24 عاما على توقيع اتفاق أوسلو… أين الخطأ، وما المَخرج؟

من نافل القول أن نبدأ بالسؤال، بعد مرور 24 عامًا على اتفاقية أوسلو، هذه الاتفاقية الكارثية، ماذا جنينا منها سوى الدمار والكوارث لشعبنا الفلسطيني؟ فقد أدت اتفاقية أوسلو إلى نتائج خطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ ساهمت في تعزيز حالة التمزق والافتراق، وإبقاء أسباب الاستنزاف والانفجارات الداخلية قائمة. هذا ما بدأ به عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مسؤول فرعها في غزة، جميل مزهر، عند سؤال نداء الوطن له عن إمكانية تقييم اتفاقات أوسلو بناءًا على واقع السلطة الفلسطينية.

ويتابع؛ إن قيام قيادة منظمة التحرير المنظمة بالتوقيع على هذه الاتفاقية وماتلاها قد عرّض القضية الفلسطينية إلى مخاطر عديدة ما زلنا ندفع ضريبتها دمًا ومعاناةً وانقسامًا، وتدهورًا في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك نستطيع أن نقيّم هذه التجربة بأنها من أكبر الكوارث التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني بعد النكسة.

كما أدت الاتفاقية إلى نتائج خطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث ساهمت في تعزيز حالة التمزق والافتراق، وإبقاء أسباب الاستنزاف والانفجارات الداخلية قائمة، حيث لم تحسم القيادة المتنفذة خياراتها، ففي الوقت الذي تحتاج فيه للانتفاضة والمقاومة كعوامل ضغط على العدو، تخشى من مغادرة مربع أوسلو والمفاوضات على أساس الاتفاقات والمرجعيات، بل وشكلت عاملًا كابحًا لطاقات شباب الانتفاضة وصل في الأشهر الأخيرة إلى أقصى مدياتها من خلال الملاحقة والاعتقال للمقاومة، وفي ظل الغياب الكلي للمؤسسة الفلسطينية وبشكل خاص منظمة التحرير الفلسطينية، حيث لم تجدِ نفعًا كل المحاولات لاستحضارها (اللجنة التنفيذية، المجلس المركزي) وبالتالي تغييب مرجعيتها عن الدور والمكانة فكل القرارات المفصلية ذات الشأن السياسي العام بدءًا من التعاطي مع المقترحات الأمريكية وصولًا إلى التماهي مع المشروع الأمريكي أو ما يعرف بالمحور السني في المنطقة إلى تآمرها على الانتفاضة وممارساتها ضد شعبها في غزة.

يستدرك مزهر، قائلًا؛ “ما يجري اليوم تحديدًا هو الإمعان في الهرولة والرضوخ لهذا المشروع الذي يسعى لتمريره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر المشروع الإقليمي، على الرغم أن هناك اعتراف من قيادة أوسلو بأن الرئيس الأمريكي لا يملك أي رؤية أو برنامج حول موضوع التسوية، وأن كل الأفكار التي يطرحها هي مجرد ترتيبات مع الكيان الصهيوني وفقًا لرؤيته من الصراع.”

من جانبه يقول الكاتب والمحلل السياسي، لبيب قمحاوي، “إنه من الخطأ النظر إلى اتفاق أوسلو باعتباره تطورًا طبيعًا ومنطقيًا في مسار العمل النضالي الفلسطيني. فأوسلو جاءت كطفرة سرطانية أدت بالنتيجة إلى مقتل كافة مكتسبات النضال الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية وإنجازاتها. وبعد انقضاء 24 عامًا على تلك الاتفاقية، فإننا نقف جميعًا عاجزين عن تعريف أي شيءإيجابي يمكن أن يكون قد نتج عنها.”

وفي معرض تقييم نتائج اتفاقات أوسلو، يضيف قمحاوي، “إن أهم ما نتج عنها هو استبدال منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة الشعب الفلسطيني، وقائدة مسيرته النضالية بسلطة فلسطينية تستمد شرعيتها من اتفاق اوسلو وبالتالي من سلطات الاحتلال.”

أوسلو… أين الخطأ؟

يرى القيادي في الجبهة الشعبية، أنه من حيث المبدأ كان التوقيع على اتفاقات أوسلو خطيئة كبرى تتحملها القيادة الفلسطينية المتنفذة، فالتوقيت كان مشبوهًا وهدفه الانقضاض وكبح جماح الانتفاضة الكبرى التي بدأت تكبر وتتعزز وتتوسع وتصبح أمرًا واقعًا على شعبنا الفلسطيني، وإرهاقًا وخسائرًا كبيرة على الاحتلال وقتذاك. ولذلك رضخت هذه القيادة لمقتضيات الاستراتيجية والمخططات الأمريكية – الإسرائيلية، كما حملت نصوص الاتفاقية تنازلًا خطيرًا عن الأرض والثوابت، وشهدت إلغاء لبنود ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية.

ويُشدّد مزهر؛ “كل ذلك برأيي لم يخرج عن سياق المخططات المشبوهة التي أدارتها الولايات المتحدة عن اقتدار وبانحياز وتنسيق كامل مع الكيان الصهيوني وبرضوخ من بعض الأنظمة العربية، وبالتالي فإن المشروع السياسي الأمريكي للتسوية والمستمر حتى هذه اللحظة كما جرى تظهيره في أوسلو لم يخرج عن كونه مشروعًا لفرض مزيد من الرضوخ السياسي والاقتصادي على المنطقة”.

أما الكاتب قمحاوي، فيرى أن؛ ” اتفاقات أوسلو من حيث المبدأ خاطئة بغض النظر عن توقيتها أو نصوصها أو المفاوضين عنها. إذ لا يُعقل أن يفاوض أحد عدوه من منطلق الضعف وتحت واقع الاحتلال. لَمْ تفاوض القيادة الفلسطينية على حجم التنازلات الاسرائيلية بل فاوضت على حجم التنازلات الفلسطينية ولم يعطي الاسرئيليون شيئًا و أخذوا الكثير في المقابل.”

يُضيف مزهر، “ساهمت هذه الاتفاقية في تحطيم وتمزيق أهم إطار وطني فلسطيني في الفترة المعاصرة وهي منظمة التحرير الفلسطينية. إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على قصر نظر السياسة التي مورست، وخفة التعامل مع هذا الإطار الهام، الذي كان من المفروض أن يبقى بمثابة الإطار الوطني الجامع، والمعبر الحقيقي عن وحدة الشعب الفلسطيني المشتت والممزق جغرافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.”

ما الحل؟!

يرى مسؤول فرع الجبهة الشعبية في غزة، أنه قبل الاختيار بين حل السلطة أم التعاطي مع الواقع والاستفادة منه من خلال سلطة وطنية موحّدة، يجب علينا إعادة تحديد ماهية البرنامج الوطني الذي يمكن أن يقود نضالنا، والذي يجب أن ينطلق من استراتيجية ثابتة وفهم أساسي لطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، وبأننا نعيش في مرحلة تحرر وطني نواجه خلالها احتلال صهيوني كولنيالي استعماري ما يتطلب ابتداع أساليب وأشكال وأدوات للتحرر ترتكز على الثوابت، واستخلاص العبر من تجربة أوسلو المريرة والتي لم يجني شعبنا منها إلا الكوارث والانقسام والاستهداف المتواصل من الاحتلال، وبالتالي فإن الكيان الصهيوني وعلى مدار 24 عاماً قد فرغ أصلاً السلطة من مضمونها، وباتت مسألة تحويلها إلى أداة كفاحية لا جدوى منه طالما أن سلطة الاحتلال تعززت على الأرض على حساب سلطة السلطة، بالإضافة إلى أن تفاصيل بنود اتفاقية أوسلو قد جعل من قضية تحويلها إلى سلطة وطنية على أرض الواقع أمراً صعباً في ظل محاولات تدجين أفراد أجهزتها الأمنية، وممارساتها القمعية على الأرض، والتزاماتها الأمنية خاصة في موضوع التنسيق الأمني.

بدوره يرى لبيب قمحاوي، أنه لم يفاوض الفلسطينيون انطلاقًا من محاولة الاستفادة من الواقع، بل استسلامًا للواقع في محاولة بائسة للوصول إلى كرسي الحكم حتى لو كان في ظلال الاحتلال وتحت حمايته، وفي المقابل تنازلت القيادة الفلسطينية عن مختلف المكاسب التي حققها الشعب الفلسطيني بنضاله ومختلف المؤسسات التي بناها بجهده وتضحيات أبنائه. أوسلو هي النهاية التي لم يريدها أحد لعقود من النضال الفلسطيني الهادف إلى التحرير، وفي أسوأ الحالات إلى إنشاء كيان فلسطيني على جزء من فلسطين كمرحلة على طريق التحرير الشامل.

ويختم قمحاوي؛ “في النهاية، وبالرغم من التفاصيل التي وردت في اتفاق أوسلو، فإن النص القائل (“حيثما يقف مواطن اسرائيلي ، فإن السيادة هي لدولة اسرائيل”) يبقى هو الأساس في فهم وتقييم اتفاق أوسلو.

ويختم مزهر قائلًا؛ ” إن حل السلطة أقرب للخيار المعقول في ظل اجراءات الاحتلال على الأرض. ولكن قبل تبني هذا الخيار يجب أن نصوغ استراتيجية وطنية موحدة نحدد من خلالها آلية التعاطي مع موضوع حل السلطة وإيجاد البدائل الحقيقية له تقطع بالكامل مع اتفاقية أوسلو، ونؤكد خلال هذه الاستراتيجية على وحدة مركبات شعبنا، ترجمةً لشعار وحدة الأرض والمصير والهوية، وإعادة بناء المؤسسات وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية والتمسك بالثوابت والمقاومة خاصة المسلحة كأنجع الوسائل المجدية ضد الاحتلال، واستعادة وحدة شعبنا، ومواجهة مشاريع تصفية قضيتنا الفلسطينية.”

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.