مقالات

عنكِ تحدثت الدروب!!

لا ادري ماذا فعلته بي هذه العودة من العقبة الى عمان، وانا ارحل عبر الحقب التاريخية والجيولوجية، فهذي الصخور التي تتبدى عند رأس النقب معلنة فوعَة التشكل الاولى، جلبت الى ذاكرتي الف سؤال وسؤال، وهذا الغَن الحضاري الصاعد طبقة عن طبقة، من حبق الجنوب الى شقائق الشمال، ظل يلح بصور واخزة تستحضر نشميات مؤاب، وتلقي السلام على جرار البتراء، وتشكو لتايكي وربة عمون، ان النساء في وطن الحضارة والانوثة اصابهن حيف ذوى القربى ومسهن الضر، ولست أدري كيف ونحن نحمل كل هذا الإرث من رسالة الحكمة والعمارة والضوء.
تسير بي سيارتي(لن اعترف بنوعها وسنة ميلادها حفاظا على مشاعركم، فهي تشبه عربة صغيرة يجرها النشيد) على رسلها وكأنها تفكر معي وعلي، لماذا تُنتَقص حقوق البدويات اللواتي يربين العشب والماء على اصابعهن، ويُعَلّمنَ القطيع سمفونية الجبل ورغبة الحياة، ويشددن حبال الخيمة الى اكتافهن العالية ، لماذا ينادي في المَحل بعضهم :انهن أقل حظا في الحقوق، وكم يؤلمني وأنا الطبيبة وأعرف تماما كم مخاض يعبرن لتصل اسماؤكم الى الضفاف.
لماذا تزدحم الطرقات بزغاريد النبطيات وهن يحملن المطر الى عطش المدينة، ويقطعن الصخر بوصايا الارادة وينجبن حارثا وعبادة ومدنا باقيات يهزأن بالوقت والريح.
لماذا تكتب المؤابيات نشيد انشادهن لفرسان الجبل ولعاملات الحقل ولأسراب النجوم في هيجنه تصفع يوشع وعمري وتعلن القدس سلّما للسماء، تَلجه مريم وابنها المبشر بدينونة العدل وملكوت الله .
لماذا تلد ربة عمون بناتها المدن وحورياتها الحارسات، يحمين خطى التجار والعشاق الى راس العين، ويفتحن الدروب لخلفاء الله الذين يرسمون الفجر حجارة ومدرجات وطيوبا وقوافل.
لماذا والف لماذا ولا تجدي كل ادوات الاستفهام؟
وطني الموشى بألق الحضارة وخيول الفاتحين الذاهبين شمالا، وطني الذي غسل المسيح من خطايا الارض في عذرية نهر الاردن، أجبني كيف يؤكد الدستور على مساواة الاردنيين والاردنيات في كل الحقوق والواجبات، ويصر البعض ممارسةً وتطبيقاً على الحد من الاطلاق وسجن المساواة بكلمة غابت هي (الجنس) ليحرم النساء من حق كتبه الله في لوحه المحفوظ وحفظه الدستور ضمن نصوصه مُعلما وموثقا وهاديا.
تَنص المادة رقم (6) من الدستور الأردني على أن «الأردنيون أمام القانون سواءـ لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق، أو اللغة، أو الدين».
لم يذكر الدستور الجنس لأنه مضمن في السياق، وأي محاولة للاصرار على غيابه ما هي الا اختراق للدستور، واطاعة لرغبات من التخلف والرجعية، لا تليق بنا ونحن الحاملين كل رسالة والمكملين لكل خير، والمدافعين عن كل تجلٍ اخلاقي، أصحاب النخوة والفزعة وإغاثة الملهوف.
كل محاولات الاعتماد على غياب كلمة الجنس للانتقاص من حقوق المرأة، تحت حجج واهية من الضغط السياسي او غيره، ما هو الا تمييز عنصري ضد المرأة يجب وقفه.ومن هنا حيث حمل النص معنى ذكوريا تتسرب كل اشكال التمييز بما فيها العقوبات المخففة، التي تطال قاتل الانثى ومرتكب الجريمة تحت اعذار واهية، ومن ما اسمعه من النساء كطبيبة نسائية، أعلم اي موبقات ترتكب بحق النساء، ليس فقط من سوء استخدام النص القانوني، ولكن احيانا كثيرة من سوء الادعاء، فخلاف بين رجل واخته على الميراث قد يدفعه لقتلها والاحتماء بمنفذ قانون العقوبة المخففة.
وتتوالى حالات الانتقاص من حقوق المرأة والتي تتركز في قانون الاحوال الشخصية والحقوق المدنية وقانون العمل، وان احتوت القوانين على الجوانب الاساسية التي تضمن حقوقها إلا ان التطبيق يخضع في احيان كثيرة الى منافذ مشرعة والى ثقافة سائدة حول نقصان حقوق المرأة مغلفة بادعاءات مستندة للدين او التراث.
وطني كلما توغلت فيك اقترب منك اكثر، وما زالت المدن والقرى والجبال والصحاري والصخور تتغنى براياتك الحسنى التي وسعت كل امنية.
كثر المداحون لحقوق المرأة فيك، وأخطرهم بالنسبة لي كل من ينظر لقضايا المرأة، كسياق مستقل لا يرتبط بحقوق المجتمع وتقدمه، وكأن الوطن مجموعات من الأفراد مقسمة جنسيا او عمريا، وتتصارع حقوقها بناء على هذا البناء الفوقي الموهوم المفترض، ناسين او متناسين او كلا الشرين معا، ان الصراع الاساس يتعلق بالدور الاقتصادي للفرد والذي ينتج عنه نظما طبقية ومعرفية واخلاقية، تحاول تأبيد مصالحها على حساب العاملين المنتجين وبما يضمن وظيفته المنتجة وقدرة بيولوجية اعلى لتطويل سنوات الاضطهاد، فالمطالبة بتوحيد جهود المرأة للدفاع عن حقوقها والتمييز ضدها امر جيد وملح ومطلوب، ولكن المطلوب توحيد كل الفئات الاجتماعية لنيل حقوقها بحرية وكرامة وتضامنهم جميعا من اجل الدفاع والنضال باتجاه حقوق المرأة التي تشكل درعا واقيا لإنسانيتنا ودورنا الحضاري.
وطني المُحَنّى بالأمل
ان الاساس في نهضة المجتمع يكمن في المرأة، وعلم النفس يصر على قولته، ان السنين الاولى هي صانعة الشخصية للبنت وللولد، للشاب وللشابة، وفي هذه المرحلة يقضي الابناء جل اوقاتهم مع المرأة الام ومن ثم المعلمة، فلذا اذكركم بني وطني ان حقوق نسائكم هي مستقبلكم الفردي والجماعي والوطني، وكل ما تلحظونه من نجاح او فشل، من تقدم ومن عبقرية، هو ما اودعه المجتمع في فكر نسائه وفي كرامتهن، ومن هنا فتمكين حقوق المرأة لا يعني ابدا خسارات شخصية، وانما ربح وفوز كبير ، ومد المرأة بالحرية والخبرات مقدمة لتحريركم وازدهاركم.
وطني:
الطريق تطول وتقصر، وها هي عمان تفرد ذراعيها، وها هي تايكي تغني لعودتنا لمستقبلنا، وقد نبت القمح في ايادينا ودنت البيادر من كل روح، والسنابل تعد بمواسم كثر، وفي الرحلة القادمة سنغني معا لوطن يطحن الصخر وينتصر ببنيه وبناته، بشبابه وشاباته مغسولين من انماط البؤس والعفن، معطرين بصهيلهم ورحيقهم ونجومهم، بعماله وفلاحيه وبرؤيته الثورية التي تجمع كل الباحثين عن معنى .

بواسطة
د. نهاية برقاوي
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق