالمي للشباب الديمقراطي (WFDY).

بواسطة
د. وطن جميل العبد،
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق