فكر

خطوط التَّوازن والنِّقاط المرجعيَّة في رواية “أَنيموس” لصفاء أَبو خضرة

ستفشل بعض الجمل اللُّغويَّة في بعض اللُّغات الَّتي لا تحمل صفة التَّذكير والتأنيث في عمليَّة الإيصال المباشر، وستحتاج إلى تدخُّل السَّارد أَحياناً من أَجل إيضاح المقصود، وقد يُعدُّ ذلك من قبل بعض علماء اللُّغات قُصوراً في اللُّغة، مستندين إلى أَنَّ التأنيث والتَّذكير صفات كامنة في الأَصل، تمَّ تحويرها عبر الزَّمن، حتَّى لو بدا الأَمر في التَّقسيم اللُّغويِّ عشوائيَّاً لا يقبل التَّفسير، وحتَّى لو كان هناك تناقض في تلك العمليَّة بين اللُّغات نفسها، كأَن نجد كلمة ما، دلالة، مذكَّرة في لغة، ومؤنَّثة في لغة أُخرى، وسنجد أَيضاً أَنَّ بعض اللُّغات تعدَّت ذلك الأَمر إلى ما وصفته “المحايدة” كاللُّغة الأَلمانيَّة والروسيَّة مثلاً، الَّتي وضعت ما بين المذكَّر والمؤنَّث جملة من المسمَّيات “المحايدة” الَّتي لا تنتمي إلى هذا الجنس أَو ذاك.

ما الَّذي تعنيه الهويَّة حين تخضع لميزان التَّذكير والتأنيث والمحايدة؟ وهل يوجد ثمَّة ما هو محايد بالفعل؟ خارج دوائر التَّذكير والتأنيث؟ وهل يمكن القول إنَّ المحايدة جنس آخر لا ينتمي إلى أَيٍّ من الجنسين، أَم إنَّه جنس منبثق عن تداخل الجنسين إلى درجة التشوُّش؟

يؤكِّد كارل يونغ العالم النَّفسيُّ السويسريُّ أَنَّ ثمَّة نمطاً أَوليَّاً أُنثويَّاً لدى الرَّجل دعاه أَنيما، ونمطاً ذكوريَّاً أَوليَّاً لدى المرأَة يُدعى أَنيموس.

قد يُعدُّ العمل الرِّوائيُّ النَّاجح هو ذلك العمل القادر على الاستفادة من عمق النَّظريَّات الإنسانيَّة المطروحة، واختبارها جديَّاً، عبر الذَّهاب بها إلى أَعمق أَبعادها، ودراسة انعكاساتها، سواء على الفرد أَو المجتمع، وترك الأَسئلة تتدفَّق بلا توقَّف من خلال ذلك الاختبار، وقد تُعدُّ نوعيَّة الأَسئلة المطروحة اختباراً قاسياً للنصِّ يمكن لنا أَن نحاكم النصَّ من خلالها، والحكم عليه، إذ إنَّها انعكاس لوعي الكاتب بالضَّرورة، وثقافته الَّتي يحاول من خلالها أَن يخترق مسلَّمات المجتمع.

هل يوجد حياة بلا تضادٍّ؟ بل هل يوجد ضدٌّ دون ضدِّه؟

لا يمكن للوعي البشريِّ أَن يكوِّن فكرة عن حالة دون الإحاطة بضدِّها، من هنا يمكن القول إنَّ تعريف الحالة لا يكتمل دون تعريف الضدِّ الملازم، الَّذي يقع في خانة النَّقيض، بل إنَّه يُعرَّف من خلالها، لكنَّ السُّؤال الَّذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن لنا أَن نفهم الذُّكورة على أَنَّها الضدُّ المقابل للأُنوثة؟ ولماذا عليها أَن تكون كذلك؟

لقد قوَّضت النَّظريَّة النسبيَّة الكثير من مسلَّمات البشر، والمعرفة المطلقة، والحقائق، وما زالت تفعل ذلك حتَّى اللَّحظة، وحتَّى تصبح في يوم ما قادرة على تقويض مفهوم المستوى الدِّيكارتيِّ نفسه الَّذي يخدع الوعي، حين يُعدُّ من المسلَّمات، ونقطة المرجع الثَّابتة، والاتِّجاهات تبعاً لتمركزها، سنفترض أَنَّ نقطة المرجع هذه متحرِّكة لا يمكن لنا في الحقيقة الإحاطة بموقعها، وتحديد اتِّجاه حركتها بكلِّ تلك البساطة الَّتي نفترضها، أَي أَنَّنا سننحاز للمتحرِّك على حساب الثَّابت، وأَين سنجد ثمَّة متحرِّكاً حقيقيَّاً أَكثر من ذلك الخطِّ الفاصل بين الذُّكورة والأُنوثة حسب تعريف يونغ للمسأَلة؟

أَليست مقولات يونغ نخراً في منطق أَرسطو؟ أَلم يعتمد أَرسطو على نقاط ثابتة؟ أَولم تحاول صفاء أَبو خضرة في أَنيموس أَن تقوِّض قوانين أَرسطو الأَربعة في المنطق الصُّوري:  الهويَّة، وعدم التَّناقض، والوسط الممتنع، والقياس؟

” واحد منَّا عليه أَن يموت، أَنا أَو أَنتَ” تفتتح صفاء روايتها بهذه الجملة الَّتي تقودنا مباشرة إلى قانون من قوانين الدِّيالكتيك: وحدة وصراع الأَضداد.

سيبدو الأَمر للوهلة الأُولى كذلك، أرسطيَّاً بامتياز، وسيتوه القارئ طويلاً في هويَّة المُخاطب قبل أَن يكتشف الحقيقة، وأَنَّ المُخاطب هو الذَّات، تيم ذاته الَّذي يخاطب ذاته ويقف معها على الطَّرف النَّقيض في لحظة تشوَّش كامل، واندغام يصل حدَّ الفجيعة، تيم الميت سريريَّاً، الَّذي يقاوم الموت عبر أَجهزة تنفُّس صناعيٍّ، يقف في لحظات الموت كي يحاسب ذاته بذاته، فيجد أَنَّه لا يستطيع التَّفريق بين القاضي والجاني، بين القاتل والضحيَّة، فكلاهما هو، وكلاهما ملتصق بطريقة لا يمكن خلخلة نقطة الاتِّصال بينهما، إذ إنَّ إدراك نقاط الاتِّصال المتحرِّكة أَشبه بمعجزة لا يمكن الوصول إليها.

يؤكِّد فرويد على أَنَّ شخصيَّة الإنسان تتبلور من خلال ثلاثة أَنظمة فاعلة هي: الأَنا، والهو، والأَنا العليا، وأَنَّ أَيَّ خلل يصيب أَحدها سينسحب بالضَّرورة على الشَّخصيَّة بمجملها، وتطرح صفاء السُّؤال التَّالي: ماذا لو تداخلت هذه الأَنظمة وسقطت الحدود الفاصلة بينها؟

ماذا لو ابتلع “الهو” “الأَنا” و”الأَنا العليا” هل سيحتفظ بملامحه ذاتها؟ ومنطقه ذاته أَم إنَّه سيتَّخذ شكلاً جديداً علينا أَن نقف أَمامه لنفهم ماهيَّته؟ حسناً، سيذهب السُّؤال إلى أَبعد من ذلك بكثير: هل ثمَّة ما تبقَّى فينا إنسانيَّاً من الأَنا والأَنا العليا أَم إنَّ الهو هيمن على واقعنا تماماً؟

“واحد منَّا عليه أَن يموت….”

سنفهم ضمناً، فيما بعد أَن الواحد هو الكلُّ، وأَنَّ السُّؤال إذا أَعدنا طرحه بطريقة أُخرى سيكون كالتَّالي: هل أَستحقُّ الحياة؟

ستتدفَّق المعطيات بعد ذلك نهراً من شظايا، تيم الَّذي فقد العضو الذَّكريَّ في الرَّابعة من عمره أَثناء عمليَّة ختان فاشلة، سيفقد هويَّته، ويتأرجح بين الحبِّ والكره، بين الذُّكورة والأُنوثة، بين الحياة والموت، لكنَّ تلك المسيرة ستؤكِّد فيها صفاء أَنَّ ما يبدو للعين أَضداداً ليس كذلك، وإن اعتدنا عبر موروثنا في الوعي أَن نشعر به بتلك الطَّريقة، فلا يوجد حدٌّ فاصل بين الرُّجولة والأُنوثة، في الأُنثى يعيش الرَّجل: أَنيموس، وفي الذَّكر تعيش الأُنثى: أَنيما، والخطُّ المتحرِّك يؤرجح تيم/تيماء بينهما بلا توقُّف.

ثمَّة خلخلة مقصودة للنِّقاط المرجعيَّة الَّتي تُعدُّ ثابتة بالنِّسبة للبشر الآخرين- وهي ليست كذلك- وكسر للنَّمط الدِّيكارتيِّ المألوف القائم على التَّقابل والتَّوازن، في كلِّ مرَّة لصالح حالة من الحالتين، وانتظار النَّتائج.  

تيم المتيَّم بأَميرة، يصبح تيماء المتيَّمة بأَمين، وما بينهما مخلوق فاقد لثقته بالحياة، لا يستطيع أَن يستعرض ذكورته حين كان ذكراً إلاَّ أَمام شقيقته ميساء، لأَنَّ القانون البشريَّ يعفيه من مهمَّة الجنس في الحبِّ ذلك، ولا يستطيع أَن يستعرض أُنوثته في مجتمع يرفضه تماماً هو المتمرِّد على هذا الواقع، الَّذي يحاول قلب المفاهيم رأساً على عقب.

إنَّه العجز، وهو تعبير صارخ عن عدم القدرة على التمثُّل، وفقدان الهويَّة، إنَّه:

“حرب دون رصاص، ولا دبَّابات ولا صواريخ ومدافع، حربك مع ذاتك”

ص 39.

“لا كنتُ رجلاً مع الرِّجال، ولا امرأَة مع النِّساء، كنتُ لا شيء فقط” ص 100

“كلُّ النِّساء في هذا الشَّرق يتمنَّين أَن يصبحن رجالاً وأَنتَ ركضتَ في الاتِّجاه الآخر” ص 101.

سيتجلَّى الواقع عبر طرق فرعيَّة، وقصص مساندة، وشخصيَّات تسير على الهامش، لكنَّها تحدِّد ماهيَّة هذا الواقع، عبر حسام ابن فلسطين، والحبِّ المحكوم بالموت بينه وبين ميساء، وعبر أَميرة الحبيبة المقيمة في أَمريكا، وأُمِّها الَّتي ترفض علاقة تيِّم بها جملة وتفصيلاً، والحبيب الَّذي عمل في محلٍّ للإكسسوارات، وإربد المدينة القرية الَّتي ما عاد لها من سيرة سوى تيماء، وجامعة اليرموك الَّتي تشبه المدينة-القرية إلى حدٍّ بعيد، وأَمين مدرِّس التَّاريخ الَّذي لا يفهم من التَّاريخ إلاَّ ما يريد فهمه، ويسقط في فخِّ خديعة تيماء، بعد عودته من خديعة حرب أَفغانستان ضدَّ الغزو السُّوفييتيِّ، وينتفض على ذاته، ويسافر للحرب في سوريَّة، مع داعش، وعبر داعش الَّتي أَصبحت غولاً تخيف به الأُمَّهات أَطفالهنَّ حين لا يطيعونهنَّ، وعبر الجهاز الَّذي استورده طبيب من أَمريكا بالذَّات، وأَجرى أَوَّل عمليَّة ختان به- العمليَّة الجريمة- على تيم، أَيُّ طهر كان ينشده والد تيم حين حمل ابنه إلى ذلك الطَّبيب؟ وعبر الجهاز الَّذي يتحكَّم بالعضو، بانتصابه، الجهاز الَّذي تقايض به لينا الممرِّضة، تيم.

إنَّه واقع متداخل إلى تلك الدَّرجة المشوَّشة، ذلك الواقع الَّذي لا يمكن له أَن يبلور هويَّة مفهومة، رغم إصرارنا الدَّائب على ترسيخ مفهوم بذاته للهويَّة، ما يقودنا إلى الفشل تلو الفشل، إنَّه الإصرار على نقطة الثَّبات في بلورة ملامح هذه الهويَّة، في الوقت الَّذي نحن فيه بأَمسِّ الحاجة إلى رؤية هذه الهويَّة من منظور المتحرِّك لا الثَّابت، إذ إنَّ هذه الهويَّة لا تحتمل الثَّبات وسط عالم متقلِّب متحرِّك بهذه الطَّريقة.

“هل كان يمكن أَن أَتصالح مع نفسي قبل أَن أَتصالح مع الآخرين؟” ص 98.

“في المنطقة الفاصلة بين الرُّجولة والأُنوثة سكنتُ وحدي دون رفيق” ص 112.

“كان الضَّوء فضيحتي” ص 56.

“أَتعرف يا تيم، أَنا لا أَلومك، أَلوم هذا المجتمع، حين يصبح الإنسان بلا هدف يضيع” ص 124.

“المفتاح مع لينا، ولينا مع الأَمريكان” ص 178.

أَليست تلك عبارات دالَّة على اتِّجاه البوصلة، أَنيموس لصفاء أَبو خضرة، الأُنثى الَّتي تحدَّت واقعها بهذه الرِّواية هي تمثُّل حقيقيٌّ للتمرُّد على واقع مهترئ يحاول أَن يتستَّر بالطُّهر والفضيلة دون طائل، فالنَّتيجة الَّتي تخلص إليها في نهاية المطاف واضحة:

“أَنا ميت عليَّ أَن أَعترف بذلك، وبحاجة إلى معجزة كي أَنهض من سريري” ص 185.

هل يمكن أَن ندرج ذلك في خانة التَّفاؤل أَم التَّشاؤم؟ ولماذا علينا دائماً أَن نضع ذلك الحدِّ الفاصل بين ما يبدو لوعينا متضادَّات؟ أَليس الموت هبة الحياة؟ والحياة هبة الموت؟ لماذا علينا أَن نضع خطَّاً ثابتاً بينهما وكأَنَّ الوجود مجرَّد لونين فقط: أَبيض وأَسود؟

بواسطة
الشاعر أحمد أبو سليم نداء الوطن
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق