الأخبارمقالات

نتذكر ولا ننسي رحيل القائد المميز صابر محي الدين/ طارق ابوبسام

في مثل هذا اليوم من عام 2003 رحل عن عالمنا، وغادرنا بصمت القائد الكبير ابو طارق، صابر محيي الدين، رفيق الدرب الطويل، وصديق الزمن الجميل.

في مثل هذا اليوم توقف القلب المنهك فجأة عن الخفقان، وتوقف العقل المفكر، عن التفكير والابداع. ما اصعبها من لحظات حين يغادرنا الاحبة والرفاق دون ان يكون لديهم الوقت لوداعنا ويتركونا نتساءل هل فعلا ذهبوا بهذه السرعة ام نحن واهمون. كثيراً ما يرفض العقل ان يصدق الحقيقة المرة، وهذا ماحصل مع غياب الرفيق صابر.
أبى صابر الا ان يرحل في شهر ايلول، هذا الشهر الحافل بالمناسبات والذكريات الاليمة لشعبنا، فمن مجازر ايلول في الاردن، الى مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت، ومن اتفاقيات كامب ديفيد الخيانية التي وقعها السادات، الي اتفاقيات اوسلو الكارثية وملحقاتها والتي وقعتها بعض “القيادات الفلسطينية” المتنفذة بعيدا عن الاجماع الوطني، ومن وراء ظهر الفصائل والشعب الفلسطيني. هذه الاتفاقات التي اوصلتنا لما نحن عليه الان من تطبيع عربي تقوم به الامارات والبحرين، و أبت مغادرته الا ان يكون في ايلول، الشهر الذي رحل فيه القائد الخالد جمال عبد الناصر.
رحل الرفيق صابر في هذا الشهر ليضيف الى آلامنا الما، ولاحزاننا حزنا. لقد كان رحيله مؤلما لرفاقه ولكل من عرفه.
من هو صابر محي الدين
انه سياسي ومفكر، انه كاتب وصحفي. انه رجل المهمات التنظيمية الصعبة .انه المثقف واسع الاطلاع وهو القائل ثورة يسودها الجهل لن تنتصر، وهو بالأساس نموذج بارز للمثقف العضوي الملتصق بشعبه وقضاياه، وانه قبل كل هذا الانسان المتواضع، الانسان الرقيق صاحب الحس الرفيع، والذي احب رفاقه واحبوه، واحب شعبه و احبوه و احبه كل من عرفه او سمع عنها. وقد كنت من المحظوظين بمعرفته معرفة وثيقة، عززت عندي كل ما كتبته أعلاه، مع إحساس بأنني مهما كتبت لن أفي هذا الغائب الحاضر حقه.
كان صابر كتلة متحركة من القيم والنشاط، تجسدت فيها القيم والأخلاق والمبادئ.
كان دائما مبعثا للامل والتفاؤل، في فترة ساد فيها الياس والإحباط. كان مؤمنا ايمانا لايتزعزع بان النصر قادم لامحالة والاحتلال الى زوال رغم قساوة وصعوبة الظروف. وكان يدعو دوما للعمل المبرمج والمدروس، لا يحب الارتجال والعفوية، خطواته محسوبة بدقة كما هو وقته يمقت اضاعة الوقت. كان حريصا على كل دقيقة من وقته يعمل ويعمل دون كلل، رغم ظروف الصحية الصعبة. صابر محاور من طراز رفيع، يحترم الرأي والرأي الاخر، مقنعا في اسلوبه، تراه يحاور هذا الرفيق ويجادل رفيقا اخر، دون تعنت في الرأي، وانما منفتحا الى ابعد الحدود في سماع وجهة النظر الاخري وكان دائما يقول ليس هناك من يملك الحقيقة المطلقة. كان حازما في الدفاع عن مواقفه، وفي الوقت نفسه كان يعترف بالخطأ ويعمل عل تصحيحه فهو بشر كما غيره من الناس يخطيء ويصيب.
ولد صابر في قرية سيلة الحارثية عام 1948، عام النكبة، وعانى مع أسرته كما عانى ابناء شعبه من التهجير والاضطهاد والرحيل.
انتسب لحركة القوميين العرب في سن مبكرة وفي مطلع شبابه في عام 1966 وكان ناشطا فيها. وفي اعقاب هزيمة 1967 وعند تاسيس الجبهة الشعبية التحق بها منذ التاسيس وكان ناشطا مميزا بفعله وفكره و عمله واعتقل في الاردن بسبب نشاطه هذا.
ناضل في مواقع مختلفة في صفوف الجبهة، وتسلم الكثير من المهمات فيها ووصل الى عضوية المكتب السياسي، حين انتخب بعد المؤتمر الوطني الرابع لهذا الموقع.
تحمل مسؤولية فرع سوريا للجبهة بعد الخروج من بيروت، كما تحمل مسؤولية الدائرة الحزبية، كما تحمل مسؤولية الدائرة الاعلامية والناطق الرسمي باسم الجبهة. الى جانب المشرف العام ورئيس تحرير مجلة الهدف وقد ترك صابر الاثار الإيجابية في كافة المواقع التي تحمل المسؤولية فيها والتي تكللت بالنجاح.
الى جانب ذلك تحمل صابر العديد من المسؤوليات في المجال الوطني العام منها:
1- عضو المجلس الوطني الفلسطيني
2- عضو الامانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينين
3- عضوية أمانة سر لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية الفلسطينية
4- عضو المجلس الأعلى للثقافة والعلوم في المجلس الوطني
5- مدير مركز الغد للدراسات الذي اسسه الراحل جورج حبش وبقي فيه حتى رحيله

كان صابر محي الدين صاحب رؤيا سياسية ناضجة، وتحليل علمي دقيق، كان يتميز بمواقفه الثاقبة والدقيقة لرؤية الصراع العربي الصهيوني وكيفية مواجهته، كان يتميز بمواقفه الثابتة في الدفاع عن الوحدة الوطنية الحقيقية، كان مدافعا صلبا عن حق الشعب الفلسطيني في عودته إلى ارضه واقامة دولته على ارض فلسطين، كل فلسطين، في الوقت الذي ذهب فيه الكثيرون الى اوسلو ودافعوا عنها. كان مقاوما شرسا لهذه الاتفاقيات تصدي لها سياسيا وفكريا وثقافيا وبيّن مخاطرها.
كان صابر انيقا في روحه و لباسه، بلا تكلّف أو مبالغة، لدرجة انه كان يلقب، تحببا، بالملك the king او the prince الامير. وقد كان فعلا ملكا ليس في لباسه وهندامه فقط وانما في مواقفه ودفاعه عن الحق، الذي لا يخشى فيه لومة لائم، وصراحته المعهودة البعيدة عن المجاملة، ونقده البناء.
كان يقول اننا فشلنا لاننا لم نحارب الفساد والمفسدين، وسمحنا لهم الوصول للقيادة والتحكم بها، وفشلنا لاننا لم نحاسب ولم نضع شخص المناسب في المكان المناسب.
كان يرى في الكتابة ونشر الثقافة والوعي واجبا مقدسا، ونضالا مستمرا لاهوادة فيه في مواجهة ثقافة الفساد ومنظومته التي تعبث بمصير الشعب وتنشر ثقافة الاحباط واليأس بينما ينشر هو ثقافة الامل والمقاومة.
كان واقعيا من موقع رؤية الواقع والعمل على تغييره، وليس الاستسلام له. كان يؤمن بالنقد والنقد الذاتي، ويميّز بينه وبين جلد الذات المؤدي الى اليأس والاحباط.
كان يرى الاخطاء ويعمل على تصحيحها ولم يكن يوما مستعدا للسكوت عنها.
كان يتحلى بروح المبادرة والمسؤولية، تراه باستمرار يفكر ويبحث عن الحلول المناسبة للخروج من المشاكل والصعوبات من موقع الباحث والمفكر الملتصق بالجماهير ومعها والمعايش لهمومها.
كان منضبطا في مواعيده يحترم الوقت ويعتبره مقدسا لايجوز اضاعته في التفاصيل، كان دوما يبحث عن الجوهر ويتمسك به.
كان يؤمن ايمانا قاطعا بالممارسة والعمل ويؤكد دوما ان الاقوال التي لاتترجم الى أعمال هي فارغة ولا قيمة لها.
كان صابر عنوانا كبيرا للقيم الاخلاقية ورمزا لتحمل المسؤوليات الوطنية.
عاش صابر القضية الوطنية الفلسطينية التي لم تفارقه، وسكنت روحه وجسده، وتجسدت في فكره وعمله ولم تغادره حتى غادرنا هو جسداً، باقياً بما مثّله من قيم وانموذج نضالي بارز.
صابر محي الدين صفحة فلسطينية مشرّفة من صفحات النضال الوطني كتبها بنضاله ومواقفه.
استشهد صابر محي الدين ولم يكن في جيبه سوى بضعة ليرات سورية وهو الذي كان بإمكانه أن يكون من بين الأغنياء حين عرض عليه، ولاكثر من مرة، العمل في الصحف الخليجية ودور النشر وترؤس البعض منها وبرواتب مغرية، لكنه رفض دوما هذه الامتيازات وبقي ملتصقا بالعمل الوطني الفلسطيني ومخلصا لقناعاته.
كان صابر غزير في كتاباته، يكتب ويحلل ويستنتج، وقلما كان يوقع باسمه، ويشهد على ذلك دوره الكبير في كتابه وصياغة ادبيات الجبهة الشعبية، واعداد تقارير مؤتمراتها الوطنية الى جانب الكتابة المستمرة في مجلة الهدف وهو رئيس تحريرها.
لم يكن صابر يبحث عن الشهرة والذات بل كان يبحث دوما عن العام، ويجيّر الخاص لمصلحة العام ولو اراد المكاسب والشهرة الشخصية لتحقق له ذلك بسهولة، ولكنه كان رجلا وقائدا من طراز اخر كان شمعة تحترق لتنير درب الاخرين.
اختار صابر طريقة وواصل مسيرته بشجاعة واخلاص، لكنه لم يختر نهايته وقد اختارها له القدر.
كما سبق وقلت أعلاه، كنت من المحظوظين بمعرفته عن قرب، وقد عشت وتعابشت معه فترة طويلة. وتعود معرفتي القريبة منه للعام 1975. عرفته في بيروت وبغداد ودمشق والجزائروبراغ. وجمعتنا العديد من القيم الاخلاقية والمبادئ والقواسم والمواقف المشتركة، سياسيا وتنظيميا. كنا، كلما التقينا، نتحاورفي الكثيرمن المواضيع الخاصة التي تهم الجبهة، والقضايا العامة التي تخص الوضع العربي والعالمي، وفي مجالات السياسة والثقافة والفكر. وكنا نستمع لبعضنا البعض من موقع الاحترام والتقدير. كنا نتفق في اغلب الاحيان، ونختلف في البعض الاخر، وكلما تحاورنا اكثر كنا نقترب من بعضنا اكثر.
وهنا وفي هذا السياق، تحضرني فكره كان الرفيق صابر دائم التركيز عليها، وهي أنه خطأ منهجي وفكري أن نقارن، كجبهة، بالوضع القائم، وأننا أفضل الموجود، وأن هذه المقاربة تدفع إلى نوع من الرضا عن الذات بالتالي الخمول وعدم البحث عن كيفية التطور، وأن المنهج السليم والصحيح هو أن نقارن أنفسنا وبرامجنا بما نطمح ونسعى أن نكون عليه. وهذا كان، وما زال، يذكرني دوماً بمقولة الشهيد غسان كنفاني ” إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية.
واعترف انني استفدت كثيرا من الرفيق صابر وحوارتي القيّمة معه، وتعلمت منه الكثير، وتوطدت وتعززت علاقاتي معه بشكل كبير جدا، وكنت اتطلع دوما متى ستتاح لنا فرصة جديدة للقاء.
ولايفوتنى في هذه المقال ان اسجل بعض ذكرياتي الخاصة مع الرفيق صابر.
عند زواجه في منتصف الثمانينات من رفيقة دربه وشريكته هناء العلمي، حضر الى طرفنا في براغ ليقضي مع زوجته بعض الوقت بعيدا عن مشاغل ومتاعب الحياة اليومية، او كما نسميه في بلادنا شهر العسل.
ابلغني بموعد وصولهم إلى براغ، وكنت في استقبالهم في المطار، وقد حجزت لهم مسبقا في احدي فنادق براغ الممتازة، وكانت الليلة فيها في ذلك الوقت لاتزيد عن 20 دولارا اماالان تصل إلى 300دولار، وربما اكثر، سبحان مغير الاحوال، ليس هذ المهم، المهم اننا في البوم الثاني لوصولهما ذهبت معهما، انا والرفيق وائل رحمه الله لزيارة قلعة براغ الشهيرة، وهي من المعالم السياحية الجميلة في براغ، وفيها كاتدرائية قديمة من اقدم ماهو موجود في اوروبا. وعند وصولنا كانت حشود كبيرة من السواح تصطف من اجل الدخول الى الكاتدرائية والتمتع برؤيتها، وما هي إلا دقائق معدودة وإذا بالرفيقة هناء زوجة الرفيق صابر تصرخ بصوت عال وتقول سرقوني، وتشير الى بعض الأشخاص وهم من النور، وهذا اختصاصهم يذهبون للاماكن المحتشدة بالسواح ويسرقون وبهربون بين الناس ويصعب الوصول اليهم. لقد سرقوا من حقيبة هناء الجزدان وكانت فيه كل “الغلة” التي جمعها العروسان من ماحصلوا عليه من نقوط من الاهل والرفاق والاصدقاء. ووجد صابر وهناء نفسيهما وقد فقدوا ثروتهم وكل ما يملكون في وضع صعب لم يتوقعوه ابدا.
وما كان من الرفيق صابر الا ان طلب مني ان احجز لهم في اليوم التالي للعودة إلى دمشق، رفضت من جانبي الفكرة باصرار، واقسمت ان برنامجهم ورحلتهم لن يتغير فيها اى شيء، وقدمت لهم ما استطيع. وبالفعل استمرت الرحلة لمدة اسبوعين وكانت من اجمل الايام الت قضيناها سويا وبعد ان عاد الى سوريا اصر على دفع المبلغ الذى قدمته له وقد فعل. رغم كل محاولاتى التي فشلت معه.
هذه احدي القصص التي حصلت بيني وبين الرفيق صابر
وقصة ثانية لازلت اذكرها جيدا عندما انعقد المؤتمر السادس للجبهة في دمشق اصر الرفيق صابر على عدم ترشحه للانتخابات لعضوية اللجنة اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وهو من احق الناس بها لما يمتلكه من مواصفات تؤهله لذلك ورغم محاولاتي الجادة والمضنية معه ومحاولات العديد من الرفاق لثنيه عن قراره وقبوله بالترشح الا انه اصر على رأيه قائلا “اريد ان اتفرغ للعمل الفكري والكتابة نحن بحاجة الى ذلك كما انه من واجبنا ان نعطي الفرصة للجيل الجديد لكي يقوم بدوره في قيادة العمل”.
كان صابر مؤمنا ايمانا راسخا ولديه قناعة لا تتزحزح باهمية العمل الفكرى وضرورة النضال على الجبهة الثقافية والذي كان يعتبره الرديف الطبيعي والرئيس للكفاح والنضال على الجبهات الأخرى، كذلك اهمية التجديد وقد فعل ذلك ومارس قناعاته رغم كل محاولات ثنيه عن ذلك.
هذا جزء بسيط مما مثله الرفيق صابر، هذا المناضل العنبد الشجاع المعطاء المخلص لرفاقه وجبهته، وقبل كل ذلك المخلص لشعبه وقضيته.
رحل صابر باكرا وهو في قمة العطاء، نقول له في ذكري رحيله مااحوجنا اليك يا ابا طارق.
ونقول لك اننا مقصرون في حقك ولا يجوز ان تأتي ذكرى رحيلك دون ان نذكرك ونتذكر مواقفك وهذاحقك علينا. وواجبنا نحوك.
وفي هذه المناسبة نطالب رفاق صابر، ومن عملوا معه، وهم كثر، ان يخلدوا مسيرته وتاريخه النضالي وان يجمعوا كتاباته و يقيموا الندوات الثقافية والحوارية في ذكري رحيله وهو احد اعمدة الفكر والثقافة والنضال الفلسطيني الذي لم يعطي حقه.
وفوق كل ذلك نطالب الكل الفلسطيني الوفاء للمباديء والقضية التي ناضل من أجلها صابر كما غيره ممن غادرونا قبله وبعده.
هل نستجيب

براغ ‏20‏ أيلول‏، 2020

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق